|
كم منهم خالياً من الديون القاصمة وكم
منهم لديه منزل يقطنه؟ هاكم النزر اليسير؛ لنبدأ من
الشاعر عبدالعزيز جاسم، ذلك الإنسان الذي لا يكاد يمر
أحد هنا من دهاليز الإبداع دون التوقف مليا عنده ورفع
قبعته عاليا اليه؛ مذ عرفته، وهو مشرد بين شقق في
أبوظبي والشارقة، وفي أفضل حالاته، في غرفة صغيرة لدى
أسرته في رأس الخيمة.
مذ عرفته أيضا، وهو مصاب بفيروس الديون
لكي يستطيع العيش وشراء الكتب؛ التي ربما وحدنا (أنا
وهو) يعرف نوعيتها وعددها.
رسائل البنوك الملغمة تعرف طريقها
جيداً الى بريده، هذه حاله منذ ما يقارب العقدين.
الشاعر إبراهيم الملا، هذا المترع
بالجمال؛ هذا الذي يبدع كثيراً ويتحدث قليلا، هذا
الشاعر الاماراتي المهم جدا والسينمائي ذو الذائقة
الخاصة والصحافي ذو المقالات المستحوذة بجمالياتها، هو
الآخر يسكن لدى عائلته بينما بيته الذي هو قيد الإنشاء
منذ أكثر من ست سنوات لم ينجز بعد؛ حيث يعمل على
استكمال بنائه متى ما توفر لديه بعض المال. الا ان
المال الذي كان يكفي لبناء أربعة جدران آنذاك (قبل ست
سنوات)، بالكاد يكفي اليوم لبناء سقف حجرة مجرد.
وهناك، في رأس الخيمة، يكرم حاكم
الإمارة الشاعر أحمد العسم، فيسأله الحاكم ان كان لديه
بيت أو كانت عليه ديون، فيجيب العسم بكل ثقة “نعم يوجد
عندي بيت طال عمرك وبالنسبة للديون الحال مستور
والحمدلله”. وأنا الذي يعرف أحمد العسم؛ أعرف ان العسم
بنى ذلك المنزل بالديون وأن البنك يحاصره هو الآخر؛
وليس أدل على ذلك مما قاله العسم نفسه مراراً في
كتاباته؛ أوليس هو القائل عن صندوق البريد “كلما فتحته
صافحني دائن ومتسول”، أليس هو الذي يحلم “بأن يستفيق
الراتب من غفوته”؟
وهاشم المعلم؛ ذلك الشاعر الجميل في
عجمان، انقطع عن الاتصال بي لمدة أسبوع وهو المبادر
بكل رحابة دوما، فقمت بالاتصال به، فأجابني من محل
لبيع الأدوات الصحية، فسألته مبتهجا “تبني منزل ماشاء
الله”، فأجاب بمرحه المعتاد: “ليس بالضبط، فقط غرفة في
منزل العائلة وبعض التشطيبات الصغيرة” ثم أردف: “تصور،
حتى المنازل تبحث عن أدوات صحية”، فأجبته مداعبا:
“عليك التوجه بهذا الخصوص الى الصيدلية”.
فكرت لاحقا، بعد ان أقفلت سماعة
الهاتف، عما اذا كان هناك أي جدوى من البحث في
الصيدليات عن كبسولة سحرية تنسي الانسان المبدع هم
توفير سكن له ولعائلته، وهم اطعامهم في آخر الشهر او
منتصفه كي يتسنى له العمل على ابداعه دون أن يفكر في
كل تلك الدمارات.
-2-
القائمة طويلة ولن تنتهي هنا؛ عبدالله
السبب وحالة الإسهال الشديد التي يصاب بها راتبه
الشهري والتي لم تنفع معها المسكنات المرحلية، يتردد
هو الآخر بين حلم منزل وراتب يفي بالحاجيات. كل مرة
كنت أدخل فيها رأس الخيمة وأمر بالرمس، ينتابني شعور
غريب بأنني في يوم ما ربما سأجد عبدالله السبب رابطاً
نفسه وأبناءه ب”القارة” (صخرة كبيرة في الطريق العام
قرب الرمس).
السيناريست والقاص الجميل أحمد
سالمين، مازال يبني “وبقرض طبعاً” بعد ان ضاقت به،
وبأطفاله، الغرفة الصغيرة في منزل والديه. أحمد اتخذ
من سطح المنزل مكانا لكتبه وإبداعه الخاص.
محمد حسن احمد؛ المتعدد الانشغالات
الابداعية، والذي يكاد يكون الشاعر الإماراتي الوحيد
الذي “ولد” في ظرف العشر سنوات الاخيرة، يبحث عن عمل
بسبب وضعه الخاص.
محمد، الذي يرعى صحافة الكترونية ولا
يكاد يخلو مهرجان سينمائي او مسابقة سينمائية محلية من
اسهاماته المتعددة، ربما يحلم هو الآخر ان يهاتف
أصدقاءه يوما ما ويدعوهم الى مقهى “كلاسيك” أو غيره
في رأس الخيمة ويدفع هو عنهم ثمن القهوة كاملا.
عبدالله عبدالوهاب؛ ماهو مصيره؟
حسن شريف؛ هذا الاب الكبير للفن
التشكيلي في الامارات، لماذا يعيش كل هذه المدة في بيت
صغير من غرفتين؛ بيت يكاد سقفه يحك رأسك عندما تدخل
غرفه في منطقة خلفية في دبي؟
محمد كاظم؛ وهو الذي من دبي، يسكن في
شقة صغيرة في دبي.
أحمد راشد ثاني ؛ لا تكاد تخلو منطقة
سكنية في أبوظبي من بناية سكن فيها، وقد انتقل أخيرا
من الشقة التي زرته فيها آخر مرة.
وليد الشحي؛ السينمائي الذي مثلت
أفلامه الامارات مراراً في مهرجانات عربية ودولية؛
يسكن في بيت مع والدته وعائلته، بينما يكوم هو رماد
سجائره في منفضة اتحاد الكتاب في رأس الخيمة، متسمراً
امام شاشة الكمبيوتر لساعات طوال يومياً باحثاً في
السينما.
-3-
القائمة بالضرورة أكبر مما أعرف، وهي
لا تنتهي هنا حتماً، والحديث عنها لا يتوقف هنا وإنما
له امتدادات في اتجاهات الدولة بأكملها؛ فحالة البؤس
التي تصاحب العديد من الكتاب والمبدعين الاماراتيين؛
والذين ربما لم نتطرق لكثير منهم بالذكر هنا من
مسرحيين وموسيقيين وفنانين تشكيليين وغيرهم، لهي أكبر
من أن يحتويها مقال واحد من هذا النوع، إلا أنه من هذا
الاستعراض البسيط، نشعر بثقل وطئ المطارق على أرواحنا
وقلوبنا؛ فكيف لمثل هؤلاء المطحونين، في كل ما سبق
ذكره، أن يحضروا في فعاليات عامة وان يساهموا بشكل
فاعل في بلورة حركة ثقافية محلية عميقة ومؤسسة؛ خاصة
في ظل هذه التطورات الاقتصادية الهائلة وما افرزته من
غلاء شرس ومستبد على كل الاصعدة؟
كيف لمن يفكر في السبيل الذي سيتعامل
به مع زيادة الإيجار القادم وزيادة المواد الاستهلاكية
ومواد البناء وما الى ذلك من زيادات (عدا ما يخص
الدخل طبعاً)، أن ينشغل بشكل حقيقي ومكثف في العملية
الابداعية؟ كيف لمثل ذلك أن يحدث؟
انه القلق المريض الذي لا ينتج
ابداعاً، وإنما، احباطاً وسخطاً شديدين على كل ما
يتعلق بالفعل الثقافي.
-4-
الإمارات اليوم في أمس الحاجة الى
مثقفيها ومبدعيها وكتابها، وبدونهم، لا يمكن لأي بناء
حضاري أن يكتمل، ولا لتراث ان يقرأ بشكل جديد وأن يرسخ
كهوية وطنية، وبدونهم لا يمكن لمجتمع ان يكون بمنأى عن
الهجمات الإعلامية والدعائية الشرسة الموجهة الى
المنطقة بشكل ممنهج، وبدونهم أيضا لا يمكن الإسهام
بشكل فاعل في المكتسب الإنساني والكوني على حد السواء.
فلماذا كل ذلك التهميش اذاً وكل تلك اللامبالاة نحوهم
وتجاه احتياجاتهم الأولية كبشر على هذه الارض؟
سؤال يبعث على الحيرة الشديدة وإعادة
النظر في التعامل مع مسلمات الوعي الإدراكي ومع
الخطابات الإعلامية والنداءات المتواصلة في خلق هوية
ثقافية وطنية.
إن البحث عن هذه الامور والتقصي في
ماهيتها واكتشاف حقائقها شيئا فشيئا، يصيب المرء
بالإحباط الشديد وخيبة الأمل التي لا تضاهى؛ فها هم من
يبحثون عن العمق الحقيقي أسرى رهانهم على الذات
المبدعة، بينما يكمن رهان الآخر على خلق “واجهة
ثقافية” تحمل في ثناياها ما تحمل من مقومات الهشاشة
والترهل؛ الا أنها في نهاية المطاف، تفي بمقتضيات
الحياة الكريمة بمعزل عن ملاحقات البنوك وزيادة
الإجارات
-5-
يعلم الجميع أن أغلب المثقفين
والمبدعين في عالمنا العربي يعيشون في حالة من الضنك
وضيق ذات اليد؛ الا من رحم ربك كما يقال، ويعلم الجميع
أيضا ان ما يحدث هنا ليس بحالة استثنائية على هذا
الصعيد، ونعلم أيضا أن المبدعين الحقيقيين لا يجيدون
فن التملق أو التودد للحصول على مكاسب شخصية. كما ان
الجميع يعرف ان توزيع الكتاب العربي لا يتجاوز حدود
الالفي كتاب في احسن حالاته (إلا في بعض الحالات
النادرة جدا)؛ مما لا يدع مجالا للشك في ان الكاتب
والمبدع العربي ليس بقادر على ان يعيش من ابداعه
الخاص؛ خلاف ما يحدث في الغرب الذي توزع فيه الكتب
بمئات الآلاف من النسخ وأحيانا بالملايين.
إذاً، هناك هوة سحيقة بين وضع الكاتب
العربي خصوصا والكاتب الغربي عموما، والتي لا يمكن
معها مطالبة الكتاب والمبدعين العرب بالاقتيات من
كتاباتهم وإبداعاتهم الخاصة.
ولكن السؤال الاجدر بالطرح هنا من وجهة
نظري هو: ما مبررات حدوث ذلك في دولة مثل الامارات؛
هذه الدولة التي تعيش طفرة اقتصادية هائلة بمعنى
الكلمة وقد أبهرت العالم بأسره بشكل منقطع النظير؟ ما
مبررات حدوثه في ظل ثقافة محلية تندثر وأقلية بشرية
تتضاءل باستمرار؟
ما مبرر حدوثه في مشهد ثقافي يعاني من
بياضات كبيرة ومقلقة الى حد بعيد، بينما هو مطالب
بتشكيل صفاته وأسئلته المصيرية؟ ثم لو تم احصاء ما يجب
توفيره للكتاب والمبدعين من أبناء هذا البلد،
لتمكينهم من الانشغال بالهم الاسمى، فما الذي سيكلفه
ذلك ياترى؟ ما نسبته مما يصرف للترويج لثقافة سطحية
وهشة في الكثير من المهرجانات ووسائل الاعلام المتعددة
بما فيها الفضائيات؟ ما نسبته مما يصرف لإقامة برج
واحد وحيد؟
لمَ لم تقم المؤسسات المعنية بالأمر
بدراسة هذه الظاهرة والتفكير بحلول مبتكرة لها؟
هاكم مثلاً ما أمر به صاحب السمو
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس
مجلس الوزراء حاكم دبي - مؤخرا، والذي أمر بمقتضاه
تخصيص نسبة معينة من اكتتاب الاتصالات المتكاملة
للمعلمين والعاملين في حقل التدريس؛ الا يعد ذلك محفزا
جيداً للبقاء في هذه المهنة التي بدأ يهجرها الكثيرون
لأسباب مادية بحتة؟
هذا حل مبتكر؛ صحيح انه ربما لن
يتناسب مع فئة من الكتاب والمبدعين لانهم لن يجدوا ما
يمكن دفعه للحصول على مخصصات الاكتتاب، لكنه على كل
حال يعد حلاً غير تقليدي لمشكلة تقليدية؛ وهذا بالذات
ما ينقص المؤسسات ذات الصلة بالفعل الثقافي.
ثم هاكم مثالاً آخر تم تنفيذه في دبي؛
ألا وهو فرض رسم اجباري وقدره عشرة دراهم تسمى ب”درهم
المعرفة” عن كل المعاملات التي تنجز في المؤسسات
الحكومية وشبه الحكومية، على أن يصب دخلها لصالح العمل
الثقافي في الإمارة.
-6-
لمَ لا يتم، من ناحية أخرى التفكير في
المزيد من هذه الحلول غير التقليدية والمجدية
كالاستثمار مثلا في مشاريع يعود ريعها على فئة الكتاب
والمبدعين والمثقفين؛ مشاريع كبعض المباني السكنية
والمحلات التجارية كالمراكز والمكتبات والمقاهي
وغيرها؟ ألا تقوم مؤسسة العويس في جانب منها على
استثمارات من هذا القبيل؛ ترفد في نهاية المطاف الكثير
من النشاطات ذات الصلة ومنها جائزة العويس؟ لماذا لا
يبحث أمر كهذا بمنتهى الجدية من قبل الجهات المختصة؛
خاصة، ان استثماراً كهذا قد أثبت جدواه في هذه
المؤسسة وغيرها؟ لمَ لا تتبنى المؤسسات الرسمية مثلا
طباعة كتبهم وتوزيعها، داخل وخارج الدولة، واقتناء جزء
منها، وترجمة ما يستحق منها الترجمة؛ باختصار، لمَ لا
يتم التعامل معها من منطلق الصناعة والسلعة والوطنية؟
هناك الكثير مما يمكن أن يفكر به
لتخفيف وطأة الحياة على المبدعين والمثقفين من كتاب
وشعراء ومسرحيين وسينمائيين وفنانين تشكيليين
وموسيقيين وغيرهم؛ ولكن هل يوجد هناك من يلتفت الى كل
ذلك البؤس الذي يكتنف تلك الفئة المبدعة من البشر؟ وهل
يوجد من يهتم بذلك؟ |