|
النعناع ...
النعناع الذي حضرت منه رائحته الباذخة
و خضرته الوقور ..
النعناع الذي حضر ملمس ورقه الخشن
بعروقه النافرة وعيدانه النحيلة يشربُ شعاعَ الشمس
المكسور على حواف أكواب الشاي في جلسة الأصحاب ..
يهضمه في وهج الظهيرة يُنادي عليّ لأنحني عليه فيطفو
ورق النعناع على كف ذاكرتي ، بشراشيبه المشلوعة للتو
من أرض الديار من رطوبة التُربة و غموض الفيء !
تسألني سمية كيف للرائحة واللون أن
يستدرجا السارد ليحكي زمناً صامت اتكأ على الذاكرة
المتبلة بزعفران الشوق وفلفل المدامع ؟ كيف للأشياء
أن تخلخل الضلع منا فلا تسندنا إلا الذاكرة ؟
أقول لها لا ثقافة تعلو على ثقافة
المطبخ لأنثى تفتحت على شَبَك النملية* بين مرطبانات
الزعتر و البهار و مربى التوت .. تتغندر بمساحيق
الطهي اللاذعة ، فالبابونج للغرة الشقراء و قشر
الباذنجان للظفيرة السوداء و العُصفُر لون البرونز
تدلك وتدهن أنوثتها بلونه الشامس فيلتمع النحاس على
منكبيها!
أما التوت فهو شجرة الصيف الملتهب
خلف الدار تطرح ثمارها بين شفتيها تُنادي ابن
الجيران ...
الأنثى التي لم تخرج من قدور الإدام
ولم يلمع زيت الزيتون على جبهتها لا تعرف كيف تُرتبُ
الحنين كيف تُدير ماكينة الأزل لترتق قماش الزمن
الفارط لتعجن حلو الأيام بمرها لتخمر الذكريات وتنضجها
لصغار اليوم على حجرها .. وباختصار أشمل هي لا تفقه
لغة الهال إن مازج البن المحمص تحت جلودنا !
فالمطبخ هو الإلهام الأول لحكايات
الجدات حمّلتني إياه أمي في بُقجة السفر .. يحل عقدتها
شرطي الحدود فتفغم أنفه رائحة الكزبرة المجففة
المسحوقة ، ورؤوس الثوم البيضاء المجدولة أزين بها ليل
شرقي ..
أدق بقهر الفصوص البيضاء أخلطها مع
الكزبرة أروح وأجيء بها على نار الغضب مع زيت الروح
يؤجج شعلتها يذبُ عنها كي لا تنطفيء في عتمة الأنفاق
الباردة تلتف على المُهجر لتوصله لأنياب النسيان!
البقجة التي سحرت شرطي الحدود وهو يكمش
كمشة من البامية المجففة صغيرة ويابسة كالمسامير تطُش
فوقها كزبرة الروح ببياض الثوم وحمرة الطماطم في دمي ،
لعل هذا يفسر عشقي للكتابة بالأحمر وأنا أحول الكتابة
لحرائق تندلع تحت أناملي !
يسألني شرطي الحدود ممازحاً إن كانت
تصلح زوادتي للإستهلاك الآدمي ؟!
أجيبه بابتسامة بلهاء هي تصلح
للمنسيين على عتبة الحضارة المهيمنة بحديدها القاتل
خلف ظهر عريضة حقوق الإنسان حيث الأرض تُسلب من تحت
أقدامنا فتُقصف أشجار زيتونها ويهدم سور بساتينها
ويرشُ الآدمي جنباً إلى جنب مع الأشجار بالكيماوي
القاتل .. هناك لم تنج عروق النعناع من تهمة الأخضر
المرهب من رائحة تفتح قصبات الحلق ليلهو النواح
بلهاتها ، ولم ينج البطيخ من نسب القنابل اليدوية
نُصنعها بأرضنا لنقتل المتحضرين على الضفة الغربية!
هناك على الحدود حيث تزحف الآف
الإناث ببقجٍ لملمن بها مطابخ الدور المهدمة .. خرجنا
بالفلفل الأحمر الحارق ، بزهر الليمون ، بغصن الأرز ،
بصلوات أمي ، بزيت السيرج* يمسدن به الظهور والصدور
المجرّحة بالنواح وشفرة الكحة والقنابل الحارقة..
بقجهن فوق رؤوسهن و في السماء غربان
تصطاد لمعة الزيت فتسابق أقدامهن للحدود بنار حقدها!
هناك حيث تركتُ من خلفي جارتنا أم صابر
العرجاء تدق اللحم النيء بجرن* الكبة تنزع شروشها
تبهرها وتكبكبها ملقية بها في بياض لبن الغيب الفاجع
يباغت سطح دارها بدويّ القنابل ، فتطأ بعرجتها مدن
الحضارة الزائفة و الأمم المتآمرة لتصعد إلى سماء
باريها تاركة عكازها الخشبي يسند ما تبقى من حيطان
دارها يسند هزائمنا المتكاثرة كالوسخ تحت الأظافر !
ماتت أم صابر .. قُتلَت !
فلمن تركت عُكازها الخشبي ....؟
حتماً تركته لقلبي !
ليعتكز عليه وأنا أستهجن الآن رائحة
شتلة النعناع المغمدة في كوب الشاي حيث روح النعناع
تخلت عنا و انسلت من خضرة حلم أم صابر لتأتي إلينا
كطعنة بالظهر كشهقة تُعلّق الرئتين فلا تحررهما زفرة !
هكذا أشتم الآن رائحة النعناع ، ففي
كل رشفة من كوب الشاي رائحة نعي! |