01/10/2009

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
حبٌ مالح وصلٌ
الكاتب والإعلامي أحمد حيدري - ايران
ahmad.haidari@gmail.com
 

 

لم أكن على توافق معه ، بل أكرهه ، و قد تخاصمت معه في إحدى المرات و لم أدخل بيته لمدة أربع أعوام ، ليس بيته فقط بل بيت أخيه و أختيه .

كرهت كل ما يتعلق به أو ينتمي له .

و قبل أن يموت بعام عادت علاقتنا و لكن ليست مثل السابق ، هي علاقة أعياد و مناسبات و أمور ضرورية توجب حضورنا المشترك مثل الموت.

في اليوم الأخير له في هذه الدنيا ذهبت الى زيارته في المشفى بعد أن أصابته نوبة قلبية ، كان يتجاهلني و رغم أني لا أذهب الى المستشفيات و قد قاطعتها إلا أني من أجله قمت بالذهاب الى المشفى لأراه .

و قد ندمت لأني ذهبت لزيارته ، و مهما حاولت التواصل معه كان يزيد من تجاهلي و هو جالس على السرير في إنتظار الموت ، بل جهل أن الموت سيأتيه خانقا ، فقلت لنفسي ليمت إذن و هو حاقد علي ّ و ما الفرق فموته أشرف له و لمن مثله .

لم أبكِ عليه حين وضع في قبره في مقبرة كوت عبد الله و ذلك قبل أن تحاط بجدران إسمنتيه ، لأنها كانت متاحة للنظر ، و مساء تتحول الى معقل لمن يريد الدراسة و التدخين في آن واحد متحملين دبيب العقارب و أم الأربعة و الأربعين و هي تتخاطف أمامهم و أحيانا الحيات و هي تزحف خلف فريسة ، كل ذلك للهروب من أعين الفضوليين الذين لو رؤوهم فسوف يبلغون أهاليهم ، و ما أكثرهم في كوت عبد الله فهناك متخصصون بنقل الأخبار و أشدهم خطورة هم ( المترصدون ) ، فالمترصدون يبدؤون النهار بالجلوس في الشارع و أمام باب بيتك و يحولون المهمة لأبنائهم و لا يتركون مواقعهم شاغرة أبدا ، و الأبناء إكتسبوا هذه الخبرة عبر الرصد المباشر و بالوراثة ، و إذا لم لم تكن في البيت و جاء من يسأل عنك فسوف يقدمون له بكل طيب خاطر في أي ساعة خرجت و مع من و ماذا حملت بيدك ، و متى تعود عادة ؟ و السبب الرئيس في هذا الرصد هو المسافة التي تضعها بينك و بينهم ، و كلما زادت في المسافة زاد الرصد و حاصرك ، و في كوت عبد الله بالتحديد في ( خزامي ) عوائل تعرف بهذا كما يعروفون صيادو الجوائز .

أنزل في القبر و أنا أتابعه و أتابع أبناءه الخمس و هم يبكونه و زوجته و هي تلطم و أخته و هي ...... ، أخته هذه حكاية كاملة بنفسها فهي من حضته على مقاطعتي و تجاهلي كانت تثير في نعيها له تهما ملغزة موجهة نحوي  و أنا أنظر للجثة و هي توارى في التراب حيث سينخسف القبر بعد أشهر إثر أيام ممطرة ، و هي معروفة في تحديد من هو الرجل و من هو ليس برجل ،  صوتها شجي يبكي الحجر و قد صقل إثر إدمانها على مجالس العزاء ، فكل مجلس عزاء حفلة للصوت النسائي و قد حرم خروجه عبر مكبرات الصوت ، و ما أن تجلس أمام قبر حتى تشعر أن القبر أخذ يرقص طربا ، فالناس تتجمهر حوله تقرأ سورة الفاتحة و تشارك في ذرف الدموع على الميت المجهول و إن كتب إسمه ، و هي تحضهم على مشاركتها البكاء ، و إذا تجمع أكثر من سبع نساء و بالتحديد نساء تأخذ باللطم و أفضل الأماكن عندها الوجه و الكلى ، في ذلك النهار إختارتني أنا .

دفن و الآن عليّ أن أقف في مجلس عزائه رغما عني ، أرحب بالضيوف القادمين لموته أو هم قدموا لكي يضمنوا أكبر قدر من المشيعيين لهم حين يدفنون ، فقد إلتقت أكثرهم قبل موته و لم يهتموا لشأنه أبدا و ها هم الآن أول المعزين .

و عليّ كذلك رفع الصواني المحملة بالمؤكولات و حتى غسل بعضها إن إحتاج الأمر ، و إعطاء ما ينقصهم من مال لشراء ما يحتاجوه في مجلس العزاء و شراء ما إحتاجوه و لكن دون علمهم ، ثم أسمع بعد أشهر كلاما لا يسر و هو أني قصرت في حقهم و حق الميت .

هكذا رحل مالح قرب ربه .........

و لم تكن علاقتنا هكذا قبل عشرة أعوام ، لا بالتحديد قبل عشرين عاما في العام 1990 ، صحيح أنه يكبرني بثلاثين عاما أو أكثر لكني أحببته و لم أكن قد رأيته قبل ذلك إلا مرة واحدة في صغري و سرعانما نسيته فلم يكن يتحدث بلهجتنا .

كنا نخرج سويا بسيارته وانيت التويوتا مديل 1983 الى المدن البعيدة و القريبة ، و المذياع طوال معرفتي به لم يضع فيه إلا كاسيت فريد الأطرش و يحتفظ بصورة قديمة جدا لجمال عبد الناصر في محفظته و علق في المرآة الأمامية صورة (سيد عباس ) الذي يقال أنه مشى على ماء النهر و عبر الى الضفة الأخرى و الحيات و الأفاعي تنام بقربه و يعرف لغتها و دائما ما يضع حية في جيبه ، و مات ملدوغا بسمها .

ما إن تفوه بكلمة حتى أنفذها كجندي يأمره ضابطه ، إحترمته الى أقصى حد و كرهته الى أقصى حد .

توطدت علاقتي به بعد مرور سبع أعوام من معرفتي به ، لم أحب إسمه ( مالح ) و كيف سماه أبوه بمثل هذا الإسم ؟ و ماذا كان يقصد به ؟

 بالطبع هناك حكاية تتعلق بهذا الإسم ، و لكنه لا يعرف و لا زوجته تعرف و لا أخواه و لا أختاه .

بقي إسمه لغزا لي ، خاصة أنه لا يتضايق من هذا الإسم الملتصق به و الذي إعتاد على ملوحته .

توطدت علاقتي به أكثر حين حكى لي حكاية أظن أني بدأت التدخين معها ، أي تاريخ أول سيجارة لي دخنتها كان مساء بعد سماعي هذه الحكاية قال لي ، بل كان هناك عدة أشخاص شكلوا دائرة حوله و هم من أصدقائه المقربين ، و العجيب أن الجميع يصغره ، ليس بعام أو عامين بل أكثر ، أكبرنا كان يصغره بعشرة أعوام و هو الأقرب و الأحب له إسمه رحيم ، و هو ذكي جدا أو يتذاكى و لا يترك موضوع لا يعلق عليه أو يتدخل به و يناقشه ثم يعرج على قبيلته الأصيلة ليدخلها في الموضوع ، و لا أعرف كيف يربط موضوع قبيلته مع موضوعات الفضاء و الجولوجيا أو الجغرافيا لكنه يربطه بحلاوة تنسيك التناقضات لتطالبه بالمزيد .

 

و أكثر من كان يطالب رحيم بالمزيد في مثل هذه الجلسات هو إبن عمي  جوزيف .

قال مالح : كنت جالسا أنا و أبي أمام باب البيت و هذا الأمر حدث يوم كنا في عبادان قبل الحرب الإيرانية العراقية ، فرشنا سجادة مساحتها 12 مترا و وضع أبي حبات البن الخضراء على النار ، فأبي كما تعرفون قتلته القهوة و هو جدُّ هذا الولد ( و أشار الى جوزيف ) و رغم ممانعة الطبيب و تحذيره من شربها لكنه الى آخر حياته كان يحبها و يحب رائحتها و لا يشربها أمامنا و يقول سأموت لو منعت عني رائحة القهوة .

 

و تعرفون أنه كان يصطاد الفقمة حين كانت في نهر كارون ، يترصدها و يصطادها بفالته (1)  وقد أخرجها في ذلك اليوم بعد أن تذكر أيام خروجه للصيد و أراد تنظيفها و العودة للذكريات عبر هذا الحديد الصدئ فالناس حين يرونها يسألوه عن حكايتها ، و أذكركم بهذا الموضوع لأني سأروي لكم حكاية سمعتها من شخص موثوق و قد توفي قبل سبع أعوام ، أنتم بالطبع عرفتم أو على الأقل سمعتم بالشيخ چاسب المذخور ؟ .

 

الجميع قال نعم ، فهو من شيوخ القبائل المعروفة و يُحترم من قبل جميع القبائل حتى غير العربية ، فالقبائل غير العربية تدعوه لحل مشاكلها و قد زوج أبناءه من بنات هذه القبائل لتقوية صلة الدم بينها بعد حرب دامية ، و قام بحل مشاكل قبلية عصية .

أكمل مالح :

-كنت أنا و أبي نجلس أمام باب البيت و فرشت السجادة في الشارع ، كانت الشوارع في زمننا متربة و الإسفلت لم يدخل محلتنا بعد خاصة أننا نسكن بجانب النهر و هناك بيوت بقربنا فيها جاموس تمر من أمامنا صباحا ، و إذا بالشيخ چاسب يتقدم نحونا رأيته و أخبرت أبي و قبل أن يسلم قال :

-شممت رائحة قهوتك فقلت لنفسي لا يمكن المرور دون شربها .

و جلس يحتسي القهوة الطازجة ، طازجة لأنها محمصة للتو و أبي يحمصها بنفسه صباحا و لا يقبل أن يحمصها أحد غيرها على نار جمر الفحم .

 

رمح له ثلاث أسنان مدببة أو خمسة .

 

و بعد أن شرب ثلاث فناجين و هزّ الفنجان لي هزة شكر لها من المعاني ما لا تعبر عنه الكلمات و هو ينظر الى الدلة .

قال وهو يوجه الحديث لأبي و قد رأى الفالة بجانب الموقد :

-ذكرتني هذه الفالة يا أخي بقصة حدثت لي قبل أعوام ، يوم كنت أذهب لأصطاد في جزر (مجنون) السمك و الطيور ، في أحد الأيام خرجت بقاربي ناحية جزيرة كنت أضع عليها متاعي و أذهب لأصطاد ثم أعود لأشرب الشاي و أشوي غدائي و عادة ما يكون السمك أو الطيور ، في ذلك اليوم أحسست بالتعب و عدت مبكرا الى الجزيرة ، جلست بقرب الشاطئ أعدُّ الشاي بعد أن أشعلت النار ، فجأة سمعت صوتا من داخل الجزيرة ، كانت الأشجار كثيفة و الأعشاب طويلة تمنع الرؤية و تمنع رؤية مصدر الصوت ، كان فحيحا ً لم أسمعه من قبل ، فحيح قوي و مخيف حملت بندقيتي و توغلت في الجزيرة خلف الفحيح ، رأيت أمامي خطى و أعشاب محترقة ، ما رأيته لا يوصف حيوان شبيه بالخنزير البري و لكن وجهه يشبه الأفعى و تخرج النار من أنفه حين يتنفس ، و كل جسده مغطى بصدف بني ، خفت كثيرا و لم أكن أعلم ما أفعله إلا حمل البدقية و تعبئتها بالبارود ، ففي ذلك الوقت كانت البنادق تعبئ بالبارود ، عبأتها جيدا و رصصت البارود كي تأخذ أكبر قدر منه ، ثم صوبت ناحية الحيوان و إنتظرته ليدير رأسه ، أطلقت النار ، رفع رأسه و صاح صيحة أفزعتني و ظننت أنها لم تقتله و سوف يهجم علي ، فأخذت أعبئ البدقية مرة أخرى بالبارود و أنا أتقدم منه ، كان الدم ينزف منه كنهر ، غطى مساحة كبيرة و صرخته أيضا كانت تتردد مع الدم الجاري ، ثم سقط هامدا ، ركضت نحوه و إذا به حيوان أراه لأول مرة ، فجأة سمعت صوت تحرك من كل جانب ، أحاطتني هذه الحركة فتسلقت الشجرة التي سقط تحت ظلالها الحيوان الغريب ، و إذا بعشرات الحيات و الأفاعي و العقارب و العناكب تزحف متجمعة حول الحيوان المقتول ، كنت أنظر في كل الجوانب الى هذه الحشود

 

القادمة من فوق و تحت الأرض محتشدة حول الجثة ، و كنت أخاف أن تتسلق الشجرة و تلدغني أو تعضني .

رأيت شيئا كالحبل يطير ، يشق طريقه الى الجثة ، و حطّ بقربها مثل صقر ، كان صِلّ (1)  تراجعت الحشود عن الجثة و أخذ الصل يتقدم منها و هي تتراجع حتى وقف قربها ، أنزل رأسه و أخذ يرشف الدم غير آبه بمن حوله ، و لم يجرأ أحد على الإقتراب منه ، أردت قتله و لكن لو قتلته سوف تصعد لي الحشود الزاحفة ، مر الوقت و هو يشرب الدم حتى خيل لي أنه شرب الدم المسفوك على الأرض أيضا ، تعبت لأني أقف في مكان غير مريح فحاولت تبديل مكاني ، رفع الصل رأسه حيث صدر الصوت تلاقت عينانا ، كانت نظرة رجل و ليست نظرة صل ، نظرة قاتل لن يتوانى عن فعل شيئ لكي يقتل ، فجأة قفز و إتجه الي

 

الصل نوع من الحيات يشبه به الرجل إذا كان داهية ، و قد دخل الذاكرة الشعبية بكثافة عبر الحكاية التي قيلت عنه .

 

 إبتعدت عنه فإصطدم رأسه بالشجرة و إنغرس فيها بيد أن ذيله أخذ يتحرك بقوة فضربني بجبهتي ، صوبت بندقيتي إليه و أطلقت النار فقتلته ، مع سقوط ذيله أرضا هربت الحشود و نزلت بسرعة من الشجرة و ركبت قاربي و لم أطفئ النار و عدت خالي اليدين .

سكت الشيخ جاسب ثم أكمل :

-و هذا هو الدليل على قصتي .

ثم رفع الشيخ جاسب كوفيته و إذا بخط واضح على جبهته مرسوم بين الحرق و الخسف .

قال أبي لي بعد أن ذهب الشيخ جاسب أنه لا يكذب أبدا و لا يخاف أحدا إلا الله و هو رجل شجاع و لا يحتاج الى من يمدحه .

حين سمعت القصة من مالح أسكرتني و لم تفارقني أبدا و بحثت عن الشيخ جاسب لكي

أسترجعها منه إلا أنه مات .

قال مالح لو كان أحد آخر قال هذه الحكاية لكذبته و لقلت ذلك أمامه و لكن الشيخ جاسب رجل و نعم الرجال .

أيد الجميع كلمة مالح في حق الشيخ جاسب ، حتى أن رحيم سكت و لم يقل كلمة أو يروي قصة مشابهة تتعلق بقبيلته .

أحببت مالح أكثر من قبل و إقتربت منه و كنت أسأله دائما عن هذه الحكاية لكنه لم يعد لها أبدا و لا يريد أن يرويها مرة أخرى .

السنوات باعدت بيننا و الكره كبر ، أحيانا أذكره خاصة قرب منتصف الليل حين أمر بجانب مقبرة كوت عبد الله المحاطة بالجدران الإسمنتية و قد إمتلئت بالرسوم و الأحاديث و تعلم العلم و رسوم عن مدينة من خيال راسمها وشعارات و شعارت مضادة ، لا أرى قبره لكني أعرفه و أشم رائحته ، ألعنه أشتمه ثم أبكي من أجله محتسيا ما أدار لسانه في تلك الليلة ........

 
 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى