01/10/2005

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 

هروب الكرز

الكاتبة والقاصة البحرينية هناء مرهون

hana_marhoon@hotmail.com

 
 

الوقت يمر والكرز في حالة من النفور، العلامات الرملية كلها تُشير إلى إحباط شديد، ورائحة البرتقال تصيبني بالتقيؤ والخيانات، غياب العسل عن الأحجار يُفّجر في الأفـواه لغةً من الجفاف مستحيلة، لا يُشّرفُني أبداً أن أهجر تلك الزاوية القديمة، فالوجه الذي كان يضحك هناك يسحب من الخيوط السوداء الممتدة من عينيّ ملامحهُ.

يقولون إنها المقبرة... وزيارة الموتى تطيل العمر، المقبرة شيءٌ جميل أحتفي به لوحدي، أحب الموتى أكثر من الأحياء.

لأنهم لا يحتاجون للنفاق مثلما يفعل الأحياء من جنسي.

أشعر أن القبور تحبني، فهي تتشبث بأطراف عباءتي كلما مررت وحاولت تجاوز أحد القبور متجاهلة الآخر.

يُضحكني الوضع أحياناً، فالهاربون من الموت مشتاقون له أصلاً، حتى قطة جارتنا التي يعرفها كل من يمتلك نقصاً في عقله !

جارتنا تُرّوج في المدينة ألغازها وبصيرتها وأحياناً توقعاتها فهي تُدجّج في عقول الآخرين أوهامها بكلِ قناعة، وتُقّصر في الأعمار وتُطيل وكأنها مُطلعةً على اللوح المحفوظ، غريبة!

لا أدري فعلاً لماذا أكتب رسائلي في المقبرة ؟

وأظنُ أن جدي سيسمعها مني، جدي العزيز، ذلك الرجل الذي كنتُ أشاغبهُ كثيراً في صغري، رجلٌ لا أذكر اسمه لأني كنت أناديه جدي فقط.

يقول خالي أنه سيصنع له شاهداً علي قبره ويحفر عليه اسمه، أنتظر هذا الشاهد بوهجٍ مشتعل لا لشيء... فقط لأتعرف علي اسم جدي الحقيقي، ربما لأنه لم يُنشر اسمه في الجريدة ولم اقرأه في نشرة المتوفين، وللآن لم أبحث في دليل الهاتف عنه، وحتى لو بحثت لا أعتقد أني سأجده في مكانه اللائق ومنزلته الكريمة، ربما يعرف وجهه كل إنسان، فقط لأنه إنسان كريم كان يدفع حبات الكرز في فمي ويلّونه بالأحمر فيتقاطر ماؤه على قميصي ويلّوث أطراف أصابعي، كان فمي يضيق به كثيراً لكني الآن وكما تقول أمي تغيرتُ وتوسع فمي من الثرثرة الزائدة، فأنا أثرثر حتى في منامي وأكتب الرسائل والقصص في غفلتي وانتباهي، ربما كان إرثي من جدي هو قطع الشكولاته المحشوة بالثرثرة.

لم يترك لي جدي شيئاً آخر غير ابتسامته المتطايرة في الريح، تلتصق بوجهي وأنا عند قبره ألهو بسمرته البهيّة التي أصبحت مأهولة للشمس والناظرين.

هناك من يُشيّع، وقفت أتقصى، دخلوا وخرجوا بعد أن أدخلوه إلى القبر وبعد أن فتح القبر ذراعيه له، أسرّوا له ببعض الأحاديث ومضوا... لا أدري لكن هناك شيءٌ يدفعني للخروج فقد جاء ضيف ليخرجَ ضيفاً آخر و يُحكم إغلاق الباب من خلفه.

 

 

 

• هناء مرهون.
• من مواليد البحرين 1982
.
• طالبة جامعية / جامعة البحرين قسم إعلام وعلاقات عامة
.

• تكتب القصة القصيرة . صدر لها " هروب الكرز " عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر-بيروت 2003م.

• حائز على جائزة أفضل إخراج عن فيلم روى اللحظات الأخيرة ضمن مسابقة أفلام الفيديو القصيرة، جامعة البحرين 2002م.

 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية