|
بعض الرحلات عادية وسريعة لا تترك أثراً ، ورحلات أخرى
نعود منها وقد أصبحنا أشخاصاً مختلفين، ذلك لأن شيئاً
ما مس أرواحنا وخطف عقولنا. في سبتمبر 2005 رحلت إلى
مكان ترك في أثراً سيبقى طويلاً.
على ضفاف يحيرة وسط قرية سحرية تسمى (فالداي) وتقع في
إقليم نوفغرود الشهير في الشمال الروسي قضيت بضعة
ليالي. وسط الغابات الداكنة الخضرة وبالقرب من البحيرة
التي تصب فيها مياه الثلوج بعد أن تذوب صيفاً، وفي بيت
خشبي أقمتُ وحدي وكنت قريباً جداً من السماء. كان
الموسم هو موسم الليالي البيضاء وهي حين يمتد النهار
في الليل طويلاً.
في
هذا الموضع وذات قرون غابرة توقف الراهب (نيكون) وشعر
أنه بالقرب من الفردوس، ثم قال جملته الشهيرة ( الجنة
في السماء وعلى الأرض فالداي) وبدأ بتشييد أحد أقدم
أديرة العالم (دير إفرسكايا). من (فالداي) تنبع أنهار
روسيا السبعة العظيمة، أكبرها (الفولغا) الذي يشق
روسيا من الشمال هابطاً إلى البحر الأسود. وقد تعرض
الدير خلال القرن الماضي لإهمال الشيوعيين كما حدث
لمعظم الكنائس ودور العبادة، وبعد ذهابهم بدأت عمليات
الترميم ولم تنته بعد.
في
الصباح الباكر جلست في صمت أمام البحيرة، وبقيت طوال
النهار أتأمل أشجار البلوط وأسراب البط البري التي
تحلق فوق قمم الغابات. وقبيل المساء زرت الدير. وقفت
تحت القباب الشاهقة وشاهدت وجوه الملائكة المرسومة على
جدرانه المتآكلة تطل علي. شخصت بعيوني ذاهلاً مأخوذاَ
بالرهبة وبقيت هكذا طويلاً. بعدها أخرجت دفتري وحاولت
الكتابة. لم يكن هناك سوى الصمت. لم أجد الكلمات،
تلعثمت وارتجفت عندها ذهبت إلى زاوية الدير وأشعلت
بضعة شموع.
في
أماكن العبادة، مهما كان ديننا أو معتقدنا، تلف
أجسادنا طاقات وأدعية وصلوات وأسرار لمتعبدين وزهاد
ومتصوفة. حين ذهبوا بقيت أرواحهم تحرس العالم.
المتأملون والنساك هم فقط من يخبرنا عن تلك الأسرار.
وهذا الإخبار وصلنا فقط من خلال اللغة والكتب. ومن
اللغة يولد الشعر الذي هو أيضاً قنديل ينير مجاهل تلك
الأسرار لأنه يتصل بجدول مباشر متصل بالآبار الروحية
العميقة في داخلنا. عندما لم يستطع الشعر أن يضيئ لي
الطريق كان علي أن أشعل الشموع.
بعد الكتب السماوية المقدسة وكتب الأدعية، وصلتنا كتب
التأمل ووجدنا فيها الشعر. ولعله لهذا السبب كتب
الصوفيون الشعر، وخط الرهبان المسيحيون و الهندوس
والبوذيين مجلدات مليئة بشعر التأمل والميتافيزيقيا.
حين تحرك قطار الفجر يحملني بعيداً عن المكان، وقفت في
النافذة، وبينما كان القطار ينطلق كنت أشاهد أشجار
الحقول تعبر خاطفة أمامي. راقبت اللون الأزرق لما قبل
الشمس يولد ناحية الشرق، وتنفست بكل بعمق الهواء
البارد للغابات. تحسست قلبي فوجدته ينبض بكل هدوء، ثم
حدقت في داخل روحي فوجدتها نائمة بكل سكينة . |