|
"أنت لا تعرف متى قد تبتدئ الأمور في التحرك لصالحك.
فقط عليك أن تحرص على بقائك دوما متحفزا". كان يردد
ذلك باستمرار. ليحمل نفسه على النهوض من الفراش صباحا.
ليحمل نفسه على البدء بيوم جديد. ليحمل نفسه على
الإيمان بأن كل يوم هو يوم جديد. ليحمل نفسه على
الإيمان.
يجب أن يتمسك بكل العادات الحياتية، كل العادات التي
تشي بأن كائن ما لازال على قيد الحياة. يجهز قهوته في
الصباح. يجعلها مرّه للغاية، حتى يستشعر طعم لها. "
احرص دوما على الإبقاء على نكهة الاختلاف في حياتك.
الاختلاف هو ما يحدد معالم الحياة. من دونه تصير بلا
ملامح..وتصير أنت كائن ممسوخ. فلتُبقِ على أشيائك
مختلفة". هذه حكمته النهارية المتكررة. هو رجل حكيم،
لطالما أيقن ذلك. لكن لا يبدو أن أحدا يأبه للحكمة
كثيرا. لكن: "احرص على فكرك متوثبا..لا تتركه يسترخي،
سينام، وربما لن تتمكن من إيقاظه أبدا. الأشياء حين
تستمرء الخمول، تموت". هذا ما يدركه تماما. كان يوشك
أن يموت. لكن لا. سيبقى متيقظا..هناك أشياء كثيرة يود
القيام بها..فهو لم يعش بعد. ليس بعد.
يقرأ كثيرا، يعاين الجرائد ، يقرأ كل أخبارها السياسية
والاجتماعية والثقافية..بالطبع لا بد أن يظل متابع,
فهو فرد موجود. لابد أن يظل مهتما...لكأن احد يهتم
لاهتمامه..لكن: "لا بأس..الفرد المثقف الواعي هو من
يتمكن من لعب دوره في الحياة بشكل أو بآخر. حتى لو كان
فقط على شكل متابع". يااه كم يوجعه مغص في معدته كلما
توصل لهذه القناعة. القناعة..كم يكرهها. لا يمتلك الآن
إلا التمسك بها.
طبيعي..فهو كائن يحاول ألا يموت.
"نائله" كم أحبها. كانت شئ رائق. فتاة ليست تتوفر
باستمرار. ولا يلتقيها الإنسان كثيرا في الحياة.
وغالبا تمر الحياة دون أن يلتقيها احد. يعلم كم كان
محظوظا حين التقاها. هي مثل رائحة مطر يهطل للمرة
الأولى على تراب ناشف. بل هي شئ مثل رائحة الجنة.
خرافي..ولا يصدق. ولكنها كانت حقيقة. ولم تطلب الكثير.
فقط قلبه. بالطبع قلبه لها. لكن قبل ذلك عليه تأمين
سقف يأويهما..وعليه تأمين عمل ليبدو إنسانا له كينونة
محترمة. هي ليست من الشارع. لديها مسكن جميل..وأهل
حريصين. لا يمكن أن يخضعها لهكذا امتهان. وعدها أنه لن
يتأخر. ثم رآها المسكينة تشيخ وهي تنتظر. فأرسل من
يخبرها بوفاته. ما كانت لتقنع بالتخلي عنه بأقل من
ذلك. صار لزاما عليه أن يختفي..حتى لا تنكشف كذبته.
وتمنى ساعتها لو لم تكن كذبه.
لكن : "لا يمكن أن تستغل وفاء الآخرين لك..يجب أن
توازيهم وفاءا..وأكثر". وتمنى أن تكون بأسعد حال. لا
بأس سيجد غيرها. هي ليست نهاية العالم. لاشئ يمكن أن
ينهي العالم قبل قيامته. لكن أليست لكل فرد قيامته
الخاصة؟. ألا يموت أحدنا حين تتسرب من بين أصابعه كل
أسباب الحياة؟ .. " لا، غير صحيح، هناك قيامة واحده
فقط..ولم تقم بعد. " فالسماء لا تزال فوق رأسه، والأرض
لا تزال ثابتة تحت قدميه. وفوق كل هذا هو لا زال
يتنفس. ما يعني أن هناك فرص أخرى. ثم هو لم يكن قد عاش
بعد. لا يمكن أن تقوم قيامه قبل أن تقوم حياة . هذه
معادلة منطقية تماما. "بلا شك".
حين يتهيئ الظرف سيلتقي حتما إحداهن..ربما قد يعود
إليها هي. ربما..ربما أشياء كثيرة. "لا تعلم متى يمكن
أن تنقلب الأشياء لصالحك. فقط ابق متحفزا، محتفظا
بتيقظ فكرك، عبير روحك، وإشراقتك. لن تود إحداهن
الالتفات لشخص منكوش".
مظاريف صفراء تحوي شهاداته ونماذج من كتاباته.هي عمله
اليومي. يجمعها، ينسخها، يغلفها، يغلق المظاريف
ويعنونها إلى كل الجهات المعلومة..ويرسلها. وكثيرا ما
كان يأخذها بنفسه. رغم أن ذلك ما كان ليغير شئ. لكن,
هي المحاولات الأقصى على أية حال. وفي كل مره
يعود..يتحسس معدته. فمغصها يشتد. تذكر مرة دريد لحام
في فيلم التقرير وهو ينتهي مسحوقا تحت الأقدام وحوله
تتطاير أكوام أوراق ظنها دوما مهمة.. لكن: " هذا
تفكير سلبي، الإنسان الايجابي لا يستسلم لهواجسه.ثم هو
لا يتأثر بالأفلام. هو ليس ربة بيت فارغة الذهن تتفاعل
مع الأفلام بسذاجة مثل الأطفال. هو شخص ناضج
تماما..ناضج جدا" . ربما أكثر مما يجب. كان لابد من
فنجان قهوة مره.
ما يزيد الأمر سوءا هو شفاه الناس. حين يمصمصونها
ويلوونها يمنة ويسره في إشارة إلى خيبتهم فيه. كثيرا
ما تخيل الناس بلا شفاه .."كم ستكون الحياة أسهل". ثم
تخيل الحياة بلا ناس "كم ستكون الحياة أسهل وأسهل، لن
تضطر حينها لتثبت شيئا لأحد، لتثبت أنك تستحق وجودك،
وأنك مرئي، فلن يكون غيرك، وحتما ستظل أنت تراك".
هو شخصيا ما كان ليهتم كثيرا بالدخول في بوتقة
الاحترام المجتمعية لولا هذه المصمصة والهمهمة
وتلويحات الرؤوس في دلالات مختلفة لا تصب أي منها في
صالحه.وما كانت بعض الرؤوس لتعنيه وحتى بعض الشفاه
لتهمه. لولا بعضها مما عرف كيف يغرز سهاما فيه،
أكثرها لأمه وأبيه. يحاول أن يظل محتفظا بمشاعر ودية
حميمة تجاههما. لكنهما لا يساعدانه كثيرا. ربما لا
يساعدانه أبدا. "كم من نبي محارب في أهله" يردد ليُبقي
على شعرة معاوية.
المؤلم أن تصبح ثقيلا جدا، فلا يحتملك أحد. هو حتما لم
يتعمد ذلك. يعلم أنه لم يتعمد ذلك. لكن لا يبدو أن
أحدا مقتنع ببراءته من تهمة إهمال الحياة له. يحمل
طاقات ومواهب. جرب أشياء مثل المشاريع الصغيرة. لكن
الجيب ضيق. وسحقا لأوراق نقدية لا تستقيم دونها حياة.
ما على المعدم أن يفعل؟. "مكانه تحت التراب". "بأمر
من؟!". "بأمر من؟". ويحصل أن يظل متيقظا حين تداهمه
هكذا أسئلة عدائيه. ويوشك أن يبدو العالم كله عدو
مهول، لا يأبه به. فلا هو يدوس عليه ويسحقه، ولا هو
يتخلى عن عدائه له. " الحكيم لا يعادي مخلوقات أضخم
منه. فلتجعله صديق. لتجعل العالم لك صديق. تستطيع
ذلك"، يردد قبل أن يسلم رأسه إلى مخدة منهكة. ويرسم
على شفتيه ابتسامه..منقذه.
في الصباح يمشط شعره جيدا.يشذب ذقنه وشاربيه. يحتفظ
بهما أنيقين. حرص دوما على ذلك. " عليك أن تجبر
الآخرين على احترامك. لا يمكنك أن تبدو كما تشعر، حين
تشعر أنك مقفر. فلن يكون وجودك سهل. سينغصون عليك
الحياة تماما". كيف يخلق الآخرون جحيمنا، ونعيمنا؟ كيف
صار ذلك.؟ متى سمحنا لهم بذلك؟. لا ليس وقت تساؤلات
تجعل من القلب وعاء فحم. فهذا صباح. وعليه أن يبدو
وسيما. عليه أن يتمكن من جر قدميه في طريق تئن، تئن
كلما خطى عليها. أوشك أن يعتذر للأرض، على وجوده.
"لا تجعل شئ يقرض روحك. لا تجعل شئ يقرض روحك. لا تجعل
شئ يقرض روحك"، يردد بهمة محارب. "الحياة مناطحه"، قال
صديق مره. يتذكر أقوال الأصدقاء. لم يعد الكثير منهم
حوله. في الحقيقة هو من نأى عن الكل. فلم يرد لشئ أن
يقرض روحه. كان عليه العناية بها بشكل مستمر، روحه
الهشة. فكل شئ حولها قابل للتشكل على هيئة: شوكه،
سكين، شظايا زجاج جارحه، وقوارض.
"..قاوم بؤس الأشياء فيك"، منظومات شعرية لا بد منها.
فالطريق مألوف حد الموت. "فلتقاوم بؤس الأشياء
فيك"..لازال في الدرب متسع، والعمر مخلوق فضائي، لم
يعد يتعرف عليه. ربما حانت قيامه. ربما كانت قيامه منذ
زمن. كيف يمكن أن يعرف. " لكل شئ مفهوم مباشر ندركه في
أوقات معينه، ومفهوم آخر ندركه لاحقا. لاحقا، حين تصبح
راية بيضاء قرار شجاع."
يندهش كيف يصبح كل شئ مثل وعاء فارغ. والغريب انه لا
يستنكر الأمر. منذ متى بدأت الأشياء تبدو متشابهه؟!.
ومنذ متى لم يعد يأبه لكل هذا التشابه؟!.يسحب نفسا آخر
من أرجيلته. ويحتسي فناجين قهوة أكثر. يمسح على رأس
أملس. يحاول أن يتذكر. أين الحدود الفاصلة بين كل صبح
وآخر، كيف تماهت هكذا؟، ثم منذ متى فقد إدراك ذلك؟. "
للرحمة طبقات هائلة، لا تدركها إلا حين تركن إلى
زاوية"، يدوّن في أوراق أمامه. يذكر أنه ابتدأ حكيما.
عليه أن ينتهي كذلك. يستطيع فعل ذلك على الأقل. هذا ما
يحرص على تذكره وهو يكتب سيرة حياته. حياته؟ ..أكانت
له واحده؟.
يمدد قدميه، يشعر بخدر فيهما. هناك شئ ثقيل يخرج
منهما. ما كل هذا؟!..يرتفع البرد لأعلاه، ترتعش
أطرافه، آه, إنها الهشة تخرج. يدوّن على عجل: نعم،
كانت له واحده.
يهوي أرضا..تتساقط أوراقه حوله..تدوسها أقدام المارة..
ويموت..
تماما كما في الأفلام |