12/02/2006

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 

من المجموعة القصصية

موسم الهجرة إلى أي مكان

القاص المغربي محمد سعيد الريحاني

http://raihani.free.fr

http://www.raihani.cjb.net

 
 
 
 

حفل راقص

 " الكثير من الناس يضيعون نصيبهم من السعادة، ليس لأنهم لم يجدوها، ولكن لأنهم لم يتوقفوا للاستمتاع بها"

                                  ويليام فيذر

 

البوليس يطوق المكان حفاظا على الأمن العام.

باب قصر المهرجان الضخم أغلق وفتحت بويبة صغيرة في الجدار يقف شرطي في مدخلها: يتسلم التذكرة من يد الزائر، يقطعها إلى نصفين، يحتفظ بالنصف ويعيد للزائر النصف الثاني ثم يقتحم جسده تفتيشا وتلمسا ودلكا... حتى إذا لم تصادف يداه وخزا معدنيا تحت لباسه، دفعه بقوة إلى داخل البويبة ليتفرغ للزائر الموالي في الطابور الطويل المنتظر على يسار الشرطي لولوج الحفل الذي سيبدأ بعد ساعات...

داخل قصر المهرجان، الباعة أكثر من الجمهور. أغلب الباعة أطفال يبيعون الشاي أو القهوة الجاهزة والشطائر المحشوة بالبيض والبطاطس المقلية والليمونادة بثلاثة أضعاف ثمنها خارج السور. لكن الناس والباعة تتصايح وتتنادى وتتبادل المال والشطائر والشكر واللاشكر على واجب...

موسيقى أولية صاخبة اندفعت دون سابق إشعار من الأبواق الضخمة على المنصة حيث لازال التقنيون يرتبون الآلات الموسيقية وخيوط المايكروفونات ومصابيح الإنارة. لكز أحد الزوار صديقه لمصاحبته لحلبة الرقص لكنه لم يلق تجاوبا:

_لم تبدأ السهرة بعد. هذا مجرد شريط موسيقي شغل فقط لملء الفراغ ريثما تحل الجوقة الموسيقية ويكتمل التجهيز على المنصة وتمتلئ المدرجات والكراسي بالعدد المتوقع من الزوار...

اقتنع الآخر وجلس يوقع برجله على الأرض متوترا أو مستمعا بالأغاني الصاخبة التي تغرق ضجيج الأطفال وهم يجرون في الحلبة والممرات وصياح الباعة وهم يتسلقون المدرجات بسطول الليمونادة الدافئة وسلال الشطائر الباردة يتخطون الزوار الجالسين الذين أنفقوا ما كان لديهم على تذكرة الدخول وجلسوا ينتظرون العرض بصبر غير مشكوك فيه ...

على المنصة، اقتلع احد التقنيين المايكروفون لاختباره :

_" آلو!... آلو!... أيوا... أيوا!... واحد!...واحد!..."

أحد الجالسين ذكرته العبارات الشذرية للتقني بخطابات الساسة والحكام ومحترفي السياسة، فصاح مقلدا:

_" أيها الشعب الأبي!... أيها الشعب الأبي!... واحد!... واحد!... أيها الشعب الأبي!...  "

بعض مجالسيه من المخمورين استلقوا على ظهورهم من الضحك بينما أخفى الصحاة واليقظون وجوههم بين أكفهم خوفا من عنف محتمل هم في غنى عنه،  وهم يتهامسون:

_ الويل له! سيفسد لنا السهرة! حتما، سيفسدها...

بعضهم قام ليغادر المكان في اتجاه مكان آخر على مدرج آخر بينما  انتفض الباقون على إيقاع أول أغنية للجوق الذي وصل إلى المنصة للتو. 

فيضان الحركة يتماوج في كل المدرجات. الحلبة تتماوج بالراقصين الهائجين، الممرات حبلى بالراقصات الخجولات من العيون الناقدة، والمدرجات ملآى  بالعجائز والمعطوبين وضعاف البصر والأقزام الذين يحرسون مقاعد ذويهم من تطاول التائهين والقادمين الجدد وكل من استحال عليه الحصول على موطئ أست...

على الحلبة، الكل يرقص والكل يدور حول ذاته ويوقع إيقاعات تختلف عن إيقاعات الجوق وباقي الراقصين. النساء تراقصن النساء، والرجال يراقصون الرجال. النساء تعانقن النساء والرجال يعانقون الرجال والأطفال تائهون عند أقدام الجنسين معا...

أحدهم خرق قانون الرقص العمومي وتقدم للرقص مع فتاة قبلت مصاحبته للتو، تحت أنظار ساخطة تحاول إيجاد تصنيف ساقط للفتاة السهلة ولكنها تترفع عن تصنيف الفتى الذكر...

الفتاة والفتى يرقصان مستمتعين بالإيقاع واللقاء. الفتى يوقع برجليه ككل الرجال، والفتاة تعتصر ردفيها ككل النساء وتغني النص الكامل للأغنية التي لا يحفظ منها الفتى غير اللازمة التي ينتظرها بفارغ الصبر كي يلتحق بهاشاديا:

زيديني عشقا، زيديني

يا أحلى نوبات جنوني

زيديني...

فيندمج مع اللازمة حتى يخرج عن ميزان الرقص لكن  الفتاة تعيده إلى الميزان بمجرد لمسة وابتسامة على إيقاع سعيد وكلمة حلوة لمغن صار أحلى وهو ينادي عموم الراقصين:

_" لنرقص! فليس لنا غير هذه الليلة. لنرقص! فغدا سنمر أمام باب قصر المهرجان المقفلة وستقشعر جلودنا لتذكر هذه اللحظة السعيدة. لنعش سعادة ليلتنا هذه بعيون ومشاعر الغد … فلنرقص، ولنستمتع بالرقص !"    

 
 
 

****

 
 
 

طائر الربيع

" انظر إلى كل شيء كما  لو كنت تراه إما لأول مرة أو لآخر مرة. آنذاك ستصبح حياتك على الأرض مليئة بالسعادة".

بيتيه سميت

 

عندما يحل فصل الربيع، لا أطلب غير الشاي في سطيحة هذه المقهى، وأستمتع برؤية النادل يحمله لي في إبريق صغير يطل النعناع العطر من فمه. حتى إذا وضعه على المائدة قبالتي، رفع يده إلى الشجرة فوق رأسينا وأقتطع منها زهرا طريا وأغمسه لي في الإبريق وانصرف.

 

عندما يحل الصيف وتكبر الشمس وتقترب، تدب الحماسة في المتحفظين والحذرين وتشتعل الروح في الأحياء  وتنتفض الأجساد على جنبات البحار والأنهار والوديان. آنذاك،  أحب اللون الأصفر، لون الطاقة والحيوية والتجدد... وأشعر بالإنتشاء .

وعندما يحل الخريف وتتساقط أوراق الأشجار وبتلات الورود وتهب رياح التغيير وتنخفض السماء الرمادية بثقلها لتحاور الحقول والوديان، آنذاك، أحب اللون البني: لون التغيير...وأشعر بالتجدد .

 

وعندما يحل الشتاء وتتساقط الأمطار وترتوي الأرض وتمنح حرية التعبير لصغار الفلاحين فيتنبؤون بمحصول الزراعة ويقارنون الغلات الممكنة بالغلات الفائتة... أشعر معهم بالحرية.

 

وعندما يحل الربيع ثانية، يحل الجمال في كل مكان: النحل والورد والعصافير والخضرة والدفء وصغار الحشرات وكبار الحيوانات وضعاف النباتات...كل يعانق حبيبة أو تتودد لحبيب وتترجى ذرية .كل يلتحف بالخضرة ويتواصل بالأخضر. مع الربيع،  تضحى الحياة خضرة على خضرة...  وأشعر بالانبعاث، بالولادة من جديد.

 

الأرض تنبض بالتغريد والشدو. السماء تومض بالأجنحة الحية : الخطاطيف، رسل الحرية والتغيير، تحلق في كل مكان. لا يمكنك أبدا التكهن باتجاه طيرانها.إنها تنطلق ذات اليمين وذات الشمال، تسرع الإيقاع وتبطئ، تغير اتجاهها كما تريد، فرحة بالانبعاث...

 

الناس هنا يقدسون الخطاف ويحرمون صيده أو حتى طرده من سقوف بيوتهم. والنتيجة أن الخطاف يستمتع بالربيع حتى آخر ليلة. يحلق دون خوف. يطير دون قيود ويحط على الأشجار، على حبال الغسيل، على الأسلاك الكهربائية ويبصق على رؤوس المارة ورواد المقاهي،على السطيحة، تحته ويظل ينتظر منهم رد فعل ما من نوع ما. لكن الناس تكتفي بمسح رؤوسها بأكفها وتبتسم حين ترفع عيونها إلى الأعلى وتتأكد أن الأمر لا يعدو كونه بصق الخطاف، طائر الربيع.      

 
 
 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية