15/08/2006

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 

مدىً..، يضيقُ بي

الكاتبة السعودية عَصَّامْ بِتْ حَجّي سَلْمَانْ

a_bit_salman@hotmail.com

 
 
 

فرضَ عليَّ توّحداً لمدةِ سبعةِ أيام. لي فيها مدىً يعلو / صدراً ينقبضُ !

أستيقظ صباحاً قبل أن يفيق، أكتبُ رسالةً إلى ( خاتون )* وأبعثها على بريدها الالكتروني. أتمنى لها صباحاً مُشرقاً. وأرجوها أن تدعو لي بذلكَ أيضاً. أخبرها عن جنونه والعتمة التي فرضها عليّ. أشعرُ بها تبتسمُ لي وللرسائل التي أُغرقها بها. أحياناً، أكتبُ لها ( اشتقتكِ ), أو أرسلُ لها صورةَ وردةٍ فقط ! أهتّمُ بمراسلتها بينَ الفينةِ والأخرى.

أُعدُّ لي شاياً بالليمون، وكأس برتقال طازج لمزاجه الصباحيّ الهادئِ غالباً / المتوتر مؤخراً.وأخرجُ للعمل الذي أحاول أن أنسجم فيه, أثرثر، أضحك وأركزّ. نعم، التركيز تلك هي المعضلة. فقد أصبحتُ كثيرة السرحان. يُجهدني اصطناع البسمة، الثرثرة، المبالاة في اللحظة التي أكونُ فيها بأمسِّ الحاجة للصمت، الغفوة عن العالم المحيط ولو لدقائقَ فقط. لكنني وعدته أن أستمر في البقاءِ بِعتمتي سبعة أيام !

في طريق عودتي إلى المنزل، أثرثرُ مع سائقيّ الأندونيسيّ قليلاً. أمنحهُ شعوراً بأنني مهتمةً به كـ إنسان، لا كمجرد سائق لا كيان له. أسأله عن أحوال ابنته ودراستها, عن زوجته ومرضها وأرجو لها العافية, عنه فيما إذا كان مُرتاحاً وأستسمحُ منه عن بعض اللحظات التي تعاليتُ فيها عليه , أزعجته أو حقّرتُ من شأنه. أكادُ ألمح ابتسامةً في عينيه قبل شفتيه. طيبٌ هو، كلمةٌ طيبة ترفعه سابع سما!

في المنزل، نجتمع للغذاء، أنا وهو. أنا التي ما اعتادت تناول هذه الوجبة تحت أي ظرفٍ من الظروف، أجدني الآن أتناولها وكُلّي رضى. تصنّع الرضى بالأحرى. وبعدها أنامُ قليلاً علّي أحلمُ بي في حالٍ أفضل مما أنا عليه الآن. مجرد هترات وضباب يلّفني فلا أُنجز في الحلم شيئاً.

أستيقظ في بداية الليل. لليلِ سِحرهُ. كمنجاتهُ تعزفني لحناً يصّاعدُ مع أنفاسي المخنوقة. أن أمكث في العزلة، يعني أن أخرج على الدوام وأقابل الناس ، أجاملهم، أضحكُ وأثرثر معهم فوق حدود طاقتي. أن أكون في عُزلةِ العتمةِ والتوّحد، يعني أن أُحرم فرصة الجلوس في غرفتي مع نفسي، في سريري وبين أحضان كُتُبي، بعيداً عن جهازي وتلفازي قريبةً من الصوتِ/ الضجّةِ/ الجَمعةِ التي تمتدُّ سبعةَ أيامٍ بلياليها من عمري!

لا أحتملُ الناس يا أبتي، لا يمكنني أن أحيا وسطَ ضجيجٍ وحركةٍ لا تهدأ. يُربِكونَ إيقاع حياتي، يُلزمونني أن أؤجل أشيائي الخاصة والحميمة بالنسبة لي. لن ينفعكَ أن تستلّ مني نفسي وتمزجني في كأس نفوس مُزدوجة. لن ينفعكَ أن تمنعني من مراسلة ( خاتون) التي استردّها الله منذُ زمن وأبقاني فارغةً حتّى منّي. لن تنفعكَ فرضيّاتك التي تُلزمني بها. سأفعلُ ما تريد دون قناعةٍ منّي فماذا تستفيد..!؟

أُغافلكَ صباحاً وأرسل روحي لها في رسائلَ لا تُفتح في بريدها الممهور بها ! لازلتُ أغفلُ وأرسلُ لها على هاتفها الخاص أخبرها بتأخري في العودة من العمل! تُعاتبني عند عودتي، فأخبركَ بأنني أخبرتُ خاتون، ألم تُخبرك !ونظرةُ الوجع مخنوقةٌ في عينيك.

أنسى, واللهِ يا أبتي أنسى. وكيف للروح أن تهدأ عند انقسامها، خروجها من نفسها!

أعودُ لي، لحريّتي وانفتاحي، لغرفتي, كُتبي, شخوصي، جهازي، تلفازي، نافذتي المطلّة على شارعٍ احتضن وقع خطواتِ الصِبا، كركرات الطفولة وهمس العاشقين. موسيقاي التي صدأت من تتابع دورانها وانحشارها بين جدرانٍ أربعة.......تلك الجدران التي حدّت من سِعة الضِيق الذي كنتُ فيه!! تمنحني صوتاً أتعرّف به على نفسي.

جدران، تُخفيني خلفها.

وتنسجُ لي كوناً مُفعماً بي !

 

______________

* خاتون: توأمي التي فَقَدتْ، صورة طبق الأصل منّي. نصفي الذي رحل!

 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية