01/07/2006

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 

العشقُ والجمال عند الشاعر نزيه حسون

" سيمفونية الحزن المسافر "

كتب : د.منير توما / الخليل

 
 
 
 
 

كان الأستاذ الشاعر نزيه حسون قد أهداني مشكورا مجموعته الشعرية "سيمفونية الحزن المسافر"، حيث استرعى انتباهي فيها الأناقة الشعرية والانسيابية اللفظية والشفافية الإنسانية، بكل ما تحمله هذه المعاني من جمالية أدبية وذوق شعري متميز، يتبدى من خلال قصائد المجموعة التي تنوعت أغراضها، مع أنني ركزت اهتمامي على قصائد الحب والعشق التي تعكس إحساس شاعرنا الدافق بالجمال الإنساني والرقة المتموجة بالمشاعر الرقيقة، تجاه المحبوبة التي يبثها لواعجه وهيامه في محاسنها، لا سيما الروحية منها وبالتحديد التواصل مع المحبوبة بأجواء من الرقي والبعد عن الابتذال.
ان الحب والعشق في مجموعة شاعرنا هذه موضوع مشوّق واسع الرحبات، وهو يشغله الى حد كبير في قصائد هذه المجموعة الشعرية، وعلى الرغم من ان موضوع الحب، حديث عذب يحلو سماعه وهو عادة من الموضوعات سهلة التناول، فان الإنسان هو الإنسان في مجال الحب والعشق او سائر المجالات، فيه الطيب وفيه غير ذلك. وهناك نوع تكون فيه المحبة والعشق ظاهرة إنسانية لا تعدو الأحوال البشرية المشهودة من أهلها، من الحيرة عند مشاهدة جمال مخلوق، ومن تعلق القلب بالمعشوق والألم عند هجره او فراقه، ومن حيث ان الحب هو الحياة في جوانبها المتعددة فان الحب والغزل يرافق شاعرنا منذ بداية المجموعة الشعرية التي نحن بصددها، وهو كسائر الشعراء العاشقين يتعهد الهوى ويبث عواطفه تجاه المرأة التي يهيم بحبها حيث يقول:
عانقي روحي وقلبي
وازرعيني بين نهديك
أزاهر...
واصهري الروح عطورا وانثريها
فوق أمواج الضفائر
علميني الحب شوقا
علميني كيف تهتز المشاعر
عانقي روحي تحد
رغم آلاف الخناجر
من يرون العشق جرما
قد أباحوا القتل عندي
حللوا بيع الضمائر.
(
ص 13-14)
وكأني في هذه المقطوعة الجميلة الأخاذة بألفاظها ومعانيها استرجع في ذاكرتي ومخيلتي ما قاله احد الشعراء مجهولي الهوية:
إلهي، ليس للعشاق ذنب
    
ولا أهل الصبابة مجرمونا
وفي مقطوعة شاعرنا هنا يبدو ان الشاعر نزيه حسون يعايش الحب والعشق والغزل ويتحدث عنه بلغة صادقة وشعر يعكس حقيقة نفس الإنسان في لحظات الصفاء، وانه كشاعر محب يعبّر عن مشاعر تحاول القفز والإفلات من النفس من كل الاتجاهات والى كل ناحية.
ويتحدث شاعرنا عن الحب والعشق بجد دقت معانيه لرصانتها عن ان توصف فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة:
الليل يعرف ادمعي
والريح تنثرني نحيبا موجعا
والبحر ينشدني بكاء!!
ضاقت عليّ الأرض
ضاقت عليّ الأرض
واغلقت سحب الأسى حتى السماء
(
ص 23-24)
ويضيف قائلا:
عاريا آتي اليكِ
عاريا حتى دموعي
عاريا حتى ضلوعي
عاريا من كل شيء عاريا
الا الوفاء!!!
(
ص 25)
وينطلق شاعرنا من فكرة أساسية هي ان الحب قضاء مبرم لا خلاص منه، وامر محتم لا مناص منه، وله مفعول شديد حتى انه يغيّر الطباع ويبدّل الأخلاق، وينسخ العادات الى جهة الخير والفضيلة، فهو يهذّب الأفكار ويرقق المشاعر ويلطّف الغرائز ويلين النفس ويبعث على الصدق والوفاء واللطف والكياسة. ويصوّر الشاعر تأثير الوصل في نفس الحبيب بان فيه السعادة القصوى واللذة الروحية التي لا مثيل لها. ومن نظريته الراسخة في الحب تفريقه بين الحب الحقيقي الخالد الفعال والشهوة الجنسية الزائلة:
لا وقت عندي
لا وقت عندي
للتفلسف.. للتزلف... للرياء
لا نبض للعشق المزيّف في دمي
وانا افتش في عيونكِ عن بكاء
وأنا افتش في عيونكِ عن دمي
وانا أفتش في عيونكِ عن رثاء
انا لا افتش فيكِ عن جسد أضاجعه
انا لا افتش فيكِ عن صدر أعانقه...
اني افتش فيكِ عن روح
تعلمني الرحيل الى السماء!!
(
ص 25-26)
ويتابع شاعرنا بان موضوع الشهوة لا يهمه اذ أنها تنشأ عن تعلق مؤقت بشخص ما. لذلك فانه يرى ان الحب اسمى من ذلك، فهو يخصّ معاشرة طويلة، وتجربة مستمرة، وعلاقات عاطفية سامية، فللأخلاق والصفات الروحية دور رئيسي في نشأة الحب وإشعال ناره، وفي هذا يقول الشاعر:
كل الرجال يريد انثى للسرير وللهوى
وانا الوحيد أريد أنثى للنجوم وللسماء
كل الرجال يريد أنثى لليلة
وأنا الوحيد أريد روحا للخلود وللبقاء
أريد روحا للخلود وللبقاء
أريد روحا للخلود وللبقاء!!!
(
ص 27)
وفي هذا الموضع يحضرني قول جبران خليل جبران:
الحب في الروح لا في الجسم نعرفه
     
كالخمر للوحي لا للسكر يعتصر
ويتطرق شاعرنا فيما سبق من المقطوعات الشعرية التي أوردناها إلى الوفاء في علاقته مع حبيبته لانه يشير ملمحا الى انه من حميد الغرائز، وكريم الشيم، وفاضل الأخلاق في الحب وغيره الوفاء، وانه لمن اقوى الدلائل، وأوضح البراهين على طيب الأصل، وشرف العنصر. وهو بذلك يحاول تخليص النفس الإنسانية من الماديات التي تبعدها عن السمو الروحي، هذه الماديات التي هي استجابة لشهوات الإنسان.
ومن علامات المحبة التي يذكرها الشاعر إدمان النظر إلى المحبوب، وكثرة ذكر المحبوب، فجمال الحبيبة هو هذه القوة الغامضة التي تطالعه في وجه الحبيبة، فتثير فيه انفعالا يستولي على نفسه، ويخلق منها حالة من النشوة والارتياح يمجّد من خلالها الخالق لدى رؤية جمال المحبوبة، وكأن شاعرنا في هذا المعنى يستحضر ما قاله عمر بن ابي ربيعة:
وأرى جمالكِ فوق كل جميلة
    
وجمال وجهك يخطف الابصارا
وهكذا تمتزج روح الشاعر العاشق بروح المحبوب، وهذا الاتحاد او الامتزاج هو علامة المحبة الصادقة، كما ان الشاعر الفنان نفسه اذا ما كان شيئا أكثر من مجرد عاشق معطر للجمال، قد يكون آخر من ينكر الأثر الأخلاقي والفاعلية الخيالية لأدائه في التعبير. وبهذا نرى شاعرنا يقدّس جمال محبوبته، فبالنسبة له الجمال هو أحد اهم الأشياء في الحياة، وهذا يتجلى في وجه وعيون المجبوبة. وإحساس الشاعر بالجمال في محبوبته هو الجمال الحساس الدافئ للمرأة المعشوقة، التي هي الحياة نفسها، للايقاع السائل للموسيقى، الجمال المتسارع الهش لانبلاج النهار، العظمة الرهيبة لقوة الحياة. صورة، شعر، النظرة المكشوفة للبراءة والنقاء، وتتجسد كل هذه المعاني في قول الشاعر:
وجهُك فردوس مُلهمتي
وانا من آل الرحمان
تبتسمين
فيزهر كل اللوز
وكل النرجس
كل الفل وكل الأزمان
تبتسمين فينبعث الشهداء
وكل العشاق من الأكفان
تبتسمين فتحدث معجزة أخرى
يمتلئ الكون الشاسع
جدول الحان.
تأتين اليّ فلا أنكر
ابدا لا أنكر
في أحسن تقويم
خُلق الانسان
تأتين اليّ
ابصر في
عينيك بحور اللازوردِ
تموج بأزهى الألوان.
(
ص 30-32)
ويستطرد الشاعر متغزلا بمفاتن محبوبته واصفا محاسنها:
عيناكِ
مزامير تُتلى
عيناكِ
سبحانكَ ربّي
غفرانكَ ربي
هل نزلت عيناها
من فردوسكَ
كي تبني الجنة
في الاوطان؟؟؟
سبحانك ربي
غفرانك ربي
اني اعشقها تلك الشفتين
الاجمل من زهر الرُمان
غفرانك ربي
لا ارتشف نبيذ
الخمرة أبدا
لكنني بنبيذ الحسن الساحر
اسكر أثمل
ارقص نشوان.
(
ص 32-34)
ان العشق في نظر شاعرنا مرقاة إلى الروحانيات، وسمو الى المعارف الإنسانية الفنية التي تضفي على المحبوبة هالة فريدة من الجمال يخلّدها ويجمّلها شعر الشاعر الحبيب الولهان، كما ان العشق هو التعلق بالجوهر دون القشور لان مظاهر العشق شكوى ومرارة ولكن باطنها حلاوة ولذة ومتع مع المحبوبة، ولنسمع ما يقوله الشاعر في هذا الصدد:
يا امرأة
لا قمرٌ غيركِ في الدنيا
وبدونك تصبح أيامي
احزانا تزهر أحزان
لكن معذرة سيدتي
اجمل انثى في الدنيا تتوشح
بوشاح من شعري
كي تزداد انوثتها
غنجا.. ودلالا.. وحنان
لكن معذرة ملهمتي
أجمل أنثى في الدنيا
تبقى عارية
ان لم تلبس من شعري
اجمل فستان!!!
(
ص 36-37)
وجمال المحبوبة لدى الشاعر ليس حاجة بل نشوة، انه الحياة ساعة تكشف عن وجهها حيث لا شيء يستطيع ان ينافس جمال المرأة التي يحبها الشاعر العاشق الذي يرى في جمالها معينا لا ينضب من شراب الخلد ينصبّ عليه من حافة السماء لان جمال المحبوبة او جمال روحها هو الشيء الوحيد الذي لا يستطيع الزمن ان ينال منه:
عندما تنثال موسيقى المطر
تزهر النجوم في قصائدي
ويسطع القمر
تسافر أسراب الحروف
في رحلتها الأخيرة
الى عيونك الزرقاء
وترحل من دفاتري
قصائد البكاء
وتعتري جوارحي نشوة سحرية
كنشوة العشاق لحظة اللقاء
(
ص 90-91)
وأخيرا، فأننا نكون بذلك قد القينا ضوءا على الجانب الرومانسي مما ورد في المجموعة الشعرية، "سيمفونية الحزن المسافر" للشاعر نزيه حسون حيث أجاد في عرض أحاسيسه ومشاعره بألفاظ جزلة ومعانٍ شفافة وبانسيابية آسرة ليبين لنا ويؤكد ان الحب يسمو بالأخلاق، ويحقق الكمال الروحاني، وان الحب مختص بالإنسان الفاضل، وانه طريق العلى والمجد والشرف، وان عشق الجمال يؤدي الى اكتساب الصفات السامية الراقية لان الولوع بالجمال من شأن الناس العقلاء، يكسبهم الرقة والاعتداد بالنفس والعزوف عن الابتذال وتهميش الحس الوجداني الرفيع.
فلشاعرنا الكريم خالص المودة، وأجمل التحيات مع أطيب التمنيات بالتوفيق والمزيد من العطاء والإبداع.

 
 

البريد الإلكتروني للشاعر نزيه حسون

nazeh_hassoun@yahoo.com

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية