01/07/2006

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 

معلمات

القاصة الإماراتية مريم الساعدي _ العين

within_us@hotmail.com

 
 
 
 
 

"التعليم أنسب المهن للبنات" ، حقيقة.. أحيانا.

لكن..

مهلا،

ليست كل الحقائق ناصعات.

 

***

 

اجتمعن كلهن ، الخمس عشر. بعد إلحاحٍ ومتابعات. أردت فقط رؤيتهن أخيرا. لم نلتق منذ تركنا خلفنا كراسي الخشب والطاولات. من حيث أتيت اعتادت أن تجتمع بين كل حين و آن الصاحبات. لكن هنا لا أفهم لم كن يتحججن دوما بالمشاغل والمهمات.

 

أيام الدراسة من فترات العمر الزاهيات. أحببت استعادت عبقها في وجوه الصديقات، أصواتهن، والحركات. طرت بهجة بهن مثل بساط ريح. تماما مثل بساط ريح. بَدَوْن متغيرات. ليس للأسوأ. ليس للأفضل. لكن فقط مختلفات. بعضهن صرن سمينات. بعضهن صرن نحيفات. بعضهن َبدَوْنَ متغضنات.  المهم أن كلهن أصبحن: معلمات.

كلهن..

معلمات.

حسنا..هذه سلسلة حكايات.

***

- " ليتني مت قبل أن أمتهن التعليم..أخذ الله التربية والتعليم والمناهج و الطالبات"..هكذا ابتدأت اللعنات. فعلا دون مقدمات.

- "لكن التعليم من أسمى الرسالات..." قلت محاولة تلطيف الجو  بالمداخلات.

- " بارك الله فيك دعي عنك الخزعبلات". بادرتني إحداهن.

-  "وكفانا نظريات"، أضافت الأخريات.

حسنا، هن حتما أدرى ،قلت لنفسي، لأنهن  في المهنة زميلات.

- "ما يبقيكن إذاً في مهنةٍ أنتن لها كارهات؟" تساءلت وأنا أسكب الشاي في الأكواب وأوزع الكعكات.

- " الراتب، وتغيير أجواء المنازل "...أجبن بنفسٍ واحد متفقات.

- " هناك وظائف أخرى تعطى رواتب أفضل وامتيازات، وأجواء عملٍ مثيرةٍ وتحديات."، أضفت مواصلةً الاستفسارات.

- " هي لغيرنا من الفتيات. تعرفين عادات القبائل وبنات العائلات. لا تختلط البنات بغير البنات. ولا وظيفة مسموحة غير مهنة معلمات."  أجبن على فترات بالتناوب متداخلات.

- "يا لبؤس الطالبات.." تمتمت بحسرة على أخواتٍ لي في المدارس صغيرات.

***

ثم تذكرت أن هؤلاء المعلمات..كانت لهن أحلامٌ مختلفات. كنّ طالباتٍ صغيرات، حرّات:

 في الأفكار،

في الأحلام،

في المعتقدات.

تلك الجالسة على طرف السجادة  تلتهم صحن الكعكات، أتذركها تقول:

" أود لو أصير حين أكبر مضيفة في الطائرات"..

" أود لو أرى العالم دون تكلف أسعار التذاكر والإقامات"..

" أود أن ألتقي بأناسٍ من كل صنفٍ ولون. وأود لو أرى السحاب دوما مني قريب، أبيض مثل القشطة والحليب ...."   

كانت حالمة. وجهها مدور، وشفاهها دوما مبتسمات. ومن آن لآن كانت تطلق النكات.

أذكِّرها؟، ساءلت نفسي...ثم قررت تركها تلتهم الكعكات. فكل تلك التغضنات:

 في الوجه

في الجسد،

 للحسرة.. كافيات.

***

إلتفتُّ لأجملهن ، الطويلة ذات الخدود المتوردات . تذكرت أنها دوما أرادت أن تصير من المهندسات. تبني بيوتا جميلات، على نُسق ٍوطُرزٍ مختلفات. قالت :

" سأصير مهندسة لأغير نمط العمران والبنايات.."

" كل البيوت مكررات،  والمدارس باهتات مهترئات. سأبني بيوتا جميلة وسأجعل المدارس زاهيات .." وفي لحظة حماسٍ أضافت :

"سأغير تصميم البلد والبلدان المجاورات." ...وأكدت:

" سأجعل كل هذا العالم  مكاناً جميل." كانت تحمل رؤية وفكر وتوجهات.

هممت بأن أذكّرها بذاك الحلم القديم ، لكن، كانت مندمجة في حديث جانبي حميم ، فقلت: لأدع الخدود متوردات.

***

حدقت فيمن تجلس تماما قبالتي. بَدَت بثوبٍ متهدلٍ وعيونٍ جاحظات، وبطنٍ منتفخ لعشر مرات، ونَفَسٍ متقطعٍ في جلسة تحاول تعديلها منذ ساعات .نبّشت في ذاكرتي عن حلم لها قديم. رنّ صوتها الجهوري في خاطري وهي تقول:

" سأصير مديرة لإحدى الشركات..سأشتغل في استيراد وتصدير السلع والمنتجات. سأشكل سلسلة شركات. سأكون ثرية وسأتمكن من بناء المساجد والمدارس وتعليم بنات العالم الفقيرات" كانت طموحه، عطوفة، محبه للآخرين. هممت بتذكيرها حتى سمعتها تتأفف من مجرد ذكر كلمة "بنين".

.***

"هل أواصل جولة الذكريات في البنات الجالسات".. تساءلت بتعب وأنا أغض بصري إلى :

الأكواب،

الصحون،

الملاعق،

والكاسات.

تمنيت حينها لو صادقتُ الأواني والفُرش والجدران الصامتات. فكل ذكريات هؤلاء النسوة موجعات. بالنسبة لي على الأقل ، إن كنّ هن قد تناسين الأحلام الماضيات.

**

"تبدين مهمومة، يبدو أن لقيانا لم تبهجك كما كنت تأملين" جاءني صوتٌ لإحداهن حميم. أجبتها " كنت فقط أود لو أراكن سعيدات ولأحلامكن محققات"...سكبت لنفسها كوب عصير وقالت باستخفاف "أحلام..سعادة...ما هذا يا مريوم، يبدو أنك لازلت تتابعين الرسوم".

تذكرت حلمها القديم، هذه المستخفة بالأحلام القديمة. كانت تود لو تصير رسامة أفلام كرتون. قالت "وهل أجمل من أن نعيش في حلمٍ دائم.." هكذا أذكر عبارتها تماما، حين أجابت سؤال معلمة التعبير عن سبب اختيارها لمهنة رسم الرسوم. كانت مخلصه تماما حينها.

"ليس تماما ربما" تداركت وأنا أسمعها تخوض مع الأخريات في شؤون خاصة لزميلات لهن "غائبات".

يالَ الثرثرات.

***

"جميل لو نلتقي هكذا باستمرار" قالت الجالسة بجانبي. كانت حادة الذكاء بعيون يقظه. "أتذكرين حلمك القديم؟" بادرتها بالسؤال.

" أي حلم تقصدين ؟" سألت بنظرةٍ متهربة وابتسامة متعبة.

"أردتِ دوما أن تصيري محامية..أتذكرين؟ كل لهفتك عند ذكر أخبار المجرمين..وإصرارك العنيد أن لكل منهم ظروف خاصة..وبأن هناك دوما احتمال ألا يكونوا مذنبين..وبأننا بحاجةٍ ماسّة لتقبل الآخرين، أتذكرين كم كنتٍ جادة بهذا الشأن؟ أتذكرين؟"، ألححت عليها في السؤال.

لكنها كانت قد صمتت طويلا.

ثم أضافت وهي تعبث بهاتفٍ جوال:

 "هذا كلامٌ قديم".

***

"معلمات...يا لبؤس المعلمات". فكرت وأنا أتأملهن يخضن في بحر هن فيه غارقات.

***

"يبدو أني الوحيدة التي لا تكبر مع السنوات." قلت لنفسي بصوتٍ مسموع. ألتفتت ذات العيون اليقظة ، أزاحت بقايا دموع. ابتَسَمَتْ..بإشفاق. وعاودت حديثها مع الأخريات.

***

بَدَوْن حقا متغيرات. ليس الوزن أو التغضنات..شئ اكبر..شئ اخطر..شئ ينتزع الحياة..

بَدَوْن ميتات..

كلهن: ميتات..

"ما الحياة إلا متعة الخيارات!!" 

فكرت وأنا أراهن يخرجن مودعات.

***

" كن فتيات واعدات..مشروعات لنسوة رائعاتٍ رائداتٍ سعيدات. في أية  مرحلة تراهن ابتدأن رحلة التقهقر؟!.. ولمصحلة من صرن مجرد نسوة أخريات؟! نسوة مكررات، مترهلات، ثرثارات، محبطات، ومستهترات:

 برسالة الإنسان،

 بالورد ،

بالنّسَمَات ،

وبروعة خيوط الفجر الأوليات..!!"

تساءلت وأنا أغسل الأطباق من بقايا الطعام، روائحهن، والذكريات.

 
 
 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية