15/08/2006

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 

جفاف

قصص قصيرة

القاص نبيل جميل

 nabeelstory@yahoo.com

 
 

مطر

كمن يخرج من جوف أفعى ،  اندفع مثل بغل ، مرتبكاً ، تائه الفكر ، يجري بخطوات مهزوزة بلا توقف ، يجاهد في شق طريقه على الرصيف المزدحم بالمارّة . يصطدم بهذا و يدفع ذاك ، دون أن يفكر بغضب احدهم ، تتلقفه إعلانات الملاهي بصور الراقصات الجامدة و تلفظهُ أنفاق الجسور الملتوية  ، بعيدا عن سيطرة الحواس .يتلوى فاردا ساقيه من رصيف إلى آخر ، كمن تحوم حوله الشبهات ، غير مهتم بحركة السيارات المتخاطفة ، يلتصق تارة بجدار فندق و أخرى يلوذ داخل مقهى صغير ، وكلمات مبهمة يطلقها من فمه ، يدوس أكوام القمامة و يخوض في وحل المجاري ، متقطع الأنفاس ، منذهلا لما يراه :  مطاعم ذات واجهات من زجاج / مقاه / حانات / فنادق / محال تجارية / حدائق …  شاعرا برأسه يتضخم كطبل يكاد ينفجر .  يعلو سحنته الحزن ، مسلوب القوى ، ينظر حواليه في يأس بعينين غائرتين محمرتين ، نظرة مثيرة ، ميئوس منها ، هزيل الجسد ، ضيق الكتفين ، له وجه قاس الملامح بجلدة صفراء كثيرة التجاعيد ، وجه مجوف بارز ، عظامه ترسم أخاديد و نتوءات حادة ،حيث بدا بجلسته على الرصيف كتمثال رمي بعد أن أسيء صنعه .

خرج في مساء شتائي فظيع اشتدت رياحه و تبقعت فيه السماء بسحب داكنة أخذت تنث مطرا خفيفا ناعما يباغت حركة الناس الذين تشكلوا جماعات و أفرادا يسرعون في الخطى ، عائدين إلى البيوت . في خضم دقائق اشتد هطول المطر ، غسل واجهات المباني / الشوارع / العربات / الأشجار التي بدت أوراقها لاصفة نظيفة مثل دموع تلمع في ضوء أعمدة النور  .

         نهض مذعورا كأنه فزّ من كابوس متجها نحو اقرب مظلة سبقه إليها بعض الأشخاص ، يحدق في الوجوه المعتمة الباردة ، ملتصقا إلى جانب ، يتمتم بصوت خافت و ينظر في اتجاه السماء ، ثم ينظر معهم حيث كانوا في انتظار باص النقل . كان بعضهم قد اشبك ذراعيه على صدره و آخرون بدأوا التدخين ، بينما كان هناك من يتأمل في صمت منظر الأشجار المبتلة القريبة و هي تغتسل تحت المطر . وشيئا فشيئا أخذ الشارع يخلو من حركة السيارات .

صاح أحدهم :

- أخيرا وصل الباص .

وما ان توقف أمامهم حتى صعدوا يتدافعون بضجيج اختلط مع صوت المطر . ولما لم يتبق سواه . صاح به رجل وقف عند الباب :

-  هيه ..  أنت هلاّ صعدت .

وحين رآه لم يحر جوابا . كرر النداء عليه ، ثم اغلق الباب، ليندفع الباص بطيئا ثم أسرع مخلفا فقاعات هواء صغيرة طفت محاذاة الرصيف سرعان ما انفجرت .

كان الشارع واسعا ، خاليا ، ونهايته البعيدة مظلمة لم يتضح منها شيئا       وكان الرصيف القريب نظيفا يلمع تحت وميض البرق . وكان الوقت يقارب ثلث المساء . وهو لوحده في عتمة المظلة الحجرية يقفز مثل حيوان في قفص ، هازا جسده ، يركل الارض و المطر يتساقط قويا عارما . و فجأة ،  صدرت عنه صيحة طويلة ، تبعها نشيج و بكاء أشبه بحشرجة طويلة ، تمرّغ على الارض ، ثم  في عرض الشارع دون حراك راح يسبح تحت المطر  .

 
 

***

 

لغز

بحركة مرتبكة بطيئة من يدهِ المرتجفة ، أزاح جانباً من ستارة النافذة المغلقة والمطلّة على حديقة المنزل ، تاركاً وجههُ الشاحب ذا النظرات التائهة يلتصق بالزجاج ،  ينغمر في ضوء الصباح المظلّل بأوراق شجرة البمبر ، تعلوه عينان جاحظتان ، محاطتان بهالتين رماديتين ، وشفتان تشوبهما صفرةٌ مزرقّة ، تفضح خواء الجسد الواهن   في عزلة الاحتضار ، مجاهداً في تمالك قلقه  بوقفتهِ المُلتهبة بالصمت ، يراقب عبر اللوح الشفيف  حركتهما ، وهما يتحدثان ويعملان على إخراج المكتبة  بطريقة مُتقنة ، سحباً ورفعاً ، من فتحة الباب المتصالب في جدار المخزن ، متابعاً حركة أيديهما الخاطفة بالتنظيف والمسح بقطعةِ قماش مغموسة بالنفط .

ـ أنظر كيف نخرتها الأرضة .

ـ همْ ، بسبب إهماله ليس غير .

بدا الارتباك عليهما واضحاً حين لمحا وجوده المفاجئ ، فأخذا يسارعان بالعمل ويتهامسان :

ـ لابدّ أنهُ تورط في النهوض ..

ـ أشش .. لا عليك سيعود ، ثم إن أبديت لهُ مساعدة سيرفض .

قبل أن يفرغا تماماً من عملهما ، أرعبتهما صرخة  خارقة لإمرأة فزعة قفزا على أثرها يتراكضان مندفعين نحو الداخل . 

 
 

***

 

جفاف

اندفع الثدي من فتحة الثوب العليا ، بقوة بركان ، كتلة رجراجة من اللحم الطري ، استقرّت في منتصفهِ هالة واهية بلون الحنّاء ، انتشرت عليها بثور دقيقة جداً وزغب راعش ، ونبتت وسطها حلمة داكنة بحجم حبة العنب .كان كلّ شيء واضحاً بفضل ضوء النهار المشعّ  من النافذة المفتوحة، المرأة بثوبها الأسود ذي الكمين الطويلين وفوطة رأسها السوداء / خزانة الملابس ذات الدرفتين أقصى الزاوية / الأريكة الوحيدة وقد جلست عليها المرأة مُنحنية ، تدلّك وتضغط بكفّها الأيمن ثديها الأيسر ، فتكاد حلمته المتيبّسة تطفر من بين أصابعها المرتجفة .وفجأةً ، ترتفع اليد ، طائرة ، مفتوحة الأصابع ، مثل جناح حمامة ، وتستقر على قنينةِ الرضاعة الموضوعة إلى جانب ، تاركة الثدي يتدلّى وحدهُ ، وسط صراخ الطفل المتصاعد  في جوف الغرفة .

 
 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية