20/03/2006

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 

المتعبون !

الكاتبة مي خالد

may_khaled@hotmail.com

 
 
 
 

(1)

مدخل:

ليس الرَّمادي إلا مزيجٌ أزليٌّ بين الأبيض و الأسود!

وليست أرواحنا إلا مزيجٌ أبديٌّ بين الضوء والعتمة ، لسنا ملائكةً ولا شياطين !

و لسنا أنبياء و ما ينبغي لنا!

 

(2)

مخرج:

لم يكن " تعبهم " خيارًا حكائيًّا لكاتبة مبتدئةٍ مثلي ، لكنها الصُّدفة المجردة هي التي أنشأت هذه الحكاية !

هل أتخلى عن حكايتي قبل أن أبدأها باعترافٍ مرٍّ كهذا؟!

لا أدري!!

كلُّ الذي أدريه أن الملائكة سألت الله سبحانه وتعالى حين خلق آدم : أي رب أخليفة من غيرنا؟!

ممن يفسد فيها ويسفك الدماء ، ويتحاسدون ويتباغضون ؟! أي رب اجعل ذلك الخليفة منا فنحن لا نفسد فيها ولا نسفك الدماء ولا نتباغض ولا نتحاسد ولا نتباغى ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ونطيعك ولا نعصيك ، فقال تعالى: ( إني أعلم ما لا تعلمون ).

لقد أراد الله لنا منذ البدء أن نكون كما نحن : بشر ، فقط بشر!

 

(3)

لم يكن فيلسوف الهند " صصه" يتصور ما ستؤول له الأمور في مدينتي "الرياض" وإلا لما استجاب لنداء الملك حين طلب من فلاسفة الهند اختراع لعبة تنافس لعبة "الطاولة" أو " زهرة النرد" التي بعثها له الملك الفارسي فأثارت الهدية غيرة الملك الهندي !

أو على الأقل لكفّر قبل موته عن جريرته ورصد جائزة للسلام والتعايش ، كما فعل نوبل !

طلب الملك من جلسائه اختراع لعبة جهنمية متفوقة ، لعله يرد هدية الملك الفارسي بأحسن منها!

أجزم أنه لم يخطر ببال "صصه" وهو يتقدم منتشيًا في طريق القصر صبيحة يومٍ مشمس أنّ الرِّقعة التي يحملها في يده وتمثل خلاصة فلسفته ستقلب مدينتي بعد قرونٍ عدة رأسًا على عقب !

كان يدندن و يحدث نفسه بصوت مسموع لئن اعتَبرتْ الفلسفة الفارسية أنه ليس للإنسان سوى حظه كمن يرمي زهرة نرد فتصيب أو تخيب ،و أن الحياة مجرد طاولة! ، فسأعلمهم كيف أن الإنسان قادر بسعيه واجتهاده وذكائه على أن يخطط ويتآمر ويرسم ويناور كي يصل بأي ثمن ، ويضيف دائمًا وهو يعلِّق ابتسامة مائلة تحت شنبه الكث : (كش ملك)!

- حسنًا ، لم يكن صوته مسموعًا ، لكني أتخيل أنه قال ذلك! -

المهم أنه اخترع لعبة الشطرنج، يالها من لعبة فاشيّة!

لا استغرب تفوق هتلر النازي فيها ولم استغرب حين قرأت مرة أنه لم يكن يخطط لحروبه العالمية إلا على رقعة الشطرنج وبأنه أول من وضع خطة الشطرنج المعروفة التي تعتمد على بيدقين فقط !

لا أحد في مدينتي المغلقة على نفسها وعلى ستة ملايين بيدق كرستالية هم صفوة بشرها ، وعلى ليلٍ غير نهائي من الكهرباء والمصابيح المعلّقة يصدق أن هتلر كان يخاف من الأماكن المغلقة " Claustrophobia".

الوزير والفيل لا غير ثم ثلاث نقلات سريعة وخاطفة ليحصد الفوز على خصمه!

دائمًا يفوز هتلر حتى بعد موته وبعد هزيمة ألمانيا والعرق الآري وسقوط النازية ،وفضيحة الهولوكوست ، بالرغم من كل شئ ، دائمًا يفوز!

كل سكان مدينتي  تجري في عروقهم دماء زرقاء مثل هتلر إلا أنا ، ليس فقط لأني لا أنتمي لعائلة معروفة ، ولا لأن أبي جاء من جزيرة صغيرة في أقصى الجنوب ، وليس لأني أعمل بأجر يومي كسائق تاكسي ، وليس لأن صاحب التاكسي لا يتردد في البصق على وجهي حين يرى خدش صغير على جانب السيارة ، بل لأني أحاول أن أنهي جولات "البلوت" بثلاث ورقات فقط ، فأخفق!

كيف لوطن أن يكون موغلاً في التطرف لهذا الحدّ؟! موغلاً في البياض لهذا الحدّ؟! موغلاً في القداسة لهذا الـ...... موغلاً في القداسة بغير حدّ؟!

لطالما فتشت في المساحات الفارغة من حولي عن مقدارٍ مضاعف من المازوشية لعلي بذلك أستطيع التعايش مع اضطهاد مدينتي لي ، مع دمويتها!

و لطالما خلعت نعليّ عند فجرها المقدس ، أخاف المدن الغريبة التي لا يرفع فيها آذان!

أما فجر الرياض المسالم فيرفع في سمائه أكثر من آذانٍ بصوتِ الأبدية الخالد ، أكثر من آذان في نَفَسٍ واحد!  كنداء إلهي موحد من أجل خير البشرية وصلاحها ، لكني لا أطمئن كثيرًا و أنا أقود التاكسي على أمل أن أجد راكبًا تعثر به ليله في أحد الشوارع الرئيسية  ، بالرغم من أن شوارعها الرئيسية والفرعية على حدٍّ سواء لا تنام  !

أعرف شوارعها كما أعرف راحة يدي ، أحفظها بأصغر تفاصيلها وأكبر أحزانها ، أزقتها ، حواريها ، وإشارات مرورها ،أبواب البيوت الملونة والمزخرفة بقلة ذوق إن لم نقل انعدام ذوق!

وأعرف تفاصيل الديناصورين الإسمنتيين أكثر من المهندسين وعمال البناء الذين أقاموهما على جسد الصحراء ، أعرفهما نافذةً نافذة ، مصعدًا مصعدا ، عمودًا عمودا ، رخامةً رخامة ، درجةً درجة!

على كلٍّ ناسها ليسوا طيبين ، بأنوفهم الطويلة ، ولغتهم الارستقراطية التي تتزحلق على المظاهر ،ليسوا طيبين!! أما شوارعها فمكتظة بالخرائب ،والقطط ،وناطحات السحاب!!

 الرياض تلك السهكة الدرداء ـ كما قال عنها ابن خفاجة ذات رؤيا ـ رقعة شطرنج كبيرة!

لا مكان للأبيض فيها ، لا يسكنها إلا سواد الإسفلت الذي يفاقم من التشققات في باطن قدمي!

هكذا خطط لها المهندس اليوناني " دسكيادس" تصميمًا ذكيًّا و عديم الإنسانية في آن ، مخططًا على هيئة رقعة شطرنج واسعة تمامًا مثل مدينة منهاتن ، صرخ مثلما صرخ مواطنه القديم  أرخميدس : (وجدتها ، وجدتها ، يوركا ، يوركا ) بينما راح يجري عاريًا في شوارع أثينا ، وعندما سألته الشرطة عن سبب خروجه عاريًا في مكان عام ، علل ذلك بأنه اكتشف قانون الطفو وهو يستحم!

لا تنظر إليّ هكذا، في الحقيقة لست متأكدًا من أنّ دسكيادس صرخ وهو عارٍ حين فكر في تصميم مدينة الرياض ، لكني واثق من استحقاقه للمسآءلة القانونية!

 

 تُبنى الرياض على شكل رقع شطرنجية ،كل رقعة بمساحة 4 كيلو متر مربع ،  بثلاث مسارات للطريق الرئيسي ومسارين لطريق الخدمة!

التوقيع: م. دسكيادس

ابتكار بارع لكننا لسنا مثل سكان منهاتن ، فنحن نازيون وهم يهود!

دعاني أخبركما المفيد من كل هذه الثرثرة التي اقترفتها على رأسيكما ، دون أن يكون لكما ذنب غير أنكما تلعبان معي "بلوت" ، وغير أني أخفق دائمًا أمامكما في إنهاء الجولة بثلاث ورقات!

حين انسلت روحي بعد أن أرتطم رأسي بمقود التاكسي إثر ارتطام التاكسي بعمود النور كنت أفكر:

ترى أي معنى لحياتي الباهتة ؟

 

 

(4)

يقول الطيب صالح في روايته (موسم الهجرة إلى الشمال)
مجرد أن يولد الإنسان بالقرب من خط الاستواء كفيل بأن يسمى (عبد) وكفيل بأن يزدرى !!

تورَّمت جدة و أصبح لها وجه وقلب وقاع وشوارع أمامية وأخرى خلفية ، حياة ظاهرة وأخرى باطنة ، شوارع جميلة وأطفال أصحاء يستمتعون بعطلة نهاية الأسبوع مع والديهم ،ومطاعم ومقاهي راقية ،كورنيش وسيارات فخمة وحياة وصخب وأنوار تطالعنا صورها في الصحف اليومية وبين فقرات البرامج في التلفزيون ، وعلى خلفية النشيد الوطني قبل نشرة الأخبار، وحياة أخرى باطنة منسية مليئة بقصص الفقر والعاطلين والمدمنين والمتسولين والمنحرفين ، أقليات محتقرة ، ووافدين ، مخالفين للنظام متسترين يعيشون الذل والهوان كل لحظة ، مهمشين قلقين حائرين نازحين من أطراف العالم أو من بلد مجاور بحثًا عن فرص حياة ، تعرفهم من وجوههم من وقوفهم تحت الشمس من تقافزهم بين السيارات لبيع بضاعة مقلدة ومغشوشة!!

((تمثال لروزا باركس رائدة الحقوق المدنية في الكونغرس الأميركي
واشنطن "الشرق الأوسط"
ستصبح رائدة الحقوق المدنية الأميركية الراحلة روزا باركس أوّل امرأة سوداء يقام لها تمثال في الكابيتول ، بمبنى الكونغرس الأميركي ، وفي احتفال لتوقيع مشروع قانون يدعو لإقامة التمثال أشاد الرئيس جورج بوش بروزا لدعوتها أميركا إلى «العودة إلى وعد تأسيسها الخاص بالمساواة والعدالة للجميع»))


لقد صادف يوم الخميس الذكرى السنوية الخمسين لليوم التاريخي الذي رفضت فيه روزا التخلي عن مقعدها في حافلة لرجل أبيض ، وأثار فعلها الذي تسبب في إلقاء القبض عليها حركة الحقوق المدنية ، ولهذا السبب حكم عليها بالسجن و بدفع غرامة قدرها 14 دولار!!

بعدها بخمسة أيام تجمع آلاف من المحتجين أمام كنيسة بابيتيست في المدينة وخطب فيهم القس الشاب مارتن لوثر كنج 26 عامًا طالبًا منهم مقاطعة وسائل النقل ، ثم دارت العجلة من تلقاء نفسها وتداعت الأحداث بقوة الدفع الذاتي ، بعد أن أشعلتها روزا ذلك الصباح!

توفيت روزا في 24من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن 92 عامًا.

هل تتكرمان عليّ  وتكفان عن ترتيب ورق اللَّعب؟!

دعاني أركز وأنا أقص عليكما حكاية الأسود المطحون!!

أسود لأنّ لي جلدًا كقطعة من ليل شديد الحلكة ، ومطحون لأنني أعيش في طاحونة هوائية كبيرة اسمها جدة ، تلك المدينة اللَّزجة كظهر ضفدع ، تلك التي لا قلب لها ولا أرصفة كل الناس يقطعون الشوارع السريعة ركضًا على أقدامهم ، لا أحد يستعمل الرصيف دونًا عن أسوار المشاة المعلّقة ، الجميع على موعد مع ملوحة البحر ، منذ نعومة سوادي وأنا أحمل شوارعها على هيئة خطوط في كفي ، وأسير تحت شبابيك عنيكش ، أمشي تحت كبري المينا ، أركض على طريق الكورنيش الطويل ، أقطع التحلية صائحًا : (مويه...مويه...مويه... لبان ، مناشف) حتى أنام متكومًا تحت مجاري السيل في ليالي الصيف الملتهبة كحمى على جبين جدة!

أفتح نوافذ صدري كل صباح على مدينةٍ من العطب والعفونة ، لو يشتري هؤلاء الورود لبعتهم غاردينيا وشيئًا من عقود الفل والياسمين... تلك الورود البيضاء كقلب طفل أسود معلّق على ظهر أمه في ملاءة صفراء مخططة بالأخضر ، معلّقٌ لا يلوي على شئ ، تطعمه أمه شيئًا من الفول السوداني فيقضمها كجرذ ويبتسم!

لكنهم لا يحفلون بالورود ، لا يحفلون ، وحين يرون سحنتي يظنون أني أبيع هروين أو حشيش!!

أكثر من مرة تهجم عليّ رجال مدنيون يفتشون صندوقي الذي أحمل فيه بضاعتي ، ولأكثر من مرة وليتُ هاربًا وتركت صندوقي الذي هو رأس مالي ورائي وركضت لأن أحدهم نادى (بلدية ..بلدية) وحين أطلقت ساقيَّ للريح سمعته يقهقه عاليًا!!

لم يكن السواد جينًا وراثيًا ، كان سوادي طفرة اقتصادية لكل رجل يحمل بشرةً أفتح قليلاً من بشرتي يستطيع من خلالها أن يسلبني رزقي ويوسعني ضربًا متى ما فاز فريقه أو خسر.

سحقًا للإتي سحقًا للأهلي ... ولكل الجماهير!

حين يخسر الأهلي أمام الاتحاد فهذا لا يعني إلا أنّ أحدهم _كما حدث دائمًا _ سيربطني على عمود الإضاءة ويعصب عيني بعلم أصفر ويبدأ في الضرب !

وهو متشنج (رجل أسود و علم أصفر) بالطول ..بالعرض الأهلي يهز الأرض!

وكانت الأرض تهتز تحت قدمي بحق!

حين تبدأ عروقي في ترشيح دمي  يتركني هؤلاء مذعورين : (هذا العبد سكت أخشى أنه مات)!!

ودائمًا أموت .. أموتُ كثيرًا !

نحن السود لسنا مؤذين دائمًا ، لكن هي مشاعر الاشمئزاز ، فحيوان (الوزغ) بالرغم من أنه ليس مؤذيًا لكنه يثير اشمئزازنا !!

أكثر من مرة خرجت من حي الكرنتينا المكان الوحيد الذي أمارس فيه إنسانيتي فالكل هنا لهم مثل لوني ، وهكذا لا فضل لأحدٍ عليّ حتى إن قصّر ثوبه وأطلق لحيته!

وقفت أمام باص الجوازات وأنا أحدث نفسي: ( لأنتهي من كل هذا الآن ، ودفعةً واحدة!)

لكنهم لم يوقفوني قط!

ربما كانوا يعرفون أنني لا أعرف بلدًا غير هذه البلد ، ما معنى ورقة الجنسية أو أوراق الثبوتية الشخصية ، أقسم بأني أحب ترابها المقدس أكثر مما يحبه بعض أهلها ، في عام 1991م سافرت للخفجي بينما كان أهلها يهجرونها ، قلت لن يأخذوا شبرًا من ترابي!

ترابي الذي أرقد الآن تحته بسلام وأستنشقه طويلاً دون أن يفسد عليّ أحدهم متعتي به ، أنا تحت التراب منذ عام ، كان عمري حينها خمسةً وأربعين عامًا ، يومها اجتمع سكان الكرنتينا بالعصي وبدأ بعضهم في عجن بعض ، صحتُ فيهم ( يكفينا طحنًا ) ، لكن صوت ضرب العصي كان أعلى من صوتي ، اقترب مني أحد النيجيريين وبدأ بضربي على كتفي بطريقة متواصلة كنت أبتعد عنه لكنه كان يبدو مستمتعًا بضربي ، التقطت عصا وضربته على رأسه فسقط!

وحين رأى أخوه ما فعلت به سحب سيخًا رفيعًا من بقايا البناء المكومة وراءنا وزرعه في صدري..لم أشعر بألم والسيخ يخترقني محدثًا ثقبًا أحمرَ صغيرًا في ثيابي!

توقف الناس عن الحركة ، تجمدت الصورة في عيني أو ربما عيني هما من تجمدتا ، لست واثقًا من شئ ، الصورة مشوشة في ذهني حتى الآن!

اتكأت على الجدار خلفي ، كانَ الجدار صلبًا وكنتُ طريًا فانزلقت ... استويت جالسًا

اتسع ثقب الدم اللَّزج شيئًا فشيئًا ، ليس رطوبةً ولا عرقًا ولا قيظ جدة ، إنه دمي!

انسلختُ من المشهد صعدت كالهواء الخفيف عاليًا ، مازالوا يتحلقون حولي وهم مندهشون... لم أعد أسود أصبحتُ أبيضَ شفيفًا كالهواء أُحلِّقُ فوق جدة!

 

 

(5)

 كانت أيام عصيبة تلك التي قضيتها في مستشفى الأمراض النفسية في الطائف مستشفى "شهار" ، أظن أنه بعد الفضيحة الأخيرة التي نشرتها صحيفة الوطن السعودية عن هذا المصح المـُمرِض ليس هناك داعٍ لسرد تفاصيل هذه الأيام التي سميتها عصيبة ، بقي فقط أن أُعلِّق على الصورة التي نشرتها الجريدة للمرضى الذين جُلدوا بخرطوم الماء وهم عراة ، في الحقيقة لم يكن الوضع بهذا السوء حين كنت هناك ، فقد كانت خراطيم الماء تستخدم لاستحمامنا دفعةً واحدة ، كان جوًا مسليًا أغيب فيه بعيدًا عن جسدي ربما انسلخت روحي وأنا واقف في الحمّام لتطير لعوالمٍ أخرى حيث كل الأمكنة خضراء مثل بلاد العجائب التي رأتها أليس ، بلاد يحكمها مجموعة من أوراق الكوتشينة الملونة ، هل تعرفون رمز حكومة الكوتشينة هذا يعني أن الحياة لا تعدو اللازمة التي ترددها العجائز في مدينتي ( القسمة والنصيب ) !

دخلت المصح إثر انهيار عصبي حاد ، لم أتصور أن تلك المرأة ليست إلا أمي بالرضاعة ، بالرضاعة فقط وليست أمي الحقيقية!

كنت بالكاد قد تجاوزت فكرة أن الشيخ الذي يأويني في بيته ليس إلا زوج أمي وما أبي إلا زوج أمي المتوفى "عبد الرحمن" في الحقيقة أسعدني أن هذا الشيخ ليس والدي ، لأن أمي كانت تزيد من جرعات حنانها عليّ في الصباحات الباردة التي يوقظني فيها الشيخ بالماء المتبقي في فمه بعد الوضوء!

لكن أن أكون دون أب أو أم معروفين فهذا ما قصم ظهري و ما لم تطق أعصابي معه صبرًا!

جننت ، ركضت في شوارع "الدمام" كمن رأى لصًا يسرق سيارته ويهرب ، كانوا يسألوني وراء ماذا أجري ، وكنت أجيب وراء سيارتي الـ b m w الحمراء !

أظن أن أحدًا لم يصدق أن من هو في مثل رثاثة مظهري يملك سيارة ثمينة!

لكن بعضهم كان يتطوع بوصف المكان الذي رأى فيه سيارتي على جانب الطريق وقد سرقت عجلاتها ووضع لها بعض البلوكات لإيقافها ، وبعضهم يشير علي بعدم إبلاغ الشرطة لأن ذلك مضيعة للوقت ، وأنه عليّ أن أعتمد على نفسي وأفتش عليها في حراج السيارات!

هل كان كل أهل "الدمام" نزلاء في شهار؟!

بعد ثلاثة أيام من الجري والنوم أمام أبواب المحلات عدت للبيت عند من كانا أمي وأبي ، كنت أعرف أنه لا سبب لاحتفاظهما بي طوال تلك المدة أي منذ سنة 1401هـ حين وجدني الشيخ على باب جامع الخُبر الكبير حتى سنة 1422هـ عام دخولي المصح النفسي ، إلا سببًا وحيدًا ، وهو المقررات الشهرية التي تصرفها الحكومة لي!

أحيانًا أفكر أن تفكيري بهذه الطريقة ظلم كبير لهما ، وأستعيذ من الشيطان لأنهما بحق لم يكونا يفرقان في المعاملة بيني وبين أبناءهما حتى في المشتروات البسيطة ، حتى لطالما فضلتني أمي على أخوتي!

 أذكر أنها خصتني ببدلة الضابط البيضاء ووزعت البدل الخاكية على أبنائها.

كانت تقول: أحلم بأن أراك ضابطًا في البحرية هنا في الدمام ، لا أطيق أن تبتعد عني حين تكبر!

 وكنت أسألها: لماذا لي بشره شديدة البياض ولأخوتي بشرة سمراء ؟!

 فتقول: لأن الملائكة مخلوقة من نور!

صرخ الشيخ في وجهي أول ما رآني و خطوط اللعاب تسيل من فمه الخالي من الأسنان : ( أطلع من بيتي ) ، تصرفت وكأني لم أسمعه ، أعرف أن أهل الحي اشتكوني إليه وأخبروه بسلوكي خلال هذه الأيام الثلاثة ، في الحقيقة أنا أحب أولاد الحي ولم أتعمد ضربهم ، بلى تعمدت ضرب "سيف" بالذات ، لأنه كان الوحيد من أبناء الحي الذي يعرف قصتي كاملة من أول السطر حيث بوابة جامع الخُبر الكبير والنمل المتجمع على جسد الرضيع ، وبعض التفاصيل الدقيقة الأخرى التي أعرف الآن أنها من نسج خياله!

كسرت كتف "سيف" بالساطور الذي ربطته فيما بعد على ساقي بعناية حتى لا يكتشف مكانه أحد ، وإن كانت أمي تسألني عن سر عرجي في مشيتي فأقص عليها قصتي مع فنجان الشاي الذي دست عليه برجلي الحافية فانكسر، وأريها أثر الجرح الذي شققته في باطن قدمي بسكين المطبخ !

مرة رأى صبيان الحي مخبأ الساطور وأنا أُلوّح به في وجوههم ، فهرعوا لبيتنا ، وعندما عدت وجدت رجال الحي أمام باب بيتنا وأبي واقف بينهم بوجهه المحتقن ولعابه المتناثر على لحيته ، لم أستطع التفلت من أيدهم ، أفقت بعد الليلة التي قضيتها منهارًا في السيارة التي كانت تطوي الطريق السريع بين الدمام والطائف ، لا أعرف لماذا لم يضعوا في خطة سكة الحديد التي ستقام بين مدن المملكة ، طريقًا مباشرًا بين الدمام والطائف ، كل أهل الدمام يحتاجون قضاء بعض الوقت في الطائف ، صدقوني لا أمزح!

قبل وفاتي في حادث تزاحم رمي الجمرات في الحج الماضي كنت قد قررت العيش في الحرم المكي الشريف – زاده الله شرفًا – عشت هناك وكنت أتقاضى عن دفع عربات المقعدين في مواسم الحج والعمرة مائة ريال ، ياله من مبلغ لم أحلم بمثله ، لم أكن أعمل كثيرًا ، أحصل على مائة ريال لوجباتي الثلاث ولسجائري ، أحيانًا كنت أتنازل لرفاقي عن بعض الزبائن كي لا أزاحمهم على رزقهم ، وعندما يحل الظلام أتوسد سجادة الصلاة وأتغطى بأخرى ، وهكذا عشت حتى ذلك اليوم الذي سمعت فيه الحاج الذي كنت أدفع عربته في الممر الشريف بين الصفا والمروة يدعو الله : ( اللَّهم قد مسني الضر فاكشفه عني ، أو خذني إليك بإحرامي هذا شهيدًا ) ، وحين نهرته : لا يجوز يا حاج!

بكى وسألني : أي رحمة لا تشمل المتعبين ولماذا نبخل على أنفسنا بأن نموت شهداء فنرتاح مرتين؟!

وبعد ذلك بأيام رأيت عمّال النظافة في المسعى يدفعون بعربات كهربائية تمشي بالدفع الذاتي ، تطوع بها رجل أعمال كبير ، كبسة زر وتمشي العربة وعبر المقبض اليدوي تستطيع التحكم في حركتها إلى اليمين أو إلى اليسار ، تطوع رجل الأعمال ليحرمني من المائة ريال ، ويقطع رزق رفاقي ، لذا حججت العام الماضي،

أجربتم الهوس الذي يسكن رؤوسكم حين رمي الجمار على ما يجب أن يكون شاخصًا أو قوس هزيمة لإبليس؟!
أقلتُ : إبليس؟!
ما أجمل الحائط الإبليسي ، لكأنه لوحة سريالية عجيبة!
كدت أرى عيني إبليس وخيبته من خلال الحائط ، في الحقيقة لا أظن أنه تألم لحصياتي الصغيرة ، وربما ضحك عندما أصبت رؤوس الكثير من الحجاج!
كنت أحدث نفسي أعقاب كل مرة لابد أن الشيطان يسكن رؤوسهم وإلا فلماذا انحرفتْ حصياتي العزيزات؟

حين انحنيت لالتقاط حصاتي السابعة التي سقطت من يدي ، تدافع الحجاج فوقعت و دهستني الأقدام و رحتُ أضحك!

يالنصاعة الأبيض عندما ينبثق صباحًا على جبال مكة رفقة الغيوم ، شعرت أن البياض يحتل أركاني ، وكنت فانيًا فهلكت!

 

(6)

خاتمة :

ستتوضأ الأرواح المتعبة من لون الغيوم يومًا أخيرًا إن شاء الله!

 

 

 

 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية