10/04/2006

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 

 السيدة الجميلة

الروائي والناقد المصري أشرف الخريبي

safircompany@hotmail.com

 
 
 

فهمي عبده سرور
إنسان منضغط. محشور في العالم. ثمين و فظ و ذات عصر جاءني لاهثا , زامت الدنيا و تكدر الهواء و تثاءب الليل و انزوى المتسكعين في قهوة أبو المعاطى ... تجهم وجهه لحظة ...لحظة قبل أن ينطق .
- أريدك حالا.
- ماذا تريد يا فهمي ؟
صمت الرجل صمته المخزي , وتأفف و نفخ و سحب أنفاس ،ارتخى, رجل شهم , آسيان , رأسه تلاعبها مسبحة الأزمنة البعيدة والخرافات  و حكايات جده الذي اندمل من شدة الحزن...
قال : أن امرأة الفنجان أجمل من كل الكلام الذي قيل عنها.
سألني مرة أن أشهد أنه هو – هو , وقعت على الأوراق. مكان الأسم والمهنة والعنوان وضمنته بضمان محل الإقامة وخرج مسرعا من باب القسم.
فهمي عبده سرور إنسان مشروخ , يقيم حواليه الفراغ تلال , يصلى الصلاة في أوقاتها. ويستغفر الله ويتوب ويعود ثم يدعو... يحدثني عن سوء أخلاق الجيران و أحوال الجيران , و الشتائم التي تقع كل ليلة من الجيران , ثم يهيم بعينين هائمتين و يستغفر الله في ورع , ويعزم النية و القلب على دوام حب الله .والإخلاص حين يخرج من صمته المعتاد يلعن أبو إبراهيم الجزار , وعاشور ساعي البريد , و إسماعيل بائع الجاز, و المواصلات وسيفون بيته القديم.
أبقيه أنا في جعبة أفكاري الشاردة دوما , ربما رأيته. إنسان موجوع. ممطوطا بما يكفى يسقط في الزحام كأحد الشهداء ومقاتلي الحروب العظمى لكنه وفى أثناء مرور الحياة بشكلها الطبيعي أمام عينيه وبعد سطور قليلة من هذا البدء يقوم بمغامرة فريدة..
إذ أنه وفي أثناء مراسم الجنازة التي خرجت لتوها من الجامع

 همس في أذني
أريدك حالا.
-
ماذا تريد يا فهمي ؟
بخجل نظر إلى .. و احمر.
و البيوت تزوم زوم الكلاب في الحواري , تدور عيناه الحمراوان الشاردتان في كل الأماكن , و يده تقبض على يدي بجزع , أشرت عليه و أقعدته لجواري
قال : اسمع 
ماذا هناك يا فهمي ؟
اعتدل ثم تكرمش واضعا يديه بين قدميه و مال على
-اسمع
- نعم
كان المساء يقترب لما أرسلت إلى.. لم أذهب , عادت و أرسلت و لم أذهب , و لكنها ألحت ترددت أول الأمر – غير أنى ...........

 فذهبت
و رأيتها واقفة .. هي نفسها و تضحك , ظل الهواء يخبط الأبواب

و يغلق النوافذ و الدنيا كانت برد  الخلق في بيوتهم يغطون في نوم عميق والغيم في منتصف السماء , رأيتها .. نعم رأيتها
الليلة الباردة بلا قمر و لا نجمة في بيتى العفن كنت بلا ضحكة أجلس وجلدي المتكرمش على سريري ولم أنم ,

 و لم أذهب و حاصرتني ابتسامتها  ابتسامة طويلة ممطوطة

0كلما تذكرتها ترن في اذنى  لما لجواري أسندت رأسها.

و يدها و جسمها ..و..
أبو إسماعيل نادى على الصلاة
و لم أذهب.
هي أرسلت إلى ولم اذهب
الجيران يتشاجرون ولم اذهب.
..   كزوم الكلاب تزوم البيوت و تهز ذيلها
و المساء يغوص و الدنيا كانت برد

و رأيتها .. و أنفاسها حارقة ورهبة و دفئ

أحسسته يختلط بطين شوارع البلد ..
كانت تصرخ في أنحاءى و شعرها يتهدل أمامي و شفتيها وحزني ملئ يديها , و الحبة في صدرها انتفخت و بانت
و عيونها احمرت و سالت وجعا. و حروفها تطلع آهة لاذعة  وملابسها شبه عارية.وأنا لم اذهب 
غير أنى ..أسفل زواياها وقعت... تحت إبطها أذوب واحدا أخر 00 من تحت شباكها مضيت .. طرحت نفسي أرضا وجوا وتعلقت فوق المواسير و كأن البلد رأتني , وأنا أقفز من عندها اعتدلت في مشيتي وكذبت على نفسي فأنا لم اذهب وسمعت صوت الصلاة ولم أذهب أخذني الدفء والوجع والظلال والمساء.
كنت أقذفني من عليها .و من فوق شباكها العالي قفزت
وأنا لم أذهب فقط كنت أسيل إليها أزحف كزحف الخطى في الممرات كزحف صوتها في أعماقي فهل ترى ؟

كما قلت لك   لم اذهب  رأيتني عندها
ثلاثة أيام و ذهني شارد , و لم أذق النوم و لا الأكل و لا شئ , المرأة كانت فرحانة و قالت لي بفرح
يا فهمي تعالى :- كنا بمفردنا في حجرة ضيقة و لم أر في عمري لحم هائج , و أعترف أنى أردتها
نعم أوقفني صوت الأذان و لكنى أكملت الأنفاس
و العرق و اللهاث , قفزت في الليل التالي اليقظ.
تذكرت عرى فخذها و هربت عرفت لون عيونها

و جريت 0 سمعت صوت ضحكتها الممطوطة الطويلة فمشيت
رحت للجامع الكبير و صليت الفجر , و لكنى لم أنم .
ثلاثة أيام لا يفارقني وجهها و حروفها تخرج لاذعة جارحة

 و الدنيا كانت برد.
وأنا لم أذهب

أنا فهمي عبده سرور

........................................
  " ملاحظة "
المحزن أنه و بعد أيام قليلة مرت و هو يقاوم عدم النوم ,وولعه الشديد وهيامه المستمر ......و عند شباك السيدة الجميلة رأيته يحاول التسلق للنافذة مستخدما المواسير و عندما ر أنى

قال خجلا : أريدك حالا.
ماذا تريد يا فهمي ؟    

 

 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية