|
كنت قد تكلمت معه مرارا
فتح علبة السجائر , فهي ملوثة بالدخان قبل أن يعكر صفو
المكان , رجل بارد .. يلتهم موج الماء من الكوب دون
عناية , يعصر آخر قطره في ريق عطشه الريفي , لا أظن
بأنه سيطلقني .. أمه عاشت وماتت وهي مهددة معذبة في
بيت مليء بالرجال والخمر
لا يمكن أن أكرر الجلوس على هذا الكرسي بعد الآن , أو
النوم في سريره الأبيض الذي يشتهيه أكثر مني
مللت وجهه وصحيفته كل صباح وهدنته المزعومة مع مرض
السعال
جاوز الـ 53 سنة
تكفي السنوات التي مرت وأنا معه , حفظت كل الشتائم ,
وتعرفت على كل أنواع الضرب من المبرح إلى الذي ينتقل
إلى المستشفى بعناية الله
" طلقني ..
"
أرجوك أمنحني فرصة أخيرة قبل وفاتي أتعرف عليه على
الرجال الحقيقيين خارج هذا المنزل
تزوجتك وأنا في الخامسة عشرة من عمري .. ولا أولاد
لدينا ..
تستطيع أن تكسر البرواز الذي يجمعنا منذ 30 سنة
أرجوك
أريد أن أغيرك بعد اليوم كما أغير فستاني |
|
يا القواد يا ابن الكلب ..
كان يشتمه بعناية فائقة دون أن يترك في أزقة نفسه أي
هراء مستحيل إلا وينطق به , ملعون حيث جاء , كانت
الحسنات تـهرب من دفاتر دخوله للجنة , هو الذكر
المستحيل في إعادة ثوابتنا مع الصراط كما الجدة التي
تقبع طوال النهار تسبح في الحمد والعافية والغفران
بينما الخادمة تنظف حوش البيت العتيق مرارا كل يوم
وتقابل صديقها ليلا حيث هي في غمدت الزهو تحلم في الجد
الذي رحل وترك المكان لذكر الله فقط .
الآن بالذات قد انتهى حين أشعل سيجارة اللف دخنها في
عجالة ليركب سيارته الأمريكية ويغادر عفن المكان الذي
سوده صوته الرخو القابع في خرائب اللغة , أما هو فعاد
إلى وجهه مستقرا فكل السنوات التي عاش فيها في المدينة
تتجاوز عمره رغم ذلك بقى صامتا فهو يتوكل على الله
وعلى أوراق إقامته منذ 35 سنة , وعائلته التي كبرت
وولده الوحيد الذي يعمل طبيبا في بومباي .
كان قد غسل صحن الرز ونظف المكان بعناية ليعود لسريرة
منتهيا من نصف يوم من العمل والشتائم والغربة , دس في
رأسه الجلف كل الأدعية وراح يحلم بأولاده ومدينته
بفزاعة , أي بساطة يمكن أن تستقل عربتها في هذا الطريق
الممتد في النواحي المهملة في النفس البشرية حين تغترب
تشعر للحظة بأنك مهزوم ومتخاذل في فهم الحقيقة وفي
الغربة تقف التوسلات طويلا في المرحاب لتنجو لو مرة
واحدة من ويلات الأيام .
الباب يقرع بشدة لا أحد فعلها منذ 35 سنة , الحوائط
الودودة التي تستقر في غبارها شعرت برعشة القادم بينما
هو منغمر في النوم , صوت الباب يتصاعد بخشونة أكثر مع
بعض الصراخ , بينما هو مستقر في مكانه بعينيين تشبهان
الشيب والوهم ومغلقتان بصعوبة .
عرفوا بعدها بأنه مات
اجتمع عليه بعض الرجال ليصلوا على جثمانه , بينما أحد
أصدقائه قام بالاتصال لعائلته في بومباي يبلغهم بموته
وبأنه سيواري قبره اليوم هنا في الغربة .
رفض ابنه الكبير دفنه بعيدا عن مقبرة العائلة , بينما
الرجال هنا ينتظرون دفنه بعد حصولهم على أذن من
المستشفى والبلدية إلا إن رفض الابن والعائلة بدفنه
بعيدا أشتد , ليقرر الابن بعدها الحضور لاستلام جثة
والده , لتبقى الجثة في الثلاجة في حفلها البارد .
مرت ثلاثة أيام ولم يأتي الابن , بينما إدارة المستشفى
تبحث عن خلاصها لتفرغ غرفة الموتى من المثلجين , وقررت
دفنه سريعا دون سابق إنذار , بعد أن قرر المسئول غاضبا
" أرسلوا جثته للمقبرة , وليلتقط أحدكم صورة لقبره
ترسلونـها لعائلته في بومباي " ومنها تم الدفن بإشراف
البلدية وتم تسجيل الدفن في الواحدة ظهرا من شهر أغسطس
. |
|
انه القميص الثالث , بل البنطلون الخامس والكثير من
ربطات العنق .
بدت الأشياء وهي واقفة معه في وجه المرآة مغتاظة غير
جديرة بالتوكل لأول مرة , استدار إلى النافذة , وجد
لنفسة فسحة من الروح نكاية بالصمت الذي وزع ثورته كرجل
خائن , بينما هو يرافق قدمية إلى النافذة فاض في سكونه
بيانات الانتحاب وأسماء المغمورين والنساء اللواتي
حولنا صدره إلى كهف للنوايا الباطلة .
انه اليوم السادس , بل الشهر الأخير الباقي كي يسلم
مفاتيح الشقة إلى المستأجر
صلاة مبكرة فرش لها حصير الأدعية بالأمس بينما خبأ
زجاجة الويسكي لأول مره في الثلاجة , اتصل ببعض
الأصدقاء دون استجابة , غرق في وحل الكلمات وهو يشتم
بعض الأسماء ويتكسر معهم في غياب دائم , كوحدته
الحالية , انحنى ليمسك برأسه ويبسط كفية على العتمة ,
واصل في عزل ضحكته عن السعال كي لا ينتبه للخيانة هذه
المرة , ضحك كثيرا وظل في ضحكته لدقائق .
أنـها المرة العاشرة , بل الأكثر دقة وهو يدخل الحمام
ليجفف رأسه ويبول على مصائبه .
جاء إلى هذه الشقة قبل سنة , بعد أن طلق زوجتة العاهرة
, التي كانت تشارك الآخرين لفظ جسدها , ولأنه مدقق
حسابات ناجح لأحد الشركات الكبيرة في المدينة انتبه في
التدقيق هذه المرة ليجد بان جسده لم يكن الوحيد الذي
مر من هنا , كانت الأيام الأولى تشبة العزف في فتن
الإغراق , وافق على إخلاء روحه من المنازلات الحية ,
رفض دخول الملائكة إلى شقته كي لا يفكر في الحسنات ,
رتّب خجله الثلاثيني ودعى كل الأصدقاء إلى السهر ,
والرقص والسكر والبوح كقديس في صدور الفتيات .
انه القميص الثالث , بل البنطلون الخامس والكثير من
ربطات العنق المرمية .
حين وصل إلى النافذة , تهّجى الأستاذان , فتح النافذة
كما تفتح الرؤى وهي في مخاضها , لم ينظر إلى الأسفل
فهي لقطة اعتاد عليها , ولم ينظر إلى الوراء فلا شيء
مضاء هناك سوى غرفة غير مرتبة , ومنفضة سجائر وملابس
مرمية , ولم يبالغ في الانتظار فقط تخلص من فكرة
الوقوف إمام المرآة برمي جسده من الطابق السابع . |