15/05/2006

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 

وثيقة ٌ مُطعمة ٌ بالشهوات ِ

القاصة السعودية/ نوال الجبر

nawal_aljaber@hotmail.com

 
 
 
 
 

أخشى أن أكونَ ملاكاً يتساقطُ مع المطرِ    !

أرتعدُ مِنَ الموت ِ مع فصول ِ القدر..

ملاك ٌعاريةٌ.. تجرفني نكبات ُالأسى

(أرتشف ) مِن كأس ِالسُكر ِرشفاً..

 

 

يرتعد ُ جسدي وأنا أهبطُ بهِ على الكرسي الأسود ِ، كما تهبطُ معي كل ُّ أشيائي على الكرسي المُحاطِ بقابضٍ فضّي يَلمعُ كلّما أطلَّت الشمسُ بأشعتِها الدافئةِ،والأشجارُ تتشاجرُ كعادتِها مع فضولِ الرياح ِكما تَرسمُ وجومَها أحايينَ أُخَر ، والطلابُ يتعانقون بضحكاتٍ تتساقط ُعلى آذان ِمُرتادي الشارع ِالمجاورِ !

 

يعبرُ سريعاً أمامي, ..يومئ لي بأن أتَّبعَهُ

دارَ بيننا في وسطِ الجامعةِ حوارٌ بالإشارةِ ! ينتصب ُ جسدي وقوفاً وأتخلصُ من خيوطِ الملل سريعاً..

أتَّبِعُهُ... أنظرُ بما يشبهُ الحديث َ الداخلي لمؤخراتِ الطلاب ِو الطالبات!

 

 

للفتياتِ مؤخراتٌ بارزةٌ, والفتيةُ يمتلكون مؤخراتٍ مسحوقةٍ تماماً ؟!

أخمدُ ضحكاتي فحمى الجينز والأقراطِ لم يتخلص منها العربُ حتى الآن ..

 

عاج جسدُهُ يميناً وإختفى!

أسيرُ ..أكادُ أصرخُ: توقف.. أيمن !!

أتذكرُ أنَّ الحبَّ مازال محظوراً في جامعاتِنا ومُصَادَرَاً كأيّ شيءٍ آخر مرتبطٍ بالمشاعرِ ؟!

أكوّمُ لسانَ أفكاري داخلَ فَمي وأستمرُ بالمتابعةِ..

 

اللوحاتُ المشنوقةُ بإطارٍ ذهبيّ تَحوي صوراً لمديرِ الجامعةِ،فأضحكُ مِن بشاعتِهِ..

كَيفَ تَهِبُ الحياةُ عطاءَها لشرائحَ كهذهِ ؟!

اعتلج َ بكتفي طالبٌ متأخِرٌ عن محاضرتهِ، فتتساقط ُأفكاري وكتبي.. تخاوص في نظرتهِ إليّ .. أسقط على أذنيهِ اللتين فرتا سريعاً نحو السلالمِ ((يا ابن الأخــ.......))!..

 

تهاجم ُأحذيةُ الطلابِ كفيَّ وأناملي التي تحاولُ بخوفٍ إلتقاطَ كتبي وأشيائي المتناثرةِ.

يخدش ُ إصبعي أحدُها ، فيجري دمي بحنقٍ يُلطِّخُ الممرَّ بقطراتٍ حمراء سرعانَ ما تترقرقُ كدمعةٍ حمراء على كفي وتختلطُ بالحلقةِ الذهبيةِ التي تُزيّن إصبعي ..

 

يقفُ بجانبي يحملُ كتبي وحقيبتي ويَسندُ جسدي للنهوض ِويرحلُ سريعاً ..

أسندُ ظهري على حائطِ الممر ِّ وأفتحُ حقيبتي. أُخرِجُ منديلاً وردياً ومعطراً. أُزيلُ قطراتِ الدمِّ التي سرعان ما جَفَّت وتقشَّرَت من تدليكي لها محاولةً إزاحتها..

أنحني يميناً وأجولُ ببصري ناحيةَ مكتب ِالإدارةِ وأجدها عاكفةً على الورقِ

سيدةٌ محنَّطةٌ منذ تسعين عاماً أو تزيد ؟!

 

لوحةُ الملاحظاتِ بجانبِ غرفتِها مغمورةً بمواعيد َ قُدِّرَ لها أن لا تَنتهي. واجباتٌ حياتيةٌ عظمى أكبرَ من كونِها روتيناً تعليمياً؟!..

أسيرُ وأملي بهِ كبيرٌ، البابُ الخشبيُّ منبلجٌ والصمتُ يستجذبُ الصدى

ملاك.. ملاك

ثمَّةَ شخص ٌيهمس ُبإسمي ..أُرهِفُ السمعَ..

وأنظرُ لتقاطيعِ ملامحي ! أديرُ الصُنبورَ والماءَ يتزحلق ُعلى الرخامِ الشاحبِ

بشفافيةٍ أغسلُ جرحي وبقايا لطخاتِهِ ورائحةَ دماءٍ جافّةٍ ..

 

أفتح حقيبتي وأخرجُ عطراً أنشرُ عبيرَهُ على جسدي وأطبعُ بطلاءٍ ورديّ على شفتي

يهمس ُ مجدداً: ملاك.. ملاك..

وأخيراً تعرَّفتُ لملامحَ بَحَتَهُ، أحملُ أشيائي صوبَ البابِ يَشدُّني مِن عُنقي ويُغلقُ البابَ.

الحمّامُ ضيقٌ ولكنَّهُ إختارَهُ كمنزلِ الحبِّ التعيسِ!..

 

أستفسر بحزنٍ:

-ألم يُغرِك متسعٌ آخرُ؟!..

- يمكننا تعاطي الحبَّ في أسوأ الحالاتِ..

غرسَ شفتي بفمِهِ وإعتصرَ حُزني تدريجياً!

 

أزحتُ شفتيِهِ عن وخزِ حزني وأردفتُ:

- قد حمّ الفراقُ غداً ! سنتحررُ من قيودِ الجامعةِ فكيفَ سيكونُ لقاؤنا ؟! أفي حماماتِ المدينةِ ؟!

- ربّما )نظر أليها ساخراً(..

- والحبُّ الذي بَلغ َعمري الجامعي أينَ ستهوي بِهِ ؟!

- ................................

 

- أهذا هو حلمُكَ الذي تنازلت عنهُ مع كل ِّ الفتياتِ لتوقعني في شرِّ سذاجتي؟!

لم الصمت هل أُصبتَ بخَرَسِ ندائكَ هنا أيضاً ؟!

 

)كانَ صمتُهُ مُمِضّاً هنا( !

 

كلُّ حديثٍ إحتَجنا سالفاً لفظَهُ ..فمُها لولا صوتُ الماءِ المتساقطِ خارجَ الحمّامِ جعلَ من خرسِ غضبِها جذوةً تتوقدُ في داخلِها وترسمُ معالمَها على الصمتِ تحاكي نظراتها واقعاً مسجوناً للأبدِ بأسوارِ الجامعةِ ذاتَ الخمسةِ أعوامٍ !

بلمسةٍ من يدِهِ الغليظةِ يجرفُ الماءُ صمتَهما بموجةٍ دائريةٍ من ((الإفرنجي))!..

يهدأُ الماءُ خارجَ الحمّامِ، يقتربُ منها ويعانقُ كفّيها بحرارةٍ. يُقَبِلُ شفتيها ويشدُّهما للخارجِ كأنَّهُ ينتزع قلبَها بأكذوبةٍ جديدةٍ عمرُها دهرٌ !!

 

تدفعُهُ بشدّةٍ فيصطدمُ جسدُهُ بالحائطِ..

تحملُ أشياءَها وحقيبتَها المتدليةَ كحزنِها،وترحلُ مودعةً دهراً من الحبِّ, كما يودعُ مرتادو الحمّاماتِ ما يزعجهم من نداءاتِ الطبيعةِ ..

 

وعلى طاولةِ السماءِ يفترش ُ الليلُ مفرشاً يزخرُ بالنجومِ وبضعَ أحزانٍ تعبرُ عن شحوبِها.. وكالقمرِ تتفردُ بصوتِ دموعِها على وسادتِها, كريشٍ شفّافٍ يتساقطُ من ملاكٍ حزينٍ.

تستفيقُ على صوتِ الصباحِ وتنطلقُ بشموخٍ مودعةً كلَّ أسى تسرَّبَ لليلةٍ واحدةٍ

لتُمسك َوثيقةَ التخرجِ بنجاحٍ.

 

تهوي سريعاً على السلالمِ.. تنحني يميناً, بابُ الحمّامِ الخشبيُّ لازالَ منبلجاً،وثَمّةَ صوتٌ يلتبسُ صدى الأمسِ: ملاك .. ملاك

تخرجُ مُسرعةً وتَلتصق ُ بتنهداتٍ على الحائطِ الباردِ..

 

تعبرُ أمامَ المرآةِ فتاةٌ أخرى تغتسلُ بالعطرِ.. تتفقدُ لمعانَ طلائِها على شفتين مكتنزتين حتى يرتعشُ الصدى..

سهاد..سهاد ..

 

تجحظُ عيناي وأطلُّ مِن البابِ الخشبيّ وأنا متشبثةً بِهِ كقطةٍ مذعورةٍ !

حتى تخرجُ يدُهُ الغليظةُ من بابِ الحمّامِ وتشدُّ عنقِ الفتاةِ تتلاشى

 

كما لم تَكن مُنذُ بُرهةٍ عندَ المرآةِ تتفقدُ نفسَها. يغلقُ البابَ..

وصوتُ نفسٍ جائعةٍ تختبئ في قترِها ومازالت ( تحترقُ بشهوةٍ ) !

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية