12/02/2006

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 

ثلاثة

الكاتبة الإماراتية فاطمة محمد الشحي

betrayal12@hotmail.com

 
 

(1)

حين يكون الخلاص في الوهم .. و يكون الفرار من أماكن .. و أشخـاص .. في الوهم  نتقدم إليه بلا وجل .. بلا خوف من نتائج أو عواقب ..ففي الوهم .. نعري أرواحنا من أي واقع يكون هو ما نعيشه .. و نرنو لآخر لا نعرفه .. و نجرد أيامنا من أسماءهم.. أماكنهم .. و تواريخهم ..

 فلا الذكريات هي الذكريات في الوهم .. بل هو عالم آخر .. عالم مختلف بإختلاف أثير.. قريب من عيني و قلبي معاً.. واقع يختلف عما نحن فيه ..

الآن ..

 اللحظة ..

 

(2)

جميلة هي .. قشعريرة الوهم التي تسري تحت أجفاننا .. كلما ألتم شملنا نحن الثلاثة .. بنفس مربع الأمتار القليلة الذي أحاطوه قسرا .. الذي منعوا عنه الحرية .. و منعوا رماله من الحركة إلا تحته..

فلا فوقه .. فوق رمال المربع الإسمنتي حقيقة سوى أحلامنا التي نبنيها يوميا حين نجتمع أنا و صديقاي .. أما أسفله .. فطالما تخيلنا أن هناك تختبأ أم الهيلان .. و ربما أبو السلاسل .. و لهذا أحاطوها..

  إنها الأساطير التي نقصها على بعضنا تتحرك ذهابا و إيابا في رأسي .. و تختمر التفاصيل الصغيرة التي لا ننسى ذكرها لبعضنا.. فنحن .. ليس لنا سوى بعضنا .. أنا و صديقاي أحمد و خالد .. دائما ما  نسعى لتأصيل الوهم في نفوسنا لدرجة أن نعيشه بما أوتينا من قوة و إخلاص و رغبـة ..

 

(3)

نفس الرغبة التي تنمو تحت أجفاننا .. بغد أفضل .. بيوم أجمل .. بواقع أصدق ..

الغد الذي نرنو إليه و صديقاي .. فحين نجتمع نحن الثلاثة .. و نبدأ بتفوه الهراء .. تلو الهراء .. و التحدث عن ذكريات لا تنتمي لذاكرتنا و نحن نعلم .. و نضحك على حوادث أبدا لم تقع و نحن نعلم ..

في إحدى المرات .. جاءنا خالد فرحا بشوشا .. قال:

-  سافرت ..الليلة الماضية سافرت .. رأيت بلادا لا نراها سوى في الأحلام .. رأيت أرضا خضراء شاسعة .. سافرت أنا و والدي فقط .. خصني وحدي بهذه الرحلة .. أنا و هو سافرنا فقط ... و لأول مرة ردد اسمي دونما أن يخطأ سبع مرات ..

خالد فرد من عائلة يبلغ عددها رقما لا يعرفه .. رقم يحتاج لأكثر من أصابع يديه و قدميه ليعرفه .. هو دائما ما يستخدم أصابع يداي أو يدا أحمد حين نسأله كم أخاً و أختاً لك.. حتى يمل و يضحك .. يضحك حتى تدمع عيناه ..

يُضحكنا خالد حين يضحك .. ربما لأننا لا نجد ما هو يُضحك و لكنه وحده يعرف ما المضحك في الأمر ..

و فقط نشاركه الضحك..

أما أحمد .. هو  الإبن الوحيد لسالم خلفان .. ثمرته من زاوج فاشل بصباح .. المصرية الفلاحة .. تلك الجميلة التي أتى بها من الصعيد منذ أعوام خلن .. قالت والدتي ذات عصر لجارتنا أنها سحرته لأجل ماله .. و تزوجته رغما عن زوجاته الأخريا

و أنا ثالثهم .. لا أملك من الدنيا سوى أم عجوز .. تحرسني بعينيها بعد أن ذهب والدي في رحلة و لم يعد.. تخاف علي من نسمة هواء قد تمر على وجهي فتجرحه .. أو كلمة (هجرهم ) أسمعها فأسقط في درك حزن وصلت هي إليه منذ زمن بعيد و لم تخرج منه بعد ..

 

(4)

تعودنا .. نحن الثلاثة في كل ظهيرة .. حين نشتاق لحرارة جلودنا لتعوضنا عن حرارة قلوبنا  .. أكثر من إحساس القهر و الغضب الذي يعشعش في شراييننا   ..تعودنا ..  و بعد أن ينصرف الجميع عن كواهلنا .. أن نجتمع في المربع الإسمنتي .. الذي تبلغ مساحته ربع بيتنا .. إنه يشبه كثيرا بقالة محيي الدين..الهندي العجوز الذي حفظنا قصص رحلاته بين الهند و الإمارات عن ظهر قلب...

و هناك .. تكون فرصتنا الوحيدة للكلام .. الفرصة الأخيرة لنا كي نتكلم بحرية و ننطلق .. دون حدود .. دونما أسوار تحد من انطلاقنا ..

و  نحلم ..

 نحلم كثيرا ..

 

(5)

أحمد .. يحدثنا دائما عن رؤياه كل ليلة .. كل ليلة لأحمد نفس الحلم .. نفس الحلم يتكرر.. إنه يرى نفسه يركض لاهثا و أصوات لا يتعرف عليها تلاحقه .. يظل يركض  و يركض حتى يتعثر مرة .. و مرة يستجمع أنفاسه و يستمر في ركضه .. حتى يتعثر أخيرا بجدران نفس المربع الإسمنتي .. فيحتمي به منهم .. و لا يقربه بعدها أحد ..

احمد يحب هذا المربع كثيرا .. و غالبا ما يكون آخر من يغادره كل مساء ..

أما خالد .. فكثيرا  ما يتحدث عن الطائرة التي يود أن يركبها .. و يقودها .. و يصلح محركاتها .. الطائرة التي ليست من حديد كما الطائرات التي يراها في إحتفالات الجيش .. خالد يقول أن طائرته مختلفة .. فطائرته لا تطير بالوقود .. و أجنحتها لا تجرح خدي السماء حين تطير .. يكفيها السحاب من تحتها يحملها .. خالد يضحكنا كثيرا .. حتى في أحلامه فهو مضحك .. مضحك كثيرا ..

و أنا .. يا ترى ما حلمي أنا؟؟

لم أعرف منذ أعوام غيره حلما .. غيره وهماً نسجته في أعماقي .. منذ أن تعرفنا على هذا المربع الإسمنتي و نحن واقعين في غرامه .. إنه جنتنا التي نهرب إليها  كلما اشتد علينا حر البشر .. إنه مخبأنا المكشوف على العالم .. و العالم الآخر الساكن بدواخلنا ..العالم الذي لم يكتشفه شخص سوانا بعد ..

 إنني لا أحلم إلا بليلة عارية في مربعي الإسمنتي و نجمة صغيرة تطل منها عين أمي فوق رأسي كي تحميني من أم الهيلان و ابو السلاسل  .. ليلة سعيدة .. و بعيدة عن واقعنا .. ليلة أخرى من الوهم .. بلا صوت بكاء أمي يستنكر و يشجب هجر والدي لنا .. بلا صوتها المتحشرج بلعنات على القدر الذي جمعها بوالدي .. و إستغفار حتى تبزغ الشمس ..

 

(6)

في ليلة صيفية..اجتمعنا نحن الثلاثة في مربعنا الإسمنتي..

قال أحمد : غداً هي ليلتي الأخيرة.. فقد سئمت حقا ما يجري

هتف خالد: خذني معك!!

فقلت: و ماذا عن طائرتك يا خالد؟؟  أحقا هذا الهرب سيجدي يا أحمد؟؟ ووالدتك؟ ليس لها غيرك و أنت تعلم؟

أحمد: لم يمنحني هذه الحياة غيرها..و لم يوقفني عن الحياة غيرها..

خالد: تعلم جيدا سبب هروبنا يا محمد.. فلا تسأل!

محمد: إن كان يجدي فإني أول الهاربين.. و لكني أعلم أنه لن يزيدني سوى ألماً .. و سيحرق ما تبقى في قلب والدتي.. يكفيها ما صنعه والدي بها..

خالد: آبائنا واحد يا محمد.. مثل ما صنع بوالدتك والدك .. آبائنا فعلوا

أحمد: أود لو أعلم لماذا.. أود أن أبتعد كما فعلوا  لأعرف ما هو السبب.. هل يعقل أن نكون نحن السبب؟

محمد: نحن كنا أو أمهاتنا.. سواء يا أحمد.. سواء

نهض خالد متثائبا: إن رحلت يا أحمد فأنا معك..

رفع أحمد بصره متأملا خالداً.. و على وجهه نصف ابتسامة

غادرنا خالد قافلاً إلى بيته.. أما أنا و أحمد فقضينا الليلة في صمت مؤلم

 

(7)

في الصباح.. لم أجد والدتي بقربي كعادتها .. نهضت من فراشي باحثا عنها .. سمعت صوت باب منزلنا فأسرعت لأرى ..

كانت والدتي تجرجر خطواتها بألم .. كانت تذرف دموعا مختلفة هذه المرة

- اطلب له الرحمة يا ولدي

- من هو ذا يا أمي

- محمد يا ولدي .. صديقك محمد

- اطلب له الرحمة.. هل فعلها و رحل؟

- رحل لربه .. وجدوه ...

قاطعتها

-     لا أود أن أعرف أماه .. كما لم اعرف لماذا هجرنا والدي ؟ ماذا فعلت له ليفعل بنا هذا ؟ كما لم أسأل كل تلك الأعوام .. لا أود أن أعرف كيف وجدوه ..

 

عند الباب كان يقف خالدا و عيناه مغرورقة بالدموع .. كان يردد

"كذب .. لم يأخذني معه .. كذب .. و ذهب وحده"

 

عانقته ...

و انكسرنا..

 كان ذلك آخر عهدنا بمربعنا الإسمنتي .. فلم نعد بعد ذلك اليوم ثلاثة ......

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية