01/05/2006

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 

في متناولِ اليد*

الشاعر والكاتب الإماراتي عبدالعزيز جاسم

 

 

(إليكَ وحدكَ، أنتَ من ترقد في تربةٍ مغسولةٍ بالدّم والرماد: إلى جمعة الفيروز)

 
 
 
 

 غربان **

 

1

بحَذرٍ شديدٍ، وكما هيَ عادةُ الصيادِ إثرَ الطريْدَةِ

وبعدَ أنْ أنزلوا أَشرعةَ التاجِ

وَربطوا الدفةَ جيداً

ثُم أطفئوا مشاعلَ سفنِهم التي تُفرقِعُ أخشابَها

كمفاصِلِ العَجائزِ الإنجليزياتِ .

صمتوا جميعاً،

تحتَ التماعاتِ النجُوم

والضبابُ الذي يُغطّي صفْحةَ البحْرِ

تاركينَ الأمواجَ الهادئةَ تَجرُفُهُمْ

رويْداً رويْدا .

 الجَنِرالُ بغَدارتهِ الفِضيةِ وبِصحيفةِ الإعداماتِ

 أمامَ الكَوْثَلِ

 والجُنُودُ مَنْ خَلفِ فوهاتِ المَدافعِ

يقرُصُهُم البقُ والبراغيثُ

وَيسيلُ العَرَقُ مثلَ الحِقْدِ

في عُيُونِهمْ .

 
 
 

2

 مِنْ سمواتِ المُحيطِ الهندي ومَضيْقِ هُرْمُز. مِنْ بوابةِ رأسِ  مسنْدَمٍ المفتوحةِ على الطهَفِ. مِنْ ذاكَ اللسانِ اللجُوجِ الذي يُفرقعُ كالسوْطِ ويُطرطِشُ في الذاكرةِ - عبروا. غِرْبانٌ تَتْبعُ غِرْبانْ. غِرْبانٌ بيضاء. شقراء. سوداء. ومُهجنةْ. غِرْبانٌ بلحىً وقبعاتٍ  وعيُونٍ واحدةٍ. غِرْبانٌ بجزْماتٍ طويلةٍ وأمشاطِ بارُودْ. غِرْبانٌ  بغلايينَ وخنازيرَ وذَهَبِ أراضٍ مَنهُوبةٍ. غِرْبانٌ مصّاصةٌ وبأسنانٍ مَعدنيةٍ. غِرْبانٌ تهذي بينَ الصواري والمجاذيفِ وبراميلِ الرُومْ. غِرْبانٌ لا ريشَ لها ولا تطيرُ. غِرْبانٌ مُصابةٌ بالسفْلِسِ وداءِ الكِلابْ. غِرْبانٌ همجيّةٌ. دَمَويّةٌ. لَمْ تَسْتَحِم منذُ شُهُورْ. غِرْبانٌ في أساطيلَ شبحيّةٍ، وعلى الحَيْزُومِ ثُبتَ وجهُ مَلِكَةٍ كانت النوارِسُ،  وعلى طولِ الرحلةِ، تَحط فَوْقهُ. تُغطيهِ بِذَرَقِها، وتَطير.

 
 
 

3

كانَ الفَجْرُ بارِداً، وجُلْفارُ المُلتَحِفَةُ بغيمِها وأَبراجِها وسُورِها. الطاويةُ أحلامها حولَ مِعصمِها كيدٍ تحضُنُ مَهْدَ العالمِ. جُلْفارُ الشّبيهةُ بعافيةٍ خضراء، المتكاثرةُ مثلَ خلايا النّحْلِ في تَصَحرِ الوقْتِ وشُحُوبِ القبائلْ. جُلْفارُ الصّرخَةُ النّافذةُ في خرائبِ الدم وأعمدةِ الهلاكِ. مَنْ نَزلْنا بحبالِنا في مهاويها كيْ ننقُذَ عُيونَها المتبقيةْ. جُلْفارُ العامرةُ، ذاتُ الجدائلِ والأثوابِ التي تَغارُ منها الفُصُول. جُلْفارُ إيقاعُ المتاهات. بيانُو الطبيعةِ. الطّبلُ الذي يُحَمّمُ بالجّمرِ ليرُجّ الحجرَ والمشاعر. جُلْفارُ الحِصانُ الأسودُ بسيقانٍ من كهرمانٍ. موطنُ الرضّاتِ والجباهِ المغسُولةِ بضبابِ الأرخبيلات. جُلْفارُ الأكثرُ مِنْ رمْلٍ وخريطةٍ، النابتةُ في كُرَيّاتِنا كنارٍ بيضاءْ. جُلْفارُ المربُوطةُ مثل وشاحٍ مُشجّرٍ في عُنقِ البحر، تَغْشاها الهَدْأةُ وتحرِسُها الحِكمةُ كربةِ الأولُمب. جُلْفارُ التي هي أكثرُ مِنْ صلاةٍ وأكثرُ مِنْ عمُودٍ فِقري للريح. جُلْفارُ التي سَاقَتْنَا واحداً واحداً، على دُروبِ المِلْحِ كيْ نُجَربَ الموتَ بدونِ أعذارٍ، وأن نُقلبَ حياتَنا على سُفُودِ المُستحيلْ. جُلْفارُ المرفُوعةُ الرأسِ مثل زَرافَةٍ تتبعُ مُحاربيها وملاّحيها إلى ما وراءَ أعالي البحار. جُلْفارُ مَنْ تَشْرَبُ مِنْ وِدْيانِها الكَوَاكِبُ، وتَمُد طَبَقَها النحاسِي بلا مِنةٍ لِكُل غَرامٍ ضَائِعٍ، وتَغْفُو .. تَغْفُو .. تَغْفُو.

جُلْفارُ الغافيةْ    جُلْفارُ الداميةْ

 جُلْفارُ المطمورةُ الآنَ

 بلا نَفَسٍ تحتَ

 ماءِ القُرُونْ.

 
 
 

4

كانَ الفجرُ بارداً، وفي الضّاحيةِ ألفُ فَرسٍ فسفُوري كانوا ينظرونَ بعيونٍ واحدةٍ جهةَ الشاطئ. كُل كائناتِ اللّيل، بما فيها الخفافيشُ والزّرانيخُ والدّيكةُ التي لَمْ يتوقّفْ صياحُها. وحتى الكلاب والجِمال والذئاب والنمُور الطليقة في الجبال، ظلتْ مسمّرةً تَنظرُ جهةَ الشاطئ. الرجالُ في المساجدِ يُصلون. النساءُ في المطابخِ يعْجُن الخُبزَ. الأطفالُ نيامْ. وعلى الأسطُحِ جنيّاتٍ ثملاتٍ يكْتُبْنَ رسائلَ غراميةً لبحّارةٍ مفقُودين. الرماةُ في الأبراج يمسدُونَ لحاهُمْ ولا يملكونَ منظاراً واحداً، والمجنونُ يرتدي بيرقاً من زعْفرانٍ وينامُ معانقاً جذع نخلةٍ على الكَثِيب. الآبارُ أخذتْ تُصدرُ صوتاً يُشبهُ النفخَ في المزاريبِ، والعصافيرُ بحركةٍ سريعةٍ غادرتْ رؤوسَ الأشجار. القمرُ ظلّ يدخلُ من البراجيلِ ويطْلعُ حتّى حجبتهُ غيمة كبيرة. الوقتُ توقفَ كصورةٍ فوتوغرافيةٍ، والثّواني تساقطتْ كأسنانِ مِشْطٍ في بئرِ المدينةِ. المراكبُ الراسيةُ المملوءةُ بالبضائعِ أخذتْ تتمايلُ في مكانِها مثلَ بيضِ الدينصورات. الأزقةُ صامتةٌ والأسواقُ مقفلةٌ، ومِصباحُ الزيتِ المعلّقِ في قمّةِ الخَيْمةِ، هو وحدهُ مَنْ كانَ يومضُ وميضاً خافتاً مثلَ دَمْعةٍ كبيرةٍ تنزلقُ على سكينِ اللّيلِ الحادةِ.

 
 
 

5

كَانَ الفَجْرُ بَارِداً، يا الله! حِيْنَ نَفخوا في الأبواقِ، وألْقى الجَنِرالُ بمِشْعَلِهِ في الماءِ، وسَقَطَ مِنْظارُهُ وشَرَفُهُ على الخَشَبِ وتَحَطما. كانَ الفجرُ بارداً، يا أُمّاهْ! حينَ أنزلوا مراسيهم التي أفزَعتِ الأسماك، وتقدّموا مِنَ المذْبحةِ متبُوعينَ بالقذائفِ والنيران. قواربُ الموتِ مليئةٌ بالغربانِ حطّتْ على تُرابِ جُلْفارْ. نِيرانٌ وقَذائِفُ مُتصلةٌ. هَلَعٌ مَجنونٌ وفَوضى عارمَةٌ ودخانٌ في كل مكانْ. امرأةٌ مطعُونةُ الكفينِ والقدمينِ تَئِن. تُقرفصُ أمامَ أشلاءِ طِفْلِها، وذيلُ ثوبِها يحترق. ثلاثةُ أولادٍ صنعوا على عَجَلٍ، طائراً كبيراً مِنَ الكَرْتُونِ، وجلسوا فوقَهُ ينتظرونَ طيرانَهُ. وما طار ولا عاشوا. الشّيخُ بلحيةِ الثّلْجِ مَنْ قادَ طابُوراً مِنَ الأطفالِ والحَواملِ نحوَ الجبالِ خِفْيةً، شجوا رأسَهُ بفأسٍ وشنقُوا البقيةَ وسطَ الميدانْ. الرجالُ والفتيانُ الذينَ أُسروا، أمروهُمْ بشُربِ مِياهِ الآبارِ التي سمّمُوها، وقَلعُوا عُيُونَ المُحاربينَ بِمخرزِ فَلْقِ المَحارْ. مروحةٌ مِنَ الحِرابِ المُسنّنةِ كانتْ تدورُ وتتقدّمُ من خاصرةِ جُلْفارْ. تتقدّمُ وتُهْدمُ. تُهْدمُ وتُحْرقُ. تُحْرقُ وتُزيلُ كل شيء. لا وقْتَ لتكفينِ أحدٍ أو لِلَحْدِهِ. لا وقتَ للهربِ أو الاستغفارْ. لا وقتَ للصُراخِ و لا للشَتيمةِ. لا وقتَ للحياةِ مطلقاً. عزرائيلُ ذو الفَمِ الدّاعرِ يعربدُ بينَ صهيلِ الخُيُولِ ورائحةِ البارُودْ. الألسنُ والأبوابُ والجدرانُ مثقوبةٌ، والرؤوسُ مفصولةٌ عن جذوعِها. السقُوفُ سويتْ بالأرضِ والأحلامُ أزالوها بماءِ النّار. جبلٌ من الجُثثِ ونهرٌ من الدّمِ البريءِ كانَ يسيلُ مِنْ جبهةِ جُلْفارْ، حينَ غطستْ الشمسُ الذبيحةُ في البَحْرِ القُرمُزي للمرّةِ الأخيرةِ.

 
 
 

6

على سَطحِ القَلعةِ المَهَدمَةِ، وبينَ الدخانِ والجُثّثِ المتناثرةِ هنا وهناك. وقفَ الجَنِرالُ وقفةَ مُخَنّثٍ قَديمٍ. مَسَحَ بسجادةِ الصلاةِ سَيفهُ المُلوّثِ بدمِ الأجنّةِ. فيما عيونهُ ظلتْ زائغةً. ترقُبُ تلكَ الطُيُورُ البيضاء الغريبةِ، التي كلما هموا باصطيادِ واحدةٍ منها. طارتْ عُيُونُ عشرة غِرْبانٍ من محاجرها، وارتطمتْ مُنْفجرةً على الحيطانْ !

 
 

___________________________

 

* - قصيدة من كتابٍ جديدٍ، بعنوان “ بريد الهاوية”، سيصدر قريباً متزامناً مع كتاب آخر في المغرب.

 ** - “في الحادي عشر من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1809 م، وصلت السفن إلى المكان المحدد، ألا وهو رأس الخيمة (جُلْفار قديماً)... استولت الوحدات العسكرية (الانجليزية) التي أنزلت على شاطئ المدينة، وكذلك المواقع الحصينة بها، وقد سمح “لايونيل سميث” لجنوده أن ينهبوا ماشاؤوا، وأن يحرقوا البلدة. تم تدمير ما يقرب من ستين سفينةٍ كانت راسيةً في الميناء، وقتل ثلاثة آلاف شخص، وتم أسر ألفٍ آخرين.
من كتاب “تاريخ القرصنة في العالم” ،
 تأليف : ياتسيك  ماخوفسكي.

 

نشر النص في الخليج الثقافي وينشر هنا إلكترونيا

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية