|
..
هذا هو الإسكافي . يخفي خلف طبقة جلد وجهه الرقيقة وجه
الشيطان المحترق المطرود،و بكفيه الطفلين – ضنَّ
عليهما الرفو بقسوته – ينتظر قبض الأرواح المحصنة من
الغواية في الكرنفالات حيث يدخل هو خفيفاً كشمسٍ تحرق
نفسها و تتغذى على موتها .
يجلس مقرفصاً عند البحر على جبل من المحار، كأنه ضارب
ودع ، في نفس المكان الذي قذفت به إليه يدٌ ملولة من
سفينة ثملة ، في مهدٍ ممزق و دموع باتساع الدنيا .
على يمين جبل المحار جبل نعال و على يساره جبل نعال ..
هؤلاء من ينسون نعالهم ، العابرون ، الذين لا يتذكرون
ما نسيوه إلا في مكان آخر بعيد تكون عنده العودة
مستحيلة . يحفظها لهم و ينتظر يوماً يقابلهم فيه على
أسِّـرة موتهم ليذكرهم بما تركوا و ليطلعهم على وجهه
الحقيقي النقي .. مرآته الأكثر سواداً في هذا العالم
الغريب المتلاطم .
حكى
لنا عن أشد لحظات حياته يأساً ، حين ذهب رجال المدينة
و أطفالها جميعاً للحرب وعادوا بسيقان مبتورة ، فلم
يعد يملك إلا الجلوس وسط النساء في باحات الدور– لم
يكُنَّ ذا نفع له ، كُنَّ جميعاً حفاة ، و بالمثل لم
يكن هو يمثل لهن أكثر من بئر حكاياتٍ شاذة – و لم تعد
إليه مكانته إلا مع النسل الجديد الذي انتظره طويلاً
قبل أن تصير النعال بالنسبة له حاجةً هامة . لم يكن
يتحرك كثيراً من مكمنه في صخب الوحوش البحرية و غموض
المصائر التي يصادفها الماء بسحره المُعادي .. و لكنه
،في تنقلاته القليلة الضرورية ، كان يرفرف خفيفاً بين
البيوت الواطئة و فوق رؤوس السكان بسنتميترات قليلة .
كان نعلاه غريبين . صُنعا من طبقة هشة
بلون جلده ، و على جانبي كل منهما انتصب جناحان صغيران
بألوان متنافرة كجناحي الفراشة يتحركان طوال الوقت
بشكل مروحي مدوم . لم يتعرضا أبداً – على رقتهما –
للتلف ، و عندما نسأله عن السر كان يقول : كل واحد في
هذا العالم يولد مرتدياً حذاءه ، و الجميع يفرِّطون في
أحذيتهم لأنهم لا يعرفون بوجودها أصلاً ..
و
لكنني دربتهما على طاعتي فلم أكن أبداً بحاجة
لتغييرهما بزوج من النعال الفانية ، و بمرور الوقت
نبتت تلك الأجنحة التي تمكنني من التحليق عمودياً
بامتداد قامتي دون أن أحتاج للحركة الأفقية كما يفعل
الطير .
 عاش
طويلاً و لم تعرف الشيخوخة طريقاً إليه . لم تكن حياته
تنتظر طعنة مفاجئة تبدلها بحياة أخرى ، و كان يقول إن
لا أحد يموت غريباً عن أرضه إلا إذا قرر هو ذلك ، و
أنه لم يتخذ بعد قراره بالموت في بلدتنا الغريبة التي
لا يعني لها البحر أكثر من الذهاب لرتق النعال على
شاطئه .. و لكن البعض يقولون إنه مات بالفعل منذ سنين
عديدة حيث شارك في الحرب المشؤومة ، و أن نعليه عادا
وحدهما محلقين و الدماء تـنز من مكان بترهما عند نهاية
الساقين ، ثم رقدا بسلام في مهده القديم الذي طالما
احتفظ به تحت جبل المحار .. و أن من نقابله كل يوم ليس
سوى محض خدعة صنعها خيالنا ، أما جبلا النعال فيخصان
تلك النعال التي أوكل إليه برتقها و لم يسعفه الوقت
فبقيت كما هي .. تاركة ملايين الحفاة الغرباء ينتظرون
في أشتات العالم القاسي نظرة اهتمام واحدة من شبح
الإسكافي الميت ... |