|
فتحتُ
النافذة المُطلة على الحديقةِ الخلفية للعمارة التي
أسكنُ بها فاندفعت نسمات
الصبحِ الباردة بعد ليلة ثلجية عاصفة
لتلفح وجهي .. أدرتُ المذياعَ وأوصدتُ
بابَ المطبخ حتى لا يصل ضجيجه إلى
حُجرة المعيشة حيث يرقدُ أخي و زوجي
بعد ليلة
قضيناها نتسامر ونتذكرُ طفولتنا ،
قبل أن أنسحبُ غاضبة لحجرة نومي موصدة الباب
من خلفي
..
لقد أزعجني تندرهم عليّ ، حين شرع أخي يتحدثُ ضاحكاً
من عادة سيئة
لازمتني حتى سن الثانية عشر
!
كُنتُ أبول في سريري وأستيقظُ مبللة الملابس
والأغطية
.
حارت أمي في أمري ، أحياناً كانت تضربني وأحياناً
تنتقدني بشدة أمام
أخوتي فيقضون النهار بأكمله يسخرون
مني
.
ضحك أخي وغمز زوجي قائلاً : ـ لم
تُشفى من بولها إلا بعد أن أخافتها
أمي "بأم الرعد" التي تهبطُ من غيمة رمادية
مُتتبعة بأنفها رائحة بول الأطفال فتتسللُ لهم من عُقب
الباب وتقبلهم ماصة دمهم
!
لقد طلت أمي ساعدَها وهي نائمة بأحمر الشفاه ، وعندما
استيقظتْ صباحاً هتفتْ
بها مُتحايلة
:
ـ هذا جزاء من يبولون في أسرتهم ، لقد قبلتكِ "أم
الرعد" انظري
لساعدكِ
!
يومها لم أكف عن البُكاءِ وأنا أنتفضُ خائفة من ساعدي
المطلي بأحمر
الشفاه
.
أقفلتُ النافذة وجلستُ أستمعُ لنشرة أخبار الصباح وأنا
أدهن قطعة
من الخُبزِ المُحمص بطبقة من الزُبد
أتبعتُها بطبقة من مُربى التوت الأحمر ،
وشرعتُ أقضمها بأسناني
مُحدثة أصواتٍ بين أشداقي .
العواصف التي استمرت عشرة
أيام بلياليها قطعت التيار الكهربائي
عن ثلاث قرى جبلية في فرنسا ودمرت مساحات
شاسعة من الغابات وواجهات المتاجر و
الأبنية . أطفئتُ المذياع وحملتُ سلة القش
قاصدة سوق الأحد
...
في الطريق لم أهتم لحجم الدمار من حولي ، أشجارٌ
مقصومة
القامات أرصفة متصدعة و طرق مشلعة
الأزفلت
!
سرتُ غير آبهة بما يدور من حولي
فحنقي وغضبي عليهما لا يزال يفور
بصدري منذ ليلة البارحة
!
سرحتُ أنقبُ في
الذاكرة عن عادة سيئة لأخي وأخطاء
فادحة لزوجي حين سمعتُ نحيباً مكتوم يأتي من خلف
الأشجار
تتبعتُ الصوت وأقدامي تدوس في الوحل الثقيل الذي
تراكمت فوقه طبقة من
الثلج المتسخ بالطين و أعواد الأشجار
اليابسة
..
كانتْ ترتجفُ على مقعدٍ
حجري في أول الطريق المؤدي لغابة "بولون"
*، صغيرة الحجم ككرة ثلج تتأود ذائبة على
مهل..
وضعت يدي على كتفها الصغير فانتفضتْ خائفة ، عيناها
الدامعتان سحبٌ
لبركان على المدى
الأزرق ووجنتيها المتوردتين يُنبأ بمدى حرارة دمعها
المقهور !
ترجتني بصوت قطّعه نحيبُ صدرها وأتى البردُ عليه فهشم
مخارجه : ـ أرجوكِ لا
أريد العودة إلى البيت ، أمي ستضربني
لأنني لطختُ معطفي الأبيض بالوحل! .. أرجوكِ
لقد حبستني طيلة ليلية البارحة في
دورة المياه.
تفحصتُها بعينين انزلقتا من
قبعة الفرو الأبيض على رأسها مروراً
بمعطف الفرو الأبيض المتسخ الأطراف وصولاً إلى
قدميها الحافيتين
!
أمسكتُ بيدها المتسخة و سألتُها : ـ ما اسمكِ ؟
ـ آنّ
وعمري تسعة أعوام وأسكن
هناك .. أشارت بيدها الصغيرة صوب المنازل القرميدية
المتراصة على آخر الطريق حيث يعلو
أسقفها سحب دُخان مواقد الشتاء وشمس هزيلة
تساقط شعاعها الأصفر المريض فغدت أشدُ
عراءً من الأشجار!
ـ آنّ عليكِ أن تعودي
إلى البيت ، أمكِ التي تُحبُكِ
ستفتقدُك ِ و ستفزع لهذا الغياب الغامض
.
ـ لا
هي لا تُحبني ، تفضلُ شقيقي الأصغر
عليّ .. أنا كارهة لهما ، لقد طلبتْ من بابا
نويل أن يحضر دراجة هوائية لأخي بينما
منعته أن يحمل هدية لي
!
ـ آن يا صغيرتي
بابا نويل يحملُ الهدايا لجميع
الأطفال ثم أن بابا نويل لا وجود له إلا في الحكايات
التي تقصها عليكِ والدتُكِ وأنتِ في
سريرك
.
ـ لا بابا نويل موجود ولقد رأيته
من النافذة ليلة العيد!
ـ حسناً .. بابا نويل موجود وعليكِ أن تعودي للبيت
لأمكِ وأخيكِ ، حتماً يفتقدونكِ الآن
.
ضممتها إلى صدري وحملتها بين ذراعي
ناقلة قدمي بصعوبة في
الوحل اللزج عندما بدأت تركلني بذراعيها وقدميها
شددتها
بقوة بين ذراعي وهتفت بها آمرة :
ستعودين إلى المنزل و إلا ستمرضين وتأكلكِ الذئاب
، لم أنهي كلامي
حتى صرخت من شدة الألم ! لقد غرست أسنانها الصغيرة
بلحم كتفي
!
فتحتُ ذراعي متوجعة فسقطت على الأرض وقفزت تجري بين
الأشجار وتنتحب .. صدى
نحيبها ملأ الأرجاء
زاد البُعاد وزاد النحيب!
ركضتُ خائفة من صوتها المرتدُ
بين الأشجار جريتُ دون دراية بوجهتي ،
كدتُ أنزلق وأقع أرضاً على ركام الثلج
الذي عاد يندفُ بغزارة
..
اصطكت أسناني من شعور مباغت بالخوف والبرد!
.. خدشتْ الأغصانُ
المتشابكة وجهي فزاد هلعي وأنا أندفع ممسكة بكتفي الذي
سخن من سائل
لزج بدأ يتدفق منه! فاصطدمتُ بجثة
ضخمة ..
رفعتُ رأسي إلى الأعلى فسقط بصري على
حاجبين معقودين و شاربين يعلوهما ندفُ
الثلج
.
هتف عائداً بجسده إلى الوراء
: ـ عُذراً سيدتي إنني
أبحثُ عن كلبة هاربة منذ ليلة الأمس من فصيلة "شيان لو"*
بفراء أبيض ، هل
شاهدتها؟
|