12/02/2006

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 

تداعيات الاستناد على جذع شجره في مدينة إسمنتية

كل له فردوسه

إدراك

الفن هو الحياة

توم الإسباني 
الحب والبترول
فلسطين..أشياء أخرى كثيرة
نحن والكتب التي لا نقرأ
أنت ولست أنا
مرت سنة
العم خشبة
عيناويه
العجوز
 
 
 
 
 

صديقاتي العزيزات التعيسات جدا جدا

القاصة والكاتبة الإماراتية مريم الساعدي

Within_us@hotmail.com

 
 

وللتعاسة مفاهيم عديدة. كما للحياة مفاهيم أعد.

لدي صديقات كثيرات جدا. في الواقع كل من ألتقيها مره تعتبرني صديقة. لا أدري لماذا بالضبط. لكن كل من يراني يظن بأنه رآني قبل ذلك. فنستهل الحديث بالتخمينات والتشبيهات ومحاولات التذكر أين ومتى كان اللقاء الأول..وينتهي الحديث وقد استمعتُ إلى قصة حياة تعسة جديدة.

كل حكاياتهن تصحبها دمعات، آهات، ثم أقوال و حكم مأثورات: " المهم الصحة..".." ما كان بالإمكان أفضل مما كان".." هيك الله بده".."أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد".."سنة الحياة".."تصاريف القدر".."أرزاق".."نصيب".." ما باليد حيله".."الله كريم".. وتستمر الحكاية.

صديقاتي العزيزات الكثيرات..لست دائما  أتذكر أسمائهن. لذلك حين أنسى اسم إحداهن أناديها ب "ماما". "ماما" يعني نعم أنا متابعة متفهمة ومهتمة. نعم أنا معك.  ويعني بأنني سأجد شيئا حكيما مناسبا أقوله حين يحين الوقت. وكم تمنيت لو حصلت على شهادة في علم النفس تخوّلني فتح  عيادة خاصة أعقد فيها الجلسات وأصير من أصحاب الثروات.

نسياني لأسمائهن أحيانا لا يعني نسياني لهن. أتذكرهن تماما. أعني أتذكر كل شئ عنهن ما عدا بالطبع أسمائهن الثلاثية (الثنائية) ،عدد أبنائهن أو إخوتهن، تواريخ ميلادهن، أماكن سكنهن، وأرقام هواتفهن. لم أكن مضطرة يوما لتذكر هكذا تفاصيل هامشية. هن من يبادر بالاتصال، وهن من يتحدث أغلب الوقت، والمهم أنني أتذكر ملامحهن تماما، يعني لو صادفت إحداهن أستطيع أن أُلقي التحية وأسألها كيف الحال وأنا أعني السؤال.  ثم إنني أحتاج لمساحة ذاكرتي لتذكر تفاصيلهن الأهم. مثل علاقاتهن الحميمة، تفاصيل الأحلام التي ولّت، الإخفاقات المتتالية، حكايات سوء الحظ، الفرص ضائعة، الظلم القائم، مظاهر التعسف، ذكريات مؤلمة تعتصر أفئدتهن ويحتجن لمن يذكرهن بها كلما نزلت نازلة جديدة.. يعني "هيييه هوني عليك احتملتِ ما هو أكثر..أتذكرين يوم أن.." ويبتدئ اجترار الذكريات فتشعر إحداهن أن ما تعانيه حاليا لا يعني شئ مع ما مضى.

الحكاية أنهن متزوجات، أو آنسات، أو عانسات، موظفات، أو عاطلات، أمهات، أو عاقرات،  وفي كل حالاتهن هن تعسات.

***

"فيكِ شئ لله" قالت إحداهن مرة. كانت متأثرة بخلطة الأعشاب المخففة لنفخة الأمعاء التي حضّرتها لها حين زارتني. كانت متضايقة جدا ومتوترة..على بشرة وجهها حبوب بارزه وبقع بألوان عدة، وعيناها منتفخة ومحمره. تصورت ربما هي الغازات ما يزعجها أكثر. اضطررت لفتح الشبابيك بعدها.  ومع ذلك سَرَدَت لي قصة مريرة عن حياتها التعسة.  زوجها يعاقر المشروبات، يفقد العقل ويملأ بيتها مومسات. تهرب، يلحقها، يملأ وجهها كدمات.

***

الحقيقة أنني  الوحيدة "الفاضيه" فيهن. يعني لا تشغلني حكايات خاصة عن استقبال حكاياتهن.   فلم تمر بحياتي أحداث درامية..في الواقع لم تمر أحداث من أي نوع. كنت كل الوقت أقرأ. وأغلق الكتاب فقط حين أستعد للاستماع لإحداهن.

حاولت أن أُعرّفهن على دنيا الكتب. يرفضن بعنف دوما. "لا لا لا لا نريد أن نقرأ..نريد أن نتكلم..نتكلم ..أن نَسمع أصواتنا ..الأزواج (الأهل) لا يستمعون. لا يظنون أن لنا أصواتنا..سحقا للرجال" . " طيب..سحقا لهم"..ماذا بوسعي فعله يعني.  

ثم في فترة لاحقة حاولت تعريفهن على دنيا الأفلام. وما يستجد في شبابيك التذاكر العالمية. وكل ما أحصل عليه هو ضحكة ساخرة وتعليق من مثل "حياتنا دراما بذاتها"..وأحاول اقتناص الفرصة : "حسنا، ربما حان الوقت لوضع حلقة أخيرة لها." ويضحكن مؤيدات. دوما يؤيدن ضاحكات. هكذا أفهم أنهن لحالهن الأولى عائدات. وفي دراما حياتهن مستمرات. وأتساءل تُرى هل استمرأن التعاسه؟!..فأصمت، ليتحدثن.

***

"هو رجل طيب..لكني أكرهه"..ها قد بدأنا. كانت تحدثني..ربما تحدث نفسها. هناك شئ بداخلها يؤلمها. شئ مثل شوكة. حضّرتُ لها عصير ليمون بارد..مع وريقات نعناع. أفهم أن للنعناع رائحة منعشه..هي تبهجني، وأشعر دوما أن الجنة مليئة به. لكن..عصيرها لم تشربه. فقد صار طعمه مر. "حين تبكين في المرة القادمة ضعي كوب العصير جانبا..لقد تعبتُ في إعداده!!". وجدت نفسي مضطرة لتنبيهها، ليس من العدل أن تسكب في عصيري الحلو دموعها المُرّه!.  كان ابن عمها من تحب، من تذوب فيه عشقا. تذوب فيه مثل زبدة في زيت مغلي. ولكنه كان بعيد..لم يعرف بحبها، ولم تعرف إن أحبَّها هو يوما. ولأنه الأكبر فهو لأختها الكبرى، وهي لها ابن عمها الأصغر،الطيب الذي تكرهه، من عمها الآخر..لأنها الصغرى. احتجتُ أن أركز قليلا هنا..فقد أطلعتني على شجرة عائلية كثيفة الأفرع متداخلة ملتوية، مثل سجادة عجمية عتيقة!..وتذكرت أنني لم أحب يوما دروس النسيج في المدرسة. كنت فيها أموت،  كذبابة في بيت عنكبوت.

***

بعض صديقاتي العزيزات لم ألتقيهن بعد مرة التعارف الأول، والذي يكون قد حدث في منازلهن على إثر تقديمي العزاء في وفاة أحد أفراد عوائلهن. فهن ممن لا يتواجدن خارج عتبة الدار. أو.. هن ممن لا يتواجدن.  وقد اعتدت أن أخرج من كل مأتم "بصديقة" واحدة على أقل تقدير. أحرص على التواجد في المآتم. أجد في وجوه الناس أثناءها شئ فطري، وكم أحب الفطر، لأنه ينمو بعفويه.

***

مع تنامي دعوات إشراك النسوة في الحياة السياسية، خطر ببالي لو ينشغلن بالهمّ العام سيهون الخاص. جمعتهن على دفعات (في "عزومات" وليس تنظيمات). أقصد جمعت من تملك تصريح تلبية الدعوات ; فبعضهن لن يلبين سوى دعوة عزرائيل يوما مكرهات. وحرصت على انسجام كل مجموعة مع بعضها، فلسن كلهن يحببن التواجد مع كلهن. اقترحت عليهن العمل على وضع بيان مشترك نرفعه لذوي القرار نبين فيه إدراكنا لمعطيات العصر الحديث  وتقديرنا للقفزات النوعية لبلدنا الفتيّ في كل الميادين ونعلن عن رغبتنا و استعدادنا للإسهام  في خدمة الوطن بكل تجرّد ومسؤولية وعلى أعلى مستوى، و نقترح فيه ترشيح إحدانا لتولي مهام وزارية في أقرب تنظيم وزاري ممكن. واقترحت عليهن اسم إحداهن وهي من حاملات المؤهلات العليا وذوات الكفاءات وآنسة لن تشغلها هموم عائلة وعيال عن مهام المنصب. وما إن أكون قد أنهيت كلامي حتى أرى ردة الفعل ذاتها، في كل مجموعة. كلهن يشرقن ضاحكات. وأما صاحبة الترشيح فقد أوشكت أن تختنق من قوة القهقهات. قالت: " أقول لكِ مديري الجديد موظف صغير أنا قمت بتدريبه..وتقولين يجعلوني وزيره!!" وعاودت الضحك بدموع غزيرة حتى ما عدنا نعرف هل هي تضحك على الاقتراح السخيف أم تبكي على الترقية الضائعة.

حسنا،كانت محاوله. أردت فقط المساعدة!.

***

جميعنا ندرك أن هناك أشياء مستحيلة تماما. لكن بعضنا يظل يتساءل : لم هي مستحيلة تماما أساسا!!

***

"البواب قال إنهم مسافرون، رغم أني كنت  أسمع أصواتهم، كانوا يلعبون، أردت فقط رؤيتهم" وتجهش بالبكاء. تعلمتُ أن أتأكد من توفر كميات كافيه من المحارم الورقية بالجوار. فقد حصل أن إحداهن استنفذت العلبة الموجودة وراحت تمسح أنفها بالستار. قالت:" أخذوهم رغما عني، كنت نائمه، ما كنت لأسمح بذلك، والآن لم أعد أراهم. طريق المحاكم طويل، ولا أملك الصبر و المال .." هي يتيمة الأبوين، زوّجها أخوها لصديقه، طلقها وانتزع الأطفال. تراجيديا متكاملة العناصر.

***

صارت موسوسة. تدقق كثيرا في تفاصيل وجهها. وتتساءل بتوتر دائم " أنظري..هل ترين هذه الخطوط؟ هل هي تجاعيد؟ هل هي ظاهره كما أراها أنا ؟ أخبريني بصراحة..أرجوكِ" .. لم تتزوج بعد. جميلة متعلمة طيبة. عيبها: قيادة السيارة في منطقة لا تتحرك فيها البنات.     – " ماذا عليّ أن أفعل؟؟ إنني أكبر.أخبريني!!"..

- " استبدلي السيارة بدراجة هوائية..ستجدين عروضا وفيرة من أصحاب الرؤوس المتمايلات..وفي النهاية كله ظل".

***

استفت قلبك فهو يفتيك. استفت قلبك فهو يفتيك. استفت قلبك فهو يفتيك. وتظل القلوب حائرات، ففي الدنيا عناصر توحش كثيرة، تحت طبقات الإسمنت.

الارتقاء والتطور..يُذكَران دوما متلازمان. نقول: "نرتقي".. حين نصعد سُلّماً، لكن هل بالضرورة أن "نتطور" كلما ارتقينا درجة؟.

"لا، ليس بالضرورة". هذه إجابة زائدة. بعض الأسئلة من السخف أن تحظى بإجابات.

***

قالت " الله يسامحه" . عشرون عاما ظلت معه. صدرها عريض، حلمتا ثدييها دوما بارزه لمن ينتبه، تتوق لثغر طفل. لكنها عشرون عاما ظلت معه. كل التحاليل كانت ضده، إلا هي: ظلت معه، رغم تمرد الحلمتين.  ثم هكذا..فقط هكذا، جلب أخرى زوجة له..وأعادها لمنزل أمها. بلا أي شئ، تماما بلا أي شئ ، سوى قلب محترق، وحلمة نافرة.  قالت " الله يسعده". وماتت. فعلا ماتت. وكان اسمها "نورا".

لا تحظى الأخريات..بنهايات سريعة هكذا.

***

نون النسوة، مثل هاء ضمير الغائب في آخر السطر: دوما ساكنه.

***

استنفذتُ مخزوني من الشاي والقهوة والعصائر وخلطات الأعشاب المختلفة. كل شئ نفذ. حتى الكتب. كلها قرأتها. أحتاج أن أتسوق. ربما أفكر جادة في مشروع مقهى وأصير من التاجرات.

***

وربما..أغير رقم هاتفي وعنوان سكني..فكل شئ ينفذ.. إلا حكاياتهن، صديقاتي العزيزات، وسأمي.

***

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية