|
* كل هذا التكثيف الرمزي باللغة
الموغلة في النثر والغموض .. إلى أين تراه يوصل النص ؟
في حديثنا عن مصطلحي اللغة والتكثيف
تبرز جدلية تستحق التناول في موضوعة الأدب . فاللغة في
العرف التدويني تغدو وسيطاً أو وسيلةً تأخذ على عاتقها
إثارة رغبة التلقي أو عدمها . وإذ هي وسيلة للتحاور
والخطاب فلابدَّ لها من أعراف ينبغي لكلٍّ منّا سواء
على مستوى التخاطب الثنائي أو الجماعي أن يتبعها لا
لكي تكون وسيطَ خطابٍ بسيط ، بل طريقة ارتقاء تأخذ
بالذائقة نحو مراقي السمو المعرفي الهادف إلى بناء
يتساوق وعدو الحضارة الراقية . لم يبق من الشعر العربي
الجاهلي على وفرته إلا الخلق الشعري المتميز الذي صار
سمة التطور اللغوي للعربية وصفة لبقائها تخترق القرون
وهي تستمتع بالألق والشباب الدائم بينما بقي النثر
متراجعاً وفي حالة اجترار إلا بعد أن اعتمد على نثريات
اللغات الأخرى عندما حدثت ثورة الترجمة التي قادها
المأمون في العصر العباسي فتطعَّم النثر بآداب وثقافة
الأمم الأخرى اليونانية والفارسية والصينية وغيرها .
أما التكثيف فهو ظاهرة مستحدثة جاءت كنتيجة طبيعية
عندما رأى بعض المبدعين لعلَّ أبا تمام أولهم في الشعر
العربي وخطابات الخلفاء المسلمين ومنهم الخليفة الراشد
الرابع في ( نهج البلاغة ) هما الإشارتان الواضحتان
للتكثيف الذي يؤدي ببديهته إلى طابع غموضي يشكل شيئاً
من الإرباك لدى الذائقة التي تعودت الاستسهال في
القراءة واليسر في الفهم .
وإذا عدت ُلسؤالك الذي رشقتَ به توجهي
وأسلوبي الكتابي ولماذا كل الغموض والتكثيف أستطيع
القول أنني قرأتُ الكثير ودرستُ التجارب الوفيرة
للكتاب سواء على مستوى الشعر أو النثر ، قراءةً ونقداً
وتحرياً ورسماً للمستقبل وخروجاً بنتاج أخذ منحاً لا
أدري كيف سار بهذا الاتجاه ولم يسر باتجاهات أخرى ..
هل هذا راجع لتعقيدات الحياة الجوانية بكل دروبها
ومساراتها التي تخصني أم ارتباكات الحياة الخارجية
المليئة بالأحداث في واقعنا اليومي المعاش ؟ .. أنت
ترى يا صديقي أننا نعوم في واقع عربي ورثنا منه
التشابكات والتداخلات السياسية والاجتماعية والثقافية
المعقدة ؛ فبتنا نقف على أرض رخوة وهشة لا ندري متى
تبتلعنا ، ولا نحن سعينا بالخروج من محنتها إلى بر
الأمان وسرنا مع الركب الحضاري الإنساني العقلاني
والموضوعي .. من هذا الخضم ولدت نصوصي التي لا يمكن أن
انزعها وأتخلص منها بمجرد أن أتلقى نقداً يصمها
بالغموض والتكثيف الذي يتجاوز حدود التقبل من قبل
الآخرين .. أضف إلى ذلك أنني أهدف ألا اجعل نصي تُفتض
بكارته من أول قراءة . فالنص الذي اكتبه أريده مرجعاً
للقراءة المتعددة ومنهلاً لغوياً للذي يبغي ثراء لغته
بالمفردات غير المعهودة ؛ إضافة إلى مرادي في جعل
المتلقي يخرج عن طور اللغة المألوفة فيكتب في المستقبل
لغة أرحب لا تُقيد بأغلال النحو المُرهِق ولا تخضع
لمقاسات الذين سبقونا من ناحية التوجه والغرض .. لقد
ووجِهتُ بهذا السؤال من قبل الشاعر الأثير جميل حمادة
في لقاءِ سابق وكان ردّي موازٍ لهذه الإجابة .
*
في
رأيك متى يصبح السرد نوعاً من الهروب ؟
كلُّ كاتبٍ يستنجد بالكتابة سعياً من
جيوش الرؤى التي تتراكم عند تخوم روحه المعبأة
بالاستفهامات . وما ينتجه الكاتب هو إجابات لهذه
الاستفهامات ؛ سواء جاءت مقنعة له وللمتلقين أم لا ..
المهم لديه انه يجب أن يبوح ويفضي وألا تراكمت هذه
الرؤى واحتشدت وتحركت لخنقه وقتله بطريقة الانتحار
الموشى بالتصميم والرضا ..
لا اعتقد أن السرد هروب بقدر ما هو
مواجهة ، ومواجهة شجاعة لا تعرف التخاذل بدليل البقاء
في حومة الكتابة حتى النفس الأخير . انظر إلى ساردنا
السرمدي نجيب محفوظ ؛؛ إنّه يقاتل الزمن الذي يتآمر
عليه ، ويواجه خذل السنين ورداءة العمر من اجل أن يقول
. وأنا على يقين أنَّ محفوظ يلوذ باكياً حين يجد نفسه
غير قادر على الإمساك بالقلم وتخذله كفّهُ المرتعشة
فلا تتيح له خط أفكاره المنبثقة بكل جديتها وإصرارها
على المواجهة ؛ يتمنى عودة بارقة من يفاعة الشباب
الإبداعي ليكتب بأقصى سرعته ويدون بغفلة من هيمنة
الكبر اكبر عدد ممكن من الصفحات .. الهروب يعني
الخذلان . والخذلان حالة يأس لا قدرة على المبدع
مواجهتها والنكوص إزاء قهقهتها المدوّية ؛ لذلك واجه
الكثيرون حيثيات حالة الخذلان بشجاعة الامكان الكبير ؛
ففجر آرنست همنغواي جمجمته ؛ وانتحر الشاعر الروسي
يسنين شنقاً بينما قفز الفيلسوف اليوناني الماركسي "
نيكوس بولنتزاكس " من شرفة شقته التي في الطابق العاشر
في باريس ليدرك الأرض منتحراً . كل ذلك في قرار مكين ،
جوهرُهُ لحظة الإدراك أن الذاكرة ما عادت تسعفه بما
يمكن أن يديم حياة الإبداع ، والملكة شرعت تهرّب
الإلهام إلى العدم .
* يقول د. سهيل ادريس " في رأيّ أجمل
قصة هي التي يسري في ثناياها روح الشعر فهي بهذا وحده
تكف عن التسجيلية لترتفع إلى التعبير عن أشواق
الإنسان ومطامحه .." .. ما تعليقك ؟
لا شكَّ في
هذا القول ؛ فالشعر بروحه وجذله ، بأنفاسه وآهاته لا
بد من أن يتسلل إلى حومة السرد ليجعل من المُنتَج
التدويني حاملاً للذات القارئة آرائج اللذاذة والمتعة
القرائية ؛ إضافة إلى أن الشعرية التي تؤرج النص
السردي تتأتى من تنامي الوعي الذي حتماً يقود إلى
التغيير المبني على التجديد فـ " الوعي يجدد كل شيء "
كما يشير غاستون باشلار . والتسجيلية لم تعد تتوافق
والذائقة االقرائية في زمننا هذا . فالنص القصصي لم
يعد قصّاً يعتمد الشخصيات والحبكة والحدث واللغة
الموصلة بحيادية . إنّ نص اليوم هو النص الذي تتداخل
فيه وتشتبك كل مقومات النجاح التي تجعل منه نصاً
متميزاً . ومن هذه المقومات : الشعرية ، والتحليق ،
والمسحة الرومانسية ، والتفجير اللغوي ، والتجاوز على
المألوف ، والسعي للتميُّز عن الآخرين . إنني كثيراً
ما أقرأ نصوصاً قصصية فلا أجدها غير نصوص تمتلك مقومات
القص وأعمدته لكنها تخلوا من مقدرة جلب المتلقي إلى
صفِّها أو إيقاعه في حبائل تذوقها . هي نصوص لا طعم
لها ولا رائحة رغم أنها تحمل عنوان النص القصصي . النص
الذي يجتذبني هو الذي يغويني بصورٍ متلونة مثيرة
وملكات لغوية غير مألوفة أو لنقل هو الذي يخدعني
بأجوائه التي لا أجدني قد رأيتها أو سرت في حواريها
ودروبها من قبل . إنني أعظِّم في المتنبي قوله الذي
عرَّف فيه موهبته حين وجدها لا تتوازى والمطروح فهو
يريد النظر والتطلع والتفاعل مع الذي لم يألفه من
الشعر والشعراء . يريد المميَّز الذي له خطوه المتفرد
ليسعى لمضاهاته ؛ لهذا كان يردد بأحقيّةٍ رغم أننا قد
نعزوها إلى غرور يتملكه يوم كان يردد : إي محلٍ أرتقي
/ أي عظيمٍ اتّقي ...
*
مَن الشاهد ومَن الضحية ؟
الشاهد هو الواقع بكل حيثياته الجميلة
منها والمنفتحة على الهناء المطلوب ؛؛ وبكل شمسه
اللافحة وظلّه العتيم ؛ بكل انكفائه وتقهقره المتعثر .
والضحية هي الذات المبدعة التي ترى وجودها مهمشاً في
هذا الواقع وليس لها الدور الفاعل في تغييره وتحديثه
بينما فضاؤها الحقيقي هو فضاء الحرية والتقبّل . فضاء
التلقّي المفتوح على أسار الذائقة التي يُفتَرض أن
تُنمّى بحيث يبدو قطبا الحياة الإنسانية ( المبدع/
الباث والمتلقي / القارىء ) في قلب التحول الإنساني
الحضاري الراكض باتجاه محطات النور والتفتح ؛ في حين
نرى واقعنا يسوء وحبال الارتداد تجرّه بكل قوتها
الهمجية لتعيده إلى بواطن التخلف والسلفية التي عفا
عليها الزمن وغدت نشازاً في عالم النغم الجميل الهادر
.. الشاهدُ اليوم عليل لا يستطيع التفوّه بشهادته
الحقّة ؛ والضحية يجد نفسه ممتلىء بالخلق الجميل لكن
البوح بهذا الخلق يعرضه للسحق والتدمير . وحسبي إن
المبدع اليوم ( بكل مشارب الحياة العربية وتنوعاتها )
يردد في دواخله المتألمة قول عنترة " سيذكرني قومي إذا
الخيلُ أدبرت / وفي الليلةِ الظلماء يُفتَقَدُ البدرُ
" . إن الظلام الذي يعمُّ مجتمعاً يؤدي بحصيلة أنه
مُجتمعٌ غاب عنه مبدعوه .
*
غياب المكان / عدم وجود حدث واضح وشخوص تتحرك فوق
المكان ؛ ولغة شعرية غامضة .. ألا يجعل من النص القصصي
الذي تقدمه باب محكم الإقفال يصعب على القارىء الدخول
منه أو إيجاد مفتاح لهذا الباب يوصله لما خلفه من معنى
أو حقيقة ؟
بخصوص المكان أنا من الساردين الذي
يعمِّقون فعل المكان في النص القصصي او الخطاب الروائي
. ونصوصي في القص ميّالة إلى الصورة . وعندما نقول
الصورة فإن ذلك يشير إلى أهمية المكان وضرورة وجوده
بالتفاصيل . لكن الذائقة العربية ما زالت تريد من النص
القصصي الوضوح ؛ والمتلقي اعتمد الاستسهال واتكأ على
الناص يقدّم له النص على طبق من استرخاء وهذا
واقعاًغدا من الأساليب الخاطئة . لقد أصبحت الكتابة
الأدبية إنتاجية معرفية تنتج نصاً يدخل عملية التحاور
مع المتلقي ؛ وصار على المتلقي أن يلم بمقدار من السعة
الثقافية والمعرفية ليكون مؤهلاً للدخول في حلبة
الحوار . من هنا قد يجد قارىء نصّي أنني ابتعد عنه إذا
كان هذا القارىء خاملاً ومتكئاً على إرث من الاسترخاء
الجهلي بينما يهمس العديد من المتابعين لما أكتب أنهم
يقتطعون نصوصي من الصحف والمجلات أو يسحبونها من مواقع
الانترنيت لتكون لهم منهلاً وتأسيساً للكتابة ؛ فهم لا
يكتفون بقراءتها مرةً واحدة بل يعاودون القراءة كثيراً
ليتشربوا من أسلوبها وأجوائها ولغتها .
*
هل يستطيع زيد الشهيد الكاتب الكشف عن الوجه الآخر
لزيد الشهيد الإنسان في نصوصه السردية ؟
كل
كاتب وخصوصاً صانع الخطاب في القصة والرواية لا بدَّ
أن ينثر من حصاد حياته نثاراً في فضاءات نصوصه
وإن بدت غير ظاهرة ؛
وإن غدت من عِداد سلوكيات الشخوص الأخرى ونتفاً من
الشيئيات التي تكمل فضاء القص
. فخالق النص لا يأتي بموجودات نصه من الفراغ ؛ فهو
يعتمد على تجارب مر فعلها أو مرَّ بها ، اضافةً إلى
قراءات استمرت عمراً كاملاً ؛ قراءات استلها من كتبٍ
طالعها ، وحكايات سمعها ، وأحداث شاهدها ، وحوارات
دخلها . وهذه جميعاً تشكل الثروة الأدبية التي يعتمد
عليها . ومن هذا الخليط ولدت فكرة التناص حيث الباحثون
يردون كل نص إلى عدد من المرجعيات التي اعتمد عليها
خالق النص . ومن هنا قالوا " ما الأسد إلا خراف مهضومة
" وهم بقولتهم هاته يؤكدون على حتمية أن النص تشكلت
مرتكزاته وفحواه من أرضية ثقافية معرفية سابقة وتصورات
تعريفية خلقية لاحقة ؛ عمل هذا الخلاّق بفعل موهبته
الدفينة وحذقه الظاهر على تحقيق إنتاجه وإظهاره إلى
الوجود ومن ثم عرضه على ذائقات الملأ لمطالعته .
إنَّ كل كاتب يعتمد على خزين ذاكرته
التي هي منهله يستلُّ من فحواها صوراً من حياته يقدمها
ممزوجة بحيوات الآخرين ، ويدلي بآرائه مبطنة عبر رؤى
الشخوص في عمله السردي وأفعالهم اليومية . لقد رأينا
إلى هيمنغواي يستعرض مغامراته الصحفية في الحرب من
خلال روايته "
وداعاً
للسلاح
" ومهماته الصحفية إلى أفريقيا في رواية "
ثلوج
كليمنجارو
" ؛ ووجدنا في رواية "
ضياع
في
سوهو
" أو رواية " رحلة نحو البداية " للروائي والفيلسوف
الانكليزي كولن ولسون شرائح لحياته ندرك في تحليلنا
لها أنها تجارب حياتية مر بها الكاتب . ولقد طرحت
الكثير من تجارب بحياتي ومشاهد الذكريات في نصوصي
السردية ؟
*
من السارد ومن المستمع ومن يسرد حقيقة
الآخر ....؟
: ثمة علاقة جدلية بين المرسل
والمتلقي أو بين الباث والمستلم ؛ أو لنقل بين السارد
والمستمع . هذه العلاقة يحتّمها الوسيط واقصد به النص
الذي تتحول علاقته الحوارية من السارد إلى المستمع .
السارد هو القوة التي تمتلك فعل التأثير عبر مستلزمات
كثيرة متواصلة ومترابطة تبتدىء باللغة التي يمتلكها
هذا السارد وتمتد مع المقدرة الفذة للتوصيل ؛ وايضاً
مع المكمل من الخزين المعرفي والثقافي ؛ وأيضاً ،
ايضاً حالة التواصل وقراءة اليومي من الحركة الثقافية
على الساحة الراهصة للفعل الانساني الخلاق .. أما
المستمع فهو المتلقي الذي يبحث عمّا يغذي فضوله
المترقب لجملة اللذاذات المفقودة أو غير المُدرَكة ؛
هو الكائن الباحث عن مستجدات صيرورته التي يسعى إلى
جعلها تدرك كنه وجوده ، وتفك له طلاسم الاستفهامات
العصية التي تتراتب متهافته على امتداد مساره الحياتي
كلّما مضت به عربة العمر وثقلت بأوزان الشعور بالضياع
والمتاهاة السرمدية . فهو بين من يقول أن العالم سرمدي
ومطلق وبين مَن يجاهر بان الفناء آتٍ في أية لحظة .
ومن هذه المحصلة المتناقضة يبقى هذا المستمع ينتظر مَن
يحل اللغز ويرسيه على مرفأ الحقيقة وحيازة القناعة .
* هل ما زالت للتراث سلطة على المبدع ؟
لا يمكن التخلي عن التراث .. فهو
المنهل الذي يغترف منه المبدع أدوات إبداعه . لكن
تقديس التراث وتمجيده بحيث يستحوذ على الذائقة والتوجه
هو ما ولّد الشعور بالغثيان منه في بعض الأحيان .
المعروف يا أخي أن الحياة في تحرك دائم وديالكتيك لا
يعرف التوقف ؛ ومن يضن أن الحياة تتوقف أو ينوهم في
ذلك ولو للحظة واحدة فهو واهم . ومن يدفعك إلى أن تجعل
من التراث مقدساً لا يمكن التخلي عن الكثير من أعمدته
وأوصاله فهو مجانب للحقيقية العلمية التي تقر أن
الماضي لن يعود ولن يساير الحاضر . وإن جئت بشيء من
الماضي لتضعه في أجواء الحاضر فسيموت اختناقاً ..
فالذي ولد في الماضي كان يمثل عصره ؛ وكان مقبولاً في
ذلك الزمن . ومن يأتيك اليوم بشعرٍ على غرار شعر
المتنبىء هذا الذي ملأ الدنيا وشغل الناس فلن ينتبه
إليه أحد . ومن هنا انسلخ الكثيرون من الشعراء عن
الشعر العمودي وجاهروا بأنه أصبح لا يتوائم والعصر
لأنه يمثل زمنه وهم محقّون . الذي لا يتغير هو "
القوانين " التي وضعها الله لتسيير الكون فهي ثابتة
لأنها قوانين علمية تبقى خالدة تترابط مع قوانين علمية
أخرى تتمخض من رحمها ثم تنفلت عنها اعتماداً على محصلة
منطقية تقر بنفي النفي .
إذا فهم المبدع هذه الحقيقة فإن التراث
لديه يكون موئلاً للخلق والإبداع ؛ أما بغير هذه
الرؤية فهو يعيش في عتمة التطرف وسيسقط في هوة
الارتداد فيصبح عدوانياً بفعل عدم اتزانه وتوازنه .
كيف
تقيّم واقع " النص السردي " في هذه المرحلة ؛ وهل من
أصوات تراها قادرة على الرفع من مستوى ما يقدم من نصوص
سردية سواء كانت قصصية أو روائية
الساحة السردية
والخطابية في يومنا هذا تعيش حالة من التميّز في
مضمار الخطاب الروائي أكثر منه في مجال القصة ذلك أن
الكاتب العربي تنبه مؤخراً إلى أنه الساحة الثقافية
السردية العربية حسيرة في هذا الجنس الأدبي ، وأن
الأمم الأخرى تجاوزتنا شأنها شأن مضامير الحياة
اليومية والعصرية الأخرى . لذلك وفي عملية إحصائية
بسيطة ستجد أن الثلاث سنوات الأخيرة أصدر الساردون
العرب روايات تكاد تقارب عدد الروايات التي أصدرت منذ
رواية " زينب " لمحمد حسين هيكل في الربع الأول من
القرن الماضي . لقد كان هاجس الأدباء العرب منصباً على
كتابة الشعر لما لهذا الجنس الأدبي من ارث يغور في
أعماق الذاكرة العربية ؛ والقصة ثم الرواية دخلتنا في
أوائل القرن الماضي فقط ولم يكن لها وجود في واقعنا
الأدبي القديم . وقد تميز كتاب مصر في هذا المضمار
لعوامل عديدة يعرفها المنغمرون في الثقافة العربية لذا
كانت كتاباتهم موئلاً للقراء العرب والكتاب على حد
سواء . أما واقع القرن الواحد والعشرين وأواخر القرن
العشرين فلم تفرز كتاب قصة لهم شهرتهم الإعلامية كما
التي حازها يوسف إدريس في مصر ، ومحمد خضير في العراق
، وكامل المقهور في ليبيا ، وأنيسة عبود في سوريا ،
واحمد بوزفور في المغرب ، وليلى العثمان في الكويت
وغيرهم ؛ ولم تميّز روائيين من أمثال محمد عبد الحليم
عبد الله ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ
في مصر ، والطيب صالح في السودان ، والطاهر وطار في
الجزائر ، وعبد الرحمن منيف في السعودية ، والطاهر بن
جلون في المغرب ، وأحمد إبراهيم الفقيه و
وووووو
في ليبيا ، وفؤاد التكرلي في العراق
ماذا لو نطق الصمت ؟
لا أعتقد أن للصمت
وجودٌ عند الكاتب المقتدر حتى يطلق له عنان النطق .
وليس من الجائز القول أن الأديب يصمت بانتظار الوقت
المناسب ليتفجّر لأنَّ صمت الأديب شروعٌ بموته أو
خرسه أو على أقل تقدير تقليل هائل من مستوى موهبته
القابلة على رفعه إلى مصافي الخلاّقين المدهشين .
عندها نغدو في عرف الكلمة المستباحة قوةً من انبثاق
كمنَ لمسافةِ أعوامٍ ثم تفجّر . إن في الصمتِ خبايا
توازيه عبارة المسكوت عنه . لكنَّ هذا المسكوت عنه لا
يدوم ودائما ما ينتظر فينهال يوماً ابداعاً انتاجياً
له فعله المؤثر وتأثيره الفاعل فيغدو بؤرة إبداعية
ومنهل ثر يحتشد عنده المتلهفون لإشباع ذائقاتهم
وارواء لهفاتهم .
كيف تنظر لعملك الروائي الجديد " سبت
يا ثلاثاء " ؟
إنها تؤرخ للهول ؛ وأقولها صراحةً أنها
تخلّف الارث الروائي العربي وراءها أن لم اقل تزيحه
جانباً لصالح القارىء الذي يبحث عن عمل سردي غير مألوف
. قد يبدو هذا الكلام تجنياً على السرد العربي لكنه
الواقع والنظرة الموضوعية للأدب وما نريده للقارىء
الذي يسعى لركوب قطار الثقافة العالمية وحداثتها التي
لا ترتضي الاسترخاء والتصمّغ . إنها عمل خطابي مغاير
للسائد ومتجاوز عليه .. فيها يدخل القارىء عوالم الألم
والبعد المأساوي للإنسان وسط الغيلة والغدر
واللامبالاة . ومنها يتعلم الأديب اللغة باستخداماتها
الخارجة عن الابتذال اللغوي المعهود . أنها تفجير لغوي
اشتغلت على سيرورته ليكون دالاً لمنحى استخداماتي تهشم
لديه التراكيب اللغوية التي جُبلَ عليها وتجعل من
الكتابة الجديدة مساراً آخر يشكّل انعطافة كبيرة في
ارثنا التدويني الذي تراوحنا فيه بين التراكيب الارثية
القديمة وتراكيب الصور القادمة عبر الترجمات والتأثر
بالآخر . رواية ( سبت يا ثلاثاء ) ارتأيت أن تكون حالة
خاصة من التدوينات الروائية بطقوسها وتجلياتها
وأعرافها وكل الحيثيات المتعلقة ببناء سردي يشكل
خطاباً تغييرياً مؤثراً . |