|
كمن يخرج من جوف أفعى ، اندفع مثل بغل ، مرتبكاً ،
تائه الفكر ، يجري
بخطوات مهزوزة بلا توقف ، يجاهد في شق طريقه على
الرصيف المزدحم بالمارّة . يصطدم بهذا و يدفع ذاك ،
دون أن يفكر بغضب احدهم ، تتلقفه إعلانات الملاهي بصور
الراقصات الجامدة و تلفظهُ أنفاق الجسور الملتوية ،
بعيدا عن سيطرة الحواس .يتلوى فاردا ساقيه من رصيف إلى
آخر ، كمن تحوم حوله الشبهات ، غير مهتم بحركة
السيارات المتخاطفة ، يلتصق تارة بجدار فندق و أخرى
يلوذ داخل مقهى صغير ، وكلمات مبهمة يطلقها من فمه ،
يدوس أكوام القمامة و يخوض في وحل المجاري ، متقطع
الأنفاس ، منذهلا لما يراه : مطاعم ذات واجهات من
زجاج / مقاه / حانات / فنادق / محال تجارية / حدائق …
شاعرا برأسه يتضخم كطبل يكاد ينفجر . يعلو سحنته
الحزن ، مسلوب القوى ، ينظر حواليه في يأس بعينين
غائرتين محمرتين ، نظرة مثيرة ، ميئوس منها ، هزيل
الجسد ، ضيق الكتفين ، له وجه قاس الملامح بجلدة صفراء
كثيرة التجاعيد ، وجه مجوف بارز ، عظامه ترسم أخاديد و
نتوءات حادة ،حيث بدا بجلسته على الرصيف كتمثال رمي
بعد أن أسيء صنعه .
خرج في مساء شتائي فظيع اشتدت رياحه و تبقعت فيه
السماء بسحب داكنة أخذت تنث مطرا خفيفا ناعما يباغت
حركة الناس الذين تشكلوا جماعات و أفرادا يسرعون في
الخطى ، عائدين إلى البيوت . في خضم دقائق اشتد هطول
المطر ، غسل واجهات المباني / الشوارع / العربات /
الأشجار التي بدت أوراقها لاصفة نظيفة مثل دموع تلمع
في ضوء أعمدة النور .
نهض مذعورا كأنه فزّ من كابوس متجها نحو اقرب
مظلة سبقه إليها بعض الأشخاص ، يحدق في الوجوه المعتمة
الباردة ، ملتصقا إلى جانب ، يتمتم بصوت خافت و ينظر
في اتجاه السماء ، ثم ينظر معهم حيث كانوا في انتظار
باص النقل . كان بعضهم قد اشبك ذراعيه على صدره و
آخرون بدأوا التدخين ، بينما كان هناك من يتأمل في صمت
منظر الأشجار المبتلة القريبة و هي تغتسل تحت المطر .
وشيئا فشيئا أخذ الشارع يخلو من حركة السيارات .
صاح أحدهم :
- أخيرا
وصل الباص .
وما ان توقف أمامهم حتى صعدوا يتدافعون بضجيج اختلط مع
صوت المطر . ولما لم يتبق سواه . صاح به رجل وقف عند
الباب :
- هيه
.. أنت هلاّ صعدت .
وحين رآه لم يحر جوابا . كرر النداء عليه ، ثم اغلق
الباب، ليندفع الباص بطيئا ثم أسرع مخلفا فقاعات هواء
صغيرة طفت محاذاة الرصيف سرعان ما انفجرت .
كان الشارع واسعا ، خاليا ، ونهايته البعيدة مظلمة لم
يتضح منها شيئا وكان الرصيف القريب نظيفا يلمع
تحت وميض البرق . وكان الوقت يقارب ثلث المساء . وهو
لوحده في عتمة المظلة الحجرية يقفز مثل حيوان في قفص ،
هازا جسده ، يركل الارض و المطر يتساقط قويا عارما . و
فجأة ، صدرت عنه صيحة طويلة ، تبعها نشيج و بكاء أشبه
بحشرجة طويلة ، تمرّغ على الارض ، ثم في عرض الشارع
دون حراك راح يسبح تحت المطر . |