01/11/2005

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 

الأصفر

الأرائك

عذراء نورانية

 
 
 
 
 

الحصانُ الخَشبيُّ

القاصة السعودية نوال الجبر

nawal_aljaber@hotmail.com

 
 

خلفَ زُجاج ِ النافذة ِ بَرَقت عيناها فرحاً حينما اتصلت روحاهما برؤية ِ بعض ،والتفاحة ُ بينَ كفِّها النحيلة ِ تتقافزُ بهجة ً تَغرسُها بين َ شفتين ِ عَبثت بهما حمرة ٌ قانية ٌ.

مَشَت بدلال ٍ مستبقية ً نبضًا يتعالى وعرقا ً يَتصببُّ .

هكذا ودعتهُ دائخاً بحلمِهِ.

لم تَكن تَهذي تلكَ الأفواهُ إلا بالجمال ِ المتأجج ِ مِن( غدي )

لكنَّ الفتنة َالمتعلقة ُ بها من جانبه ِ أتت متأخرة ً بعمر ٍ! تراجعَ للوراءِ كأنَّ وَقعَ ظِلالِها لا زالَ يَتسرب ُ مِن النافذةِ

عيناهُ مشدوهتان ِ لا يود ُّ أن يستغرقَ بإغماضة ٍ تسربُ الجنون َ الذي يتكررُّ

كلَّما عانقت نظراتُهُ اللاوجودَ! ..

 ***

بينَ الأزقة ِ يستديرُ ، اتجاهات حفظَها على ظهر ِ  نبض ٍ، حتى إنفجرَ الصمتُ بينَ بلبلةِ الباعةِ المتجولين .

سارَ لمتجر ٍ يعملُ بهِ يبدو في غاية ِالفخامةِ، الرّخامُ البرّاقُ يعكسُ أجسادَ المتجولينَ ويرسمُ وهجاً خفيفاً لأحذيتهم ، والديكوراتُ المعتّقة ُ

 تَنحني خلفها الإضاءاتُ  الخافتة ُ.

علب ٌ بيضاءُ وسوداءُ متراصة ٌ أسفل َ رف ٍ عريض ٍ، 

وأكياس ٌ رمادية ٌ مكدَّسة ٌ يلتف ُّ حولها شريط ٌ مِن الشيفون ِ الأبيض ِ.

وقف َ كعادتِه ِ خلف َ صندوق ِ المحاسبة ِ الأبيض ِ ونظر َ لصورتِه ِ المنعكسة ِ على الزجاج ِ  الشفّاف ِ

تبسَّم َ ببلاهة ٍ .. راقصَ بإصبعِه ِ خصلات ِ شعرِه ِ المنسدلة َ على جبينِه ِ الأبيض ِ ،

والأحذية ُ تتلاقى بتوافق ٍ غريب ٍ فوقَ الرفوفِ..

تستعرض ُ جمالها المتزامن ِ مع خطوط ِ الموضةِ .

لامست  كفَّ أنثى متجعدة ً بشيخوختِها والشريان ُ الأزرقُ يَضجُّ بوهن ِ دماءٍ تغني للعمرِ الراحل ِ.

ابتسمت لعبارةِ الترحيب ِ التي ألقاها دون َ أن يُلقي نظرة ً أخرى كأنَّهُ يتوجسُّ مِن عينيها الرماديتين المغمورتين ببياض ٍ ثائر ٍ يكادُ  يُلغي غمامة َ المطرِ الرمادية ِ التي تضجُّ داخلَ عينيها ..

حذاءٌ أسودٌ هذا ما أشارت إليهِ بالطلبِ بعدَ أن لهثت أنفاسَها واستنجدت بكرسي .

نثرت بعض َ النقودِ بينَ  يديهِ.

أدخل َ الحذاءَ الأسودَ داخلَ الكيس ِ الرمادي ولفَّ حولهُ الشيفونَ الأبيض َ وقدَّمها مبتسماً.

خرجت تَجرُّ قدميها وأنفاسَها ملامسة ً بكفِّها المجعدةِ كل َّ زجاج ِ المتجرِ ..

حتى تركت بلا مبالاة ٍ بصماتٍ شفافة ً تسوق ُ المدى معها كلما ابتعدت .

عكفَ على رسم ِ بعض ِ الشخصياتِ الكارتونية ِ بينما همست أخرى تحاولُ أن تشيرَ لوجودِها وتقطعَ هذا الانسجام..

لم يشعر بها تدخل ُ المتجرُ .. أبتسم بخجل ٍ ورافقها حيث أدارت ظهرَها

بامتعاض ٍ لم تجد ما ترغب  بهِِِِِ ِوخرجت دونَ أن تنظرَ إليه!

أعاد َ فرزَ حذاءٍ جديد ٍ ومتابعة َ بعضَ الفواتير ِ بعدَ أن أرتشف َ شايا ً ساخناً .. 

و الأصواتُ التي تصدرُ من معدتِهِ لم تتوقف ..

تعطرت السماءُ بزجاجة ِ عطر ٍ مغمورةٍ بمساءٍ كالح ٍ ، ترشقُ قطراتِها في كل ِّ اتجاه حتى تلاشت هوية ُ السماءِ بعدَ أن حملت أطراف َ ثوبها وفرت للبعيدِ ..

 

***

 

خلفَ  زجاج ِ الواجهةِ الشفافِ يرتعشُ ظلها المغناجُ ..

 قدمت تجلب ُ زخاتِ عطر ٍ وحياةٍ ينتشي بهما المكانُ ،تتوهجُ بملابسِها الفيروزيةِ متوردة َ الخدين..

قبعتُها المائلة ُ، كعبُها العالي  . . .

ترافقها خادمتُها الآسيوية ُ ، بنظراتٍ حادةٍ تنظرُ إليه وبغرور ٍ مفتعل ٍ

متبخترة ً تسيرُ بين َ زوايا المتجر ِ ..

تتلقفُ الحذاءَ فردة ً تلوَ الأخرى، وأظافرُ قدميها تغطيها زرقة ُ طلاءٍ مغمورة ً بلمعان ٍ كريستالي ..

وهو يَتَّبعُها بنظراتِه ..وأطرافهُ الخاملة ُ لا تتحركُ منسجمة ً مع هذا العشق المتوهج ِ

تمدُّ  ذراعَها البضَّة َ العارية َ، وضعت على الطاولة ِ أوراقا ً مالية ً . .

وانحنى على كفها بقبلة ٍ طويلة ٍ.. وضعَ بخجل ٍ حصانا ً من خشب ٍ خلفَ أذنيه ِ بعضَ خصلاتٍ سوداء داخلَ كيس ٍ مخملي صغير ٍ..

نظرت إليه بغرابة ٍ، ربما لم تود أن تُفسد هذا الاتصال الروحيَّ بينهما

حينها.

خرجت مزهوة ً سلبت كل َّ مشاكسات ِ التفكير ِعندَّهُ ،ضبابٌ يخترقُ وجودَها بعدما رحلت والنواقيس ُ تستنجدُ ببكاء ِصفعات ِ الزجاج ِ.

لم يتوقف نبضُهُ حينما لامسَ سريعاً قُفل َ الواجهة ِ الزجاجية ِ

دونَ أن تغفو الإضاءات ُ داخلهُ وركض َ خلفَ سرابِها يمتطي عاصفة ً مِن عشق ٍ

عندَ منعطفِ زقاق ٍ يفضي إلى شارع ٍ عريض ٍ ..توقفَ  وشرع َ بالالتفاتِ ناحية َ أثرِها

ولم يجد وجهة ً تقودُهُ بجانبها ..

قررَّ أن يجوبَ زقاقَ العودةِ حتى منزلها ..

عتمة ٌ تلف ُّ المتاجرَ وصمتٌ يحاكي الخرس َ.. وحدُها هلامياتُ الضوءِ التي إحتبست 

عدوى الإغفاءة ِ دونَ انطفاء ..

وضعت الخادمة ُ أكياس َ الأحذيةِ وخرجت ..

 

أزاحت قبعتَها البيضاءَ وسقطت على ظهرِها بفرح ٍ ابتهجت لها كل ُّ الأساريرِ ،والسرير ُ يلاقي فرحة َ قلبها كأنَّه يهوي بها ما بين سمائين.

توقفت اهتزازات السرير ِ وهي فارشة ذراعيها تنظرُ لكفِّها المقبوضة ِ حينما أرخت يدَها وجدت قطعة ً مِن مَخمل ٍ استوت في جلوسِها.. باهتمام ٍ تركت القطعة َعلى الكومودينة, وأشعلت شمعة ً بيضاءَ كبيرة ً مرصَّعة ً بلمعة ٍ متوهجة ٍ مع ضيائها ، أغلقت المصباح َ الإيطالي وصوت َ الموسيقى يلف ُّ بعضاً من حلم ٍ يغني لموتِهِ الأخيرِ!

أخرجت حصانًا خشبيًا يذرفُ صبغة ً عطرة ً كلما أشعلتهُ باحتكاك أظافرِها تفشى عطرٌ مراوغ ٌ يبقيه بالقرب ِ منها ..

 

وقف َ بالقرب ِ مِن نافذتِها وظلال ٌ من نور ٍ يتماهى كلما حاول َ أن يبحثَ عن وجودِها.

أطال َ الجلوس َ على حائط ٍ قديم ٍ مقابل ٍ لنافذتِها.

إنتعل َالملل َ وسارَ يجوبُ الأزقة َ واختفى خلفَ ستار ِ المطر ِ..

كرة ٌ زجاجية ٌ مغمورة ٌبالماءِ تدورُ داخلها الأزهارُ البنفسجية ُ ثبتَ على أطرافِها الحصانُ الخشبيُّ .

خلعت كعبَها وملابسَها وإرتدت ثوبَها الناعم َ الطويل َ ..تسير ويخط ُّ ظلها وراءها  ..

نظرت لرقص ِ المطر ِ دون َ أن يقفَ قريباً.. من كان يشعلُ فتيلَ العشق ِ داخلَ شمعةِ قلبِها..

سقط َ حصانُها الخشبيُّ في بؤرةِ الماءِ من دون ِأن تلحظ َ , والساعة ُ بعقاربِها تسافرُ في الإبقاءِ بلا توقفٍ ..

استسلمت لإغفاءاتِها المسترسلة ِ..

حينما بددَّت الشمعة ُ ما فيها من نار ٍعلى طرف ِ الستار ِ تسَّاقط ُ قطعاً نارية ً والمطرُ يجثو على ركبتي الشفقة ِ خلف َ زجاج ٍ النافذة ِ، مستبقياً رائحة َ موت ٍ رطبةٍ ..

 تتآكل ُ تلكَ القطع ُمع َ كل ِّ سلك ٍ قطني يُجيزُ عبورُها لأماكنَ متفرقةٍ في غرفتِها ، قبلَ أن تلامس َ جسد َ الطهر ِالنائم ِ!

بينما هي غائبة ٌ تفترش ُ الحب َّعلى بساط ٍ قديم ٍ حينما تحوّل كل ُّ شيءٍ داخلَ روحِها إلى سواد ٍ قاتم ٍ..

ما تبقى من موتِها حصانٌ خشبيٌّ محاط ٌ بأزهار ٍ مبللة ٍ كلما أثارَ فتيلة ً بأظافرِهِ المتسخة ِ..

بث َّ رائحة َالموت ِ داخله ..

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية