|
احتضار النشوة لا يؤرق المتماهين بالخديعة ، بوابة
الولوج الى (الوعي) دون الدخول الى غابة أسئلة محيرة
وَلَّدَتها صدمة (العقل) الخلاق ، باكتشاف مكامن فراغ
تسترها هستيريات العالم المقلوب. دخول قسري لن يسفر
إلا عن إنتاج خديعة جديدة.
إننا أمام رفض عقلاني لأنتليجيسيا السائد ، على الرغم
من نفعيته وانغماره اللامحدود في العقل الجمعي
والمتسلل إلى الموضوعي عبر قنوات تسمح له بالتعايش "
الدائم " . الرفض هنا يتجسد بالغاية المحركة لـ " طاقة
" و" أجساد " ، باعتبار إن الشعر خيميائياً مجال
كهروكتابي تمارس نواتاته نوع من التعشيق والتآصر
المفضي إلى ما هو زماني ومكاني بشرطين أساسين:
1-
تنافر جزيئات المكون الواقعي وتشكيل دورة حياتية
متصَيّرة على أساس تلاقي الأضداد في وحدة كيانية ترسم
عوالم جديدة.
2-
الركون في التشكيل الكتابي الى تناول ما هو جزئي
ومجهول ومهمل ،أي إعادة اكتشاف الواقع من زاوية قصية.
وفي هذا المنجز هناك ما يدعونا الى ذلك ، فتناول
الشاعر عادل مردان في منجزه – القصيدة – من لا تحضره
السكينة ،للأشياء فيها نوع من اكتشاف دواخليتها و
محاولة لاستنطاقها فلسفياً، ويمكن القول أن كل
الموجودات المادية لها ضرورتان ،ألأولى تتعلق بتشكيلها
المادي والثانية تتعلق بقصدية موجوديتها، وهذه تحيلنا
إلى مسألة في غاية الاهمية وهي " الحاجة على أساس
الوعي ". والأزمنة المتماهية في السرد الشعري لها
ضروراتها أيضاً ، أبرزها ذلك الوعاء الذي تتصير به
الأمكنة.
"ربما يصممك الخيال
ربما مناداتي لك دهشة حالمة
ربما أنت لبوة أو مالك الحزين
ينام كل جريح
في نظرتك المترنحة
فيالك من سادر أعمى
يامن لا تتوهم
في مملكة الأشياء".
"الوعي" في هذا المنجز، هو القناعات المتولدة من شائع
ثقافة العقل الجمعي ، و بيئة المؤثر ( القرائي المعرفي
و التطبع العشوائي ) والرفض الدائم له الذي ينتج وعياً
فردياً متفرد الرؤية ، لذا ففعالية الترحال " المقصودة
" لكائن المنجز ، هي في حقيقتها تفريغ لدواخلية الرفض
لعالم مقموع ، وبوصلة مضطردة لاستيعاب المعرفة وابتكار
قوانين براءة واتهام . فهي تؤشر إلى أمكنة وأوانات
معروفة ، لكنها تجتزء هلامية الفجوة وانزياحها المغمور
نحو التعايش الصامت وسط صخب كائنات لم تتعرف على فلسفة
وجودها.رحلة اكتشاف الأشياء تتماهى مع رغبة جامحة في
مضاجعة طبيعتها البكر. وتتوطن فيها – اي الأشياء –
بذرة الخطأ والفضيلة ، إنه تدوير لعوالم لا
منتهية.
(1)
" بجحيم الملل تخطف الحافلة
أغرف من هنا اللازورد
وأسكبه على أبناء قومك ".
الملل هنا لا
يقصد به الشاعر " السأم " ، بل هو وابل معرفة الوعي
الاستاتيكي والذي يتناقض بالضرورة مع " منطقة الخلق "
أو الاكتشاف الخيميائي للأشياء ،والمعبر عنها بـ (
اللازورد ). فمن ناحية التعرف القصي لا توجد مناطق
لازورد كامنة في طبقات التشوه المتلاحق للبنية الكلية.
فالبحث عن الكبريت في مناطق الكاربون ضرب من العبث.وأنما
هي مسكوتات تعاقر الصمت بطبيعتها (( قبل الرسو يغرقها
بصرخة نافرة )).
ثريا النص ، تطالع العالم بالصخب ، تبعثر الصمت وتعده
من محرمات الأمكنة والاوانـات ، لكنه كائن محكوم عليه
أن يصمت ، وفي صمته صخب دافئ لعبته " المرح ".
الشاعر أجتذب قصيدته الى منطقة " المألوف الذي لا
نراه " ، انها رؤيوية لاتتمتع بها إلا قصيدة النثر ،
فهي الوحيدة القادرة على أكتشاف تلك المزايا الفريدة
بألاشياء والتعرف عليها من نافذة ظلت مقفلة لقرون. مثل
الأمكنة العصية الاكتشاف :
" المكان يرتفع في الأوجه ، مشاهد مرسومة تتعجل لا
تراني ولا
أراك، أصبحنا في لحظة طاعنين عندما أتحسس جفنك / سأدلك
على النهر ، لهذا الصراخ تحتاج الى جارية / لا أريدها
حانة ،أريدها خمارة ، أذا أعجبتك خذ أجراسها ".
ربما تكمن الرصاصة في أقصى المقصد باردة ، لكن لايعني
إنها لم تكن قاتلة ، إجتراح نسق الاشياء وتفكيكها ،
يكفي لجعلنا نعيد النظر في الكثير من البديهيات التي
تنزلق من تحتها اسرار متورطة في عذابات الانسان.
الطواف في مجاهل ذاكرة اختزلتها السكينة سنيناً ،
والعودة لمنابع التعرف الاولى بعين حقيقية ، بالضبط ما
يحاول الكائن المسكوت عنه البوح به في المنجز.
(2)
التنقل البرقي بين الوعي المكتسب الى الوعي الذاتي
الخلاق ،دون المرور على منطقة التعشيق ، الا يعد ذلك
خرقاً لمنظومة التراتب النسقي الطبيعي للأشياء ، أي
جعل معوّل الاجتراع في كلا ألاتجاهين دون مراعاة
الخصوصية ؟!.
" للتسكع حجج دامغة
هذا الغبار الضاج لتهويمات التنقل "
الوعي الذاتي الخلاق يتحسس استدراكات تحققها الذات
لذاتها في تشكل فكري شديد التمثل لحرية الشاعر في مدار
الإدراك والتأويل، فليس هناك في منظومته ماهو غير
منطقي أو ميتافيزيقي أو غير ملموس.
يقول
ماكس جاكوب
:
" لكل موجودٍ موقع مُحدَّد. ولكلّ ما هو فوق المادة
موقع مُحدَّد. بل المادة نفسها مُحدَّدةُ الموقع".
فالأشياء ليست نهائية التصير ، بل مستمرة التولٌّد ،
لذا تبقى اكتشافات قصيدة النثر لمكامنها ومخبوءاتها
مستمرة .
" متوحش اللقيا أنت
تطارد فراشة الفكر ".
تحاول نثرية " من لا
تحضره السكينة " الخروج من الخطاب النثري الشعري ، الى
الخطاب الفكري الشعري . ففجوات النقص المعرفي ، عوالم
تفتق الجوع فيها ومعّوَل الحقارات ينبش في أبجديات
تعايش مشوه لا يرتقي لحياة. لذا تجد في المنجز اصداء
للمعرفة وللتعرف واحتشاد مكثف لرؤيويات ماكانت لتطفح
لولا تلك الهجرة لأرض المثالي إلى تلك مديات الشاسعة
من الحقائق الدامية.
يعمد الشاعر ، إلى إكتشاف تلك الفجوات .المكشوفة /
المستترة في ألان نفسه ، لذا كان كل هذا التجوال الضاج
بالمسائلة العبثية والغير محتكمة الى قانون السائد ،
والمجبولة على التمرد ، يجلو وجوه تتحكم بالعالم ، لكن
سرعان ما يحاول احتواء تمرده بـ ( العقلنة ) ، كشوفات
يقابلها صمت العقلنة ، فهي مسكوتات لم يشأ الشاعر
البوح بها في خضم قصيدة جامحة بإصطياداتها.
(8) صور مركبة ، أقفالها مؤشر لبوابة أخرى لاترتوي
بالكتابة ، تحد قاس ومغامرة عقل لا
يرعوي الا بأقتناص العلة وتجديد صورة عالم لازالت
مشوهة.
(( 1/ ... تسود الهدنة ، لا
تسمع ضجيجهم ، ولايسمعون ترتيلك . 2/ ... خذ أجراسها
وإترك ثمالتها على الخوان . 3/ ... بليل المعري ، ...
مذبوحاً من قفاه ولايرن ، الجرس على حافة القبعة . 4/
يا من ألفت السكن العالي في الجنوب . 5/ ... أرعبت
المرأة ، حين كشفت لها عن الجرح . 6/ ... تتقهقر حينما
تعوي الدورية في نهاية المنعطف . 7/ ... مرممة أحشاءها
، لاتحرك ساكنا للبحارة الملوحين . 8/ ...قبل الرسو
يغرقها بصرخة نافرة . )).
كلها تشير الى حكاوي صراعاتها تتم بعيداً عن كل الصخب
، وهي مسكوت عنه حاول الشاعر جعله بوابة دخول مغايرة
لقراءة المنجز ، لكن لايمكن القول انه لم يستطع الخروج
عن قدرية ألانصياع ودراما الخوف ، و اجترار نفس المآسي
بصور مختلفة ، ربما حاول أن يشير الى وجوه وأصوات
احتفت معه بالرفض والصخب لكنها سرعان ما تنطفئ جذوة
قلقها ورفضها ، وتنزوي حاسرة الرأس كمن خرقتها
خديعة.وهذا ما يشخصه الرائي في مصب قصيدته الأخير حين
يقول:
" وماذا يفعل من لاتحضره السكينة
غير ان يداعب جراحه بالجراح
ويتحصن بالمرح "
قد تكون الصورة المجتزئة ، هي موقف شخصي ، وربما يكون
موقف العقل الجمعي ، وربما يكون حلولا جماعيأ في الذات
الموضوعية للأشياء ، لكن يمكن الجزم انها صورة عبثية
مسريلة بدم الواقع.
من لا تحضره السكينة الشاعر ، المتجول في تخوم المدن
الغريبة والمرافئ وحلبات السيرك والغرف الرخامية
الشبقية ، يجد نفسه مشدود بحبل سري الى غارة مندثرة
لايجد من العودة اليها سوى تجديداً لملامحه التي
ضيعتها الأهوال والبحث عن رُقية الخلاص.
"أخذت بنسيان ملامحي /
يا ما الفت السكن العالي في الجنوب "
المنولوج الشفيف الذي تظهر ملامحه هنا وهناك ، يكشف
لنا عن كائنين متوحدين بمصير واحد ، الأول جامح متمرد
ورافض ، والآخر يعقلن الرفض ويروض الجموح ، لكن في
النهاية:
" معبود الطبيعة الرضي
يحسب الحب في وعاء القلق
ويكتب على عجيزة الوعاء
( روزنامة العيش )
أترى ننشد الخلاص ؟.
من سيرث أهوالنا ؟."
فمعبود الطبيعة الرضي هذا ، الرافض القلق ، صفة الوئام
والرضا ، هي علاقة لاتنتمي الى الكائن المتجسد في ظاهر
المنجز ، بل إنها للشخصية الصغيرة التي تحرك أرادة
البحث الخلاق المستترة خلف الصمت الذي طغى على كل
النهايات ، لذا
فكائن القصيدة الأبرز من يشد الرحال ويستمرئ القلق
ويعاقر المغامرة.و كائن الذات العاقلة هو ذاك الذي كشف
عن مغارة اللازورد وحصن نفسه بالمرح.
(3)
من يعالج الامكنة والاوانات المشوهة ، واحتراق وجه
العالم ، لابد ان يكون المركب الخيميائي ، الذي تتحصن
به قصيدة النثر ، وجعل كل العوالم المتنافرة على قرب
ومسافات الاختلاف القصية تكون بوابات عالم يخلق ويجدد
.
" أشباح زرق
تعالج قروحها بالقطران "
ربما صنعت في كلكتا ، أو ابتكرته عرافة بالبحرين ، أو
من خبيئات غارة اللازورد ، لكنها حتماً ، كائنات
يحتاجها العالم في حفرياته المؤدية لاكتشاف أبجديات
وجوده و الانعتاق من عصاب الهيستيريا ، فهذه الحلولية
العجيبة للاشياء في بعضها بقصيدة النثر ، واحتشاد
المعاني على طريقة الخيول البلق في ( مراكب تنتهي
بالثكنات ) ،
لابد لها ان تعلن عن فتح جديد في نسق العلاقات المسيرة
للعالم ، فحتى الرفض من الممكن ان يسكت الحروب ويجعلها
حروب كهلة تدور ( خلف الجدران ) .
وربما من الفتوح التي أوسعت الفضاءات أمام شعراء النثر
، ابتكارها للمسوخ التي نسميها كائنات ، لابد أنها جزء
منا في حيواتها وطريقة تفكيرها ، فربما يحل الشاعر في
جوقة تقيم سيرك الدواب ويعاقر الأجساد منتهىً بعد
منتهى ، يكشف عن حجب ويزيح الستار عن حقائق مجلوة
بحقائق.
حلولية الشاعر النثري في الأشياء يمكن القول إنه منحى
أبستمولوجي ، يحاول ايجاد علاقات أكثر شفافية من تلك
التي تسود العالم ويقدم من خلالها نموذجاً في التوحد
دون الإخلال بغاية وجوديتها ، و تعميق أواصر الالتقاء
التي لابد ان تتميز بها جميع الأشياء ، وإلا لما كان
من السهل جمعها في عالم يتقن التغييب ورفض الآخر
والقتل بدم بارد. قصيدة النثر هي من أكتشف هذه العلاقة
الدفينة وجعل من النسق السيميائي الوعاء الذي تتعرف
الأشياء على بعضها.
ترابط مثير للدهشة يحاول أن يختزل العالم بتشعبه
ووحدانيته ، المكان بقع شمسية تشدت سواداً على وجه
أزمنة متحولة. |