01/11/2005

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 

الإسكافي ذو النعلين المجنحين

القاص والروائي المصري طارق إمام

tarek_emam_74@hotmail.com

 
 

.. هذا هو الإسكافي . يخفي خلف طبقة جلد وجهه الرقيقة وجه الشيطان المحترق المطرود،و بكفيه الطفلين – ضنَّ عليهما الرفو بقسوته – ينتظر قبض الأرواح المحصنة من الغواية في الكرنفالات حيث يدخل هو خفيفاً كشمسٍ تحرق نفسها و تتغذى على موتها .

يجلس مقرفصاً عند البحر على جبل من المحار، كأنه ضارب ودع ، في نفس المكان الذي قذفت به إليه يدٌ ملولة من سفينة ثملة ، في مهدٍ ممزق و دموع باتساع الدنيا . 

على يمين جبل المحار جبل نعال و على يساره جبل نعال .. هؤلاء من ينسون نعالهم ، العابرون ، الذين لا يتذكرون ما نسيوه إلا في مكان آخر بعيد تكون عنده العودة مستحيلة . يحفظها لهم و ينتظر يوماً يقابلهم فيه على أسِّـرة موتهم ليذكرهم بما تركوا و ليطلعهم على وجهه الحقيقي النقي .. مرآته الأكثر سواداً في هذا العالم الغريب المتلاطم .

Text Box: - 1 -
حكى لنا عن أشد لحظات حياته يأساً ، حين ذهب رجال المدينة و أطفالها جميعاً للحرب وعادوا بسيقان مبتورة ، فلم يعد يملك إلا الجلوس وسط النساء في باحات الدور– لم يكُنَّ ذا نفع له ، كُنَّ جميعاً حفاة ، و بالمثل لم يكن هو يمثل لهن أكثر من بئر حكاياتٍ شاذة – و لم تعد إليه مكانته إلا مع النسل الجديد الذي انتظره طويلاً قبل أن تصير النعال بالنسبة له حاجةً هامة .   لم يكن يتحرك كثيراً من مكمنه في صخب الوحوش البحرية و غموض المصائر التي يصادفها الماء بسحره المُعادي .. و لكنه ،في تنقلاته القليلة الضرورية ، كان يرفرف خفيفاً بين البيوت الواطئة و فوق رؤوس السكان بسنتميترات قليلة .

كان نعلاه غريبين . صُنعا من طبقة هشة بلون جلده ، و على جانبي كل منهما انتصب جناحان صغيران بألوان متنافرة كجناحي الفراشة يتحركان طوال الوقت بشكل مروحي مدوم . لم يتعرضا أبداً – على رقتهما – للتلف ، و عندما نسأله عن السر كان يقول : كل واحد في هذا العالم يولد مرتدياً حذاءه ، و الجميع يفرِّطون في أحذيتهم لأنهم لا يعرفون بوجودها أصلاً ..     و لكنني دربتهما على طاعتي فلم أكن أبداً بحاجة لتغييرهما بزوج من النعال الفانية ، و بمرور الوقت نبتت تلك الأجنحة التي تمكنني من التحليق عمودياً بامتداد قامتي دون أن أحتاج للحركة الأفقية كما يفعل الطير .

Text Box: - 2 -
عاش طويلاً و لم تعرف الشيخوخة طريقاً إليه . لم تكن حياته تنتظر طعنة مفاجئة تبدلها بحياة أخرى ، و كان يقول إن لا أحد يموت غريباً عن أرضه إلا  إذا قرر هو ذلك ، و أنه لم يتخذ بعد قراره بالموت في بلدتنا الغريبة التي لا يعني لها البحر أكثر من الذهاب لرتق النعال على شاطئه .. و لكن البعض يقولون إنه مات بالفعل منذ سنين عديدة حيث شارك في الحرب المشؤومة ، و أن نعليه عادا وحدهما محلقين و الدماء تـنز من مكان بترهما عند نهاية الساقين ، ثم رقدا بسلام في مهده القديم الذي طالما احتفظ به تحت جبل المحار .. و أن من نقابله كل يوم ليس سوى محض خدعة صنعها خيالنا ، أما جبلا النعال فيخصان تلك النعال التي أوكل إليه برتقها و لم يسعفه الوقت فبقيت كما هي .. تاركة ملايين الحفاة الغرباء ينتظرون في أشتات العالم القاسي نظرة اهتمام واحدة من شبح الإسكافي الميت ...

 

__________________________

 
 

 

هو :

 

-  طارق إمام

- مواليد 12/8/1977

-  قاص و روائي من مصر

-  ينشر قصصه من مطلع التسعينيات .

-  صدر له :

1- طيور جديدة لم بفسدها الهواء .قصص . دار شرقيات . القاهرة. 1995.

2- شارع آخر لكائن . قصص . الهيئة العامة لقصور الثقافة . القاهرة . 1997 .

3- ملك البحار الخمسة . قصص للأطفال . كتاب قطر الندى . القاهرة . 2000.

4- شريعة القطة .رواية . دار ميريت .القاهرة . 2003 .

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية