|
اليوم الخامس من
شهر الإنصاف في الساعة الثالثة
لهيباً...
اكتب لكم، من الدرك الأسفل في الجحيم،
حيث أكون بصحبة السيد الكبير...
هكذا
يجب أن ندعوه!
الوجوه هنا يخطوها الوجل كسجادة
ابليسية
المحيا!
على غير المتوقع
انقضى سريعاً اليوم الأول لي في
الجحيم، فكل شئ هنا مختلف عما كنت أتوقعه لنفسي في
الحياة
الأخرى!
نعم، هذا صحيح...
لا يوجد هنا أطفال!
فقط نساء ورجال تختلف
أعمارهم باختلاف ما جمعوه من العالم
الافتراضي الآخر!
مع ذلك، كل شئ هنا يبدو قاتماً، لا
حياة فيه ولا رحمة...
فجدران الدرك تتحدث إلينا لاعنة فيما
يشبه التقريع!
حتى المواقيت هنا
تختلف.
لا يوجد تحديد للسنوات، هناك أسماء
لثلاثة شهور تتكرر
باستمرار (الإنصاف – العدل – الحق)!
كما لا يتعاقب عندنا
ليل أو نهار... فقط تتعاقب علينا ساعات
اللهيب، وساعات أخرى
للسعير!
كل شئ هنا مختلف... كل شئ
هنا يختلف.
عندما اصطحبني الزبانية إلى هنا أول
مرة في الساعة الواحدة
سعيراً، كدت أنفجر جسدياً جراء الصوت،
فالرجال والنساء في ألم وأنين مستمرين، كانت أصواتهم
جحيمية أكثر من الجحيم نفسه!
***
بعد وصولي بوقت كافٍ، توقف
الزبانية عن مد خطاطيف الجحيم إلى
أهلها!
كنت اعتقدت أن
الجحيم سيحظى بأقل من
ثانيتين من الهدوء بسببي، حتى نادى
المنادي
قائلاً:
- "خذوه... وفي الجحيم صلوه"!
لم يستغرق اختفاء الصوت
وقتاً طويلاً، قبل أن أشارك الآخرين
ألم الألم!
كنت اعتقد إنني سأعاني
بشدة من حرارة الجحيم!
لكن ذلك لم يحدث، لا وقت يكفي حتى نشعر
بذلك، فأجسادنا لا تستغرق في غير الانصهار والذوبان،
قبل ان يُعاد
خلقنا... ليٌعاد صهرنا وإذابتنا من
جديد!
لا شئ نشعر به هنا سوى
الألم، و...
والخوف.
***
في الساعة الثانية
لهيباً توقف زبانية الجحيم عن مد
سياطهم نحونا...
لـ ثانية، أو أقل، خلت أن رحمة
الله آتية، لكن المنادي اخبرنا أن
زواراً من الجنة سيأتون
لرؤيتنا!
تنفست الصعداء.... فـ ربما أرى مع
القادمين من أهل الجنة زوجتي أو احد أبنائي، كنت اعرف
إنهم هناك، لأنني لم أراهم هنا!
الآن سأطمئن عليهم... (هكذا فكرت)!
كنت اصبوا لمثل هذا اللقاء على وجه
الشوق، لكن الزبانية استغرقوا وقتاً
طويلاً في شحذ أهل الجحيم في صفوف
طويلة، تجاه سور، له باب، باطنه فيه الرحمة،
وظاهره من قبله العذاب، حتى اصطففنا
أمامه – أمام الباب - في طوابير
لا نهائية بلغت الملايين!
في كل طابور، كان يشحدوننا تباعاً
وتوالياً، تحفنا كلابيب جحيمية لها أنواء حامية، إلى
أن وقفنا جميعاً في صمت
وجزع، إلا من صوت زفير النار، وانين
متقطع، خرج من محاجرنا رغماً
عنا!
***
تعلقت أبصارنا تجاه الباب من خلف
السور...
كنت وبعضنا، نحاول جاهدين رفع أعيينا
تجاهه... تجاه الباب!
حاولت جاهداً، كثيراً، رفع جفناي لأرى
القادمين من هناك...
من
الجنة.
لكننا، على
رغم المحاولات، لم نستطع، كنا نفشل،
نتألم... أكثر!
إلى...
إلى أن انشق السور في رحى الجحيم عن
فرجة
واسعة، خرج منها نور شديد السطوع...
ورياح باردة نحرت ضلوعنا
بالحنين إلى الدنيا!
حاولنا الإبصار، حاولنا أن ندركهم...
تمنينا أن نراهم،
لكن عجزنا!
كانت تحف محيا المبصرين من الجنة أنوار
شديدة لم تقو أعيننا على احتمالها!
عندئذً شعرنا بالعذاب
مضاعفاً...
ومن جديد...
بلغ العلقوم المحاجر،
فارتفعت أصواتنا بالأنين، حتى احتلت
ضوضاء الرهبة
أجداثنا،
مع ذلك كنا نعاود الزفير والصياح، كلما أعلن الزبانية
أننا للانصهار
عائدون!
لكنني في ثانية واحدة قبل أن انصهر
استطعت
إبصارهم لثانية...
نعم، تمكنت من رؤيتهم، رأيت ابني مع
أهل الجنة، يشير نحوي بإصبعه الصغير من خلف السور،
و...
ويبتسم!
بادلته الابتسام...
ثم انصهرت...
***
عندما أعيد تكويني...
رفعت عيني تجاه الباب
من خلف السور، لعلي أحظى بابتسامة
أخرى!
لكنني وجدت أبوابهم... موصدة!
مغلقة…
إلى الأبد… |