لم أكن على توافق معه ، بل أكرهه ، و قد تخاصمت
معه في إحدى المرات و لم أدخل بيته لمدة أربع
أعوام ، ليس بيته فقط بل بيت أخيه و أختيه .
كرهت كل ما يتعلق به أو ينتمي له .
و قبل أن يموت بعام عادت علاقتنا و لكن ليست مثل
السابق ، هي علاقة أعياد و مناسبات و أمور ضرورية
توجب حضورنا المشترك مثل الموت.
في اليوم الأخير له في هذه الدنيا ذهبت الى زيارته
في المشفى بعد أن أصابته نوبة قلبية ، كان
يتجاهلني و رغم أني لا أذهب الى المستشفيات و قد
قاطعتها إلا أني من أجله قمت بالذهاب الى المشفى
لأراه .
و قد ندمت لأني ذهبت لزيارته ، و مهما حاولت
التواصل معه كان يزيد من تجاهلي و هو جالس على
السرير في إنتظار الموت ، بل جهل أن الموت سيأتيه
خانقا ، فقلت لنفسي ليمت إذن و هو حاقد علي ّ و ما
الفرق فموته أشرف له و لمن مثله .
لم أبكِ عليه حين وضع في قبره في مقبرة كوت عبد
الله و ذلك قبل أن تحاط بجدران إسمنتيه ، لأنها
كانت متاحة للنظر ، و مساء تتحول الى معقل لمن
يريد الدراسة و التدخين في آن واحد متحملين دبيب
العقارب و أم الأربعة و الأربعين و هي تتخاطف
أمامهم و أحيانا الحيات و هي تزحف خلف فريسة ، كل
ذلك للهروب من أعين الفضوليين الذين لو رؤوهم فسوف
يبلغون أهاليهم ، و ما أكثرهم في كوت عبد الله
فهناك متخصصون بنقل الأخبار و أشدهم خطورة هم (
المترصدون ) ، فالمترصدون يبدؤون النهار بالجلوس
في الشارع و أمام باب بيتك و يحولون المهمة
لأبنائهم و لا يتركون مواقعهم شاغرة أبدا ، و
الأبناء إكتسبوا هذه الخبرة عبر الرصد المباشر و
بالوراثة ، و إذا لم لم تكن في البيت و جاء من
يسأل عنك فسوف يقدمون له بكل طيب خاطر في أي ساعة
خرجت و مع من و ماذا حملت بيدك ، و متى تعود عادة
؟ و السبب الرئيس في هذا الرصد هو المسافة التي
تضعها بينك و بينهم ، و كلما زادت في المسافة زاد
الرصد و حاصرك ، و في كوت عبد الله بالتحديد في (
خزامي ) عوائل تعرف بهذا كما يعروفون صيادو
الجوائز .
أنزل في القبر و أنا أتابعه و أتابع أبناءه الخمس
و هم يبكونه و زوجته و هي تلطم و أخته و هي ......
، أخته هذه حكاية كاملة بنفسها فهي من حضته على
مقاطعتي و تجاهلي كانت تثير في نعيها له تهما
ملغزة موجهة نحوي و أنا أنظر للجثة و هي توارى في
التراب حيث سينخسف القبر بعد أشهر إثر أيام ممطرة
، و هي معروفة في تحديد من هو الرجل و من هو ليس
برجل ، صوتها شجي يبكي الحجر و قد صقل إثر
إدمانها على مجالس العزاء ، فكل مجلس عزاء حفلة
للصوت النسائي و قد حرم خروجه عبر مكبرات الصوت ،
و ما أن تجلس أمام قبر حتى تشعر أن القبر أخذ يرقص
طربا ، فالناس تتجمهر حوله تقرأ سورة الفاتحة و
تشارك في ذرف الدموع على الميت المجهول و إن كتب
إسمه ، و هي تحضهم على مشاركتها البكاء ، و إذا
تجمع أكثر من سبع نساء و بالتحديد نساء تأخذ
باللطم و أفضل الأماكن عندها الوجه و الكلى ، في
ذلك النهار إختارتني أنا .
دفن و الآن عليّ أن أقف في مجلس عزائه رغما عني ،
أرحب بالضيوف القادمين لموته أو هم قدموا لكي
يضمنوا أكبر قدر من المشيعيين لهم حين يدفنون ،
فقد إلتقت أكثرهم قبل موته و لم يهتموا لشأنه أبدا
و ها هم الآن أول المعزين .
و عليّ كذلك رفع الصواني المحملة بالمؤكولات و حتى
غسل بعضها إن إحتاج الأمر ، و إعطاء ما ينقصهم من
مال لشراء ما يحتاجوه في مجلس العزاء و شراء ما
إحتاجوه و لكن دون علمهم ، ثم أسمع بعد أشهر كلاما
لا يسر و هو أني قصرت في حقهم و حق الميت .
هكذا رحل مالح قرب ربه .........
و لم تكن علاقتنا هكذا قبل عشرة أعوام ، لا
بالتحديد قبل عشرين عاما في العام 1990 ، صحيح أنه
يكبرني بثلاثين عاما أو أكثر لكني أحببته و لم أكن
قد رأيته قبل ذلك إلا مرة واحدة في صغري و سرعانما
نسيته فلم يكن يتحدث بلهجتنا .
كنا نخرج سويا بسيارته وانيت التويوتا مديل 1983
الى المدن البعيدة و القريبة ، و المذياع طوال
معرفتي به لم يضع فيه إلا كاسيت فريد الأطرش و
يحتفظ بصورة قديمة جدا لجمال عبد الناصر في محفظته
و علق في المرآة الأمامية صورة (سيد عباس ) الذي
يقال أنه مشى على ماء النهر و عبر الى الضفة
الأخرى و الحيات و الأفاعي تنام بقربه و يعرف
لغتها و دائما ما يضع حية في جيبه ، و مات ملدوغا
بسمها .
ما إن تفوه بكلمة حتى أنفذها كجندي يأمره ضابطه ،
إحترمته الى أقصى حد و كرهته الى أقصى حد .
توطدت علاقتي به بعد مرور سبع أعوام من معرفتي به
، لم أحب إسمه ( مالح ) و كيف سماه أبوه بمثل هذا
الإسم ؟ و ماذا كان يقصد به ؟
بالطبع هناك حكاية تتعلق بهذا الإسم ، و لكنه لا
يعرف و لا زوجته تعرف و لا أخواه و لا أختاه .
بقي إسمه لغزا لي ، خاصة أنه لا يتضايق من هذا
الإسم الملتصق به و الذي إعتاد على ملوحته .
توطدت علاقتي به أكثر حين حكى لي حكاية أظن أني
بدأت التدخين معها ، أي تاريخ أول سيجارة لي
دخنتها كان مساء بعد سماعي هذه الحكاية قال لي ،
بل كان هناك عدة أشخاص شكلوا دائرة حوله و هم من
أصدقائه المقربين ، و العجيب أن الجميع يصغره ،
ليس بعام أو عامين بل أكثر ، أكبرنا كان يصغره
بعشرة أعوام و هو الأقرب و الأحب له إسمه رحيم ، و
هو ذكي جدا أو يتذاكى و لا يترك موضوع لا يعلق
عليه أو يتدخل به و يناقشه ثم يعرج على قبيلته
الأصيلة ليدخلها في الموضوع ، و لا أعرف كيف يربط
موضوع قبيلته مع موضوعات الفضاء و الجولوجيا أو
الجغرافيا لكنه يربطه بحلاوة تنسيك التناقضات
لتطالبه بالمزيد .
و أكثر من كان يطالب رحيم بالمزيد في مثل هذه
الجلسات هو إبن عمي جوزيف .
قال مالح : كنت جالسا أنا و أبي أمام باب البيت و
هذا الأمر حدث يوم كنا في عبادان قبل الحرب
الإيرانية العراقية ، فرشنا سجادة مساحتها 12 مترا
و وضع أبي حبات البن الخضراء على النار ، فأبي كما
تعرفون قتلته القهوة و هو جدُّ هذا الولد ( و أشار
الى جوزيف ) و رغم ممانعة الطبيب و تحذيره من
شربها لكنه الى آخر حياته كان يحبها و يحب رائحتها
و لا يشربها أمامنا و يقول سأموت لو منعت عني
رائحة القهوة .
و تعرفون أنه كان يصطاد الفقمة حين
كانت في نهر كارون ، يترصدها و يصطادها بفالته (1)
وقد أخرجها في ذلك اليوم بعد أن تذكر أيام خروجه
للصيد و أراد تنظيفها و العودة للذكريات عبر هذا
الحديد الصدئ فالناس حين يرونها يسألوه عن حكايتها
، و أذكركم بهذا الموضوع لأني سأروي لكم حكاية
سمعتها من شخص موثوق و قد توفي قبل سبع أعوام ،
أنتم بالطبع عرفتم أو على الأقل سمعتم بالشيخ
چاسب المذخور ؟ .
الجميع قال نعم ، فهو من شيوخ القبائل المعروفة و
يُحترم من قبل جميع القبائل حتى غير العربية ،
فالقبائل غير العربية تدعوه لحل مشاكلها و قد زوج
أبناءه من بنات هذه القبائل لتقوية صلة الدم بينها
بعد حرب دامية ، و قام بحل مشاكل قبلية عصية .
أكمل مالح :
-كنت
أنا و أبي نجلس أمام باب البيت و فرشت السجادة في
الشارع ، كانت الشوارع في زمننا متربة و الإسفلت
لم يدخل محلتنا بعد خاصة أننا نسكن بجانب النهر و
هناك بيوت بقربنا فيها جاموس تمر من أمامنا صباحا
، و إذا بالشيخ چاسب
يتقدم نحونا رأيته و أخبرت أبي و
قبل أن يسلم قال :
-شممت
رائحة قهوتك فقلت لنفسي لا يمكن المرور دون شربها
.
و جلس يحتسي القهوة الطازجة ، طازجة لأنها محمصة
للتو و أبي يحمصها بنفسه صباحا و لا يقبل أن
يحمصها أحد غيرها على نار جمر الفحم .
رمح
له ثلاث أسنان مدببة أو خمسة .
و بعد أن شرب ثلاث فناجين و هزّ الفنجان لي هزة
شكر لها من المعاني ما لا تعبر عنه الكلمات و هو
ينظر الى الدلة .
قال وهو يوجه الحديث لأبي و قد رأى الفالة بجانب
الموقد :
-ذكرتني
هذه الفالة يا أخي بقصة حدثت لي قبل أعوام ، يوم
كنت أذهب لأصطاد في جزر (مجنون) السمك و الطيور ،
في أحد الأيام خرجت بقاربي ناحية جزيرة كنت أضع
عليها متاعي و أذهب لأصطاد ثم أعود لأشرب الشاي و
أشوي غدائي و عادة ما يكون السمك أو الطيور ، في
ذلك اليوم أحسست بالتعب و عدت مبكرا الى الجزيرة ،
جلست بقرب الشاطئ أعدُّ الشاي بعد أن أشعلت النار
، فجأة سمعت صوتا من داخل الجزيرة ، كانت الأشجار
كثيفة و الأعشاب طويلة تمنع الرؤية و تمنع رؤية
مصدر الصوت ، كان فحيحا ً لم أسمعه من قبل ، فحيح
قوي و مخيف حملت بندقيتي و توغلت في الجزيرة خلف
الفحيح ، رأيت أمامي خطى و أعشاب محترقة ، ما
رأيته لا يوصف حيوان شبيه بالخنزير البري و لكن
وجهه يشبه الأفعى و تخرج النار من أنفه حين يتنفس
، و كل جسده مغطى بصدف بني ، خفت كثيرا و لم أكن
أعلم ما أفعله إلا حمل البدقية و تعبئتها بالبارود
، ففي ذلك الوقت كانت البنادق تعبئ بالبارود ،
عبأتها جيدا و رصصت البارود كي
تأخذ أكبر قدر منه ، ثم صوبت ناحية الحيوان و
إنتظرته ليدير رأسه ، أطلقت النار ، رفع رأسه و
صاح صيحة أفزعتني و ظننت أنها لم تقتله و سوف يهجم
علي ، فأخذت أعبئ البدقية مرة أخرى بالبارود و أنا
أتقدم منه ، كان الدم ينزف منه كنهر ، غطى مساحة
كبيرة و صرخته أيضا كانت تتردد مع الدم الجاري ،
ثم سقط هامدا ، ركضت نحوه و إذا به حيوان أراه
لأول مرة ، فجأة سمعت صوت تحرك من كل جانب ،
أحاطتني هذه الحركة فتسلقت الشجرة التي سقط تحت
ظلالها الحيوان الغريب ، و إذا بعشرات الحيات و
الأفاعي و العقارب و العناكب تزحف متجمعة حول
الحيوان المقتول ، كنت أنظر في كل الجوانب الى هذه
الحشود
القادمة من فوق و تحت الأرض محتشدة حول الجثة ، و
كنت أخاف أن تتسلق الشجرة و تلدغني أو تعضني .
رأيت شيئا كالحبل يطير ، يشق طريقه الى الجثة ، و
حطّ بقربها مثل صقر ، كان صِلّ (1) تراجعت الحشود
عن الجثة و أخذ الصل يتقدم منها و هي تتراجع حتى
وقف قربها ، أنزل رأسه و أخذ يرشف الدم غير آبه
بمن حوله ، و لم يجرأ أحد على الإقتراب منه ، أردت
قتله و لكن لو قتلته سوف تصعد لي الحشود الزاحفة ،
مر الوقت و هو يشرب الدم حتى خيل لي أنه شرب الدم
المسفوك على الأرض أيضا ، تعبت لأني أقف في مكان
غير مريح فحاولت تبديل مكاني ، رفع الصل رأسه حيث
صدر الصوت تلاقت عينانا ، كانت نظرة رجل و ليست
نظرة صل ، نظرة قاتل لن يتوانى عن فعل شيئ لكي
يقتل ، فجأة قفز و إتجه الي
الصل نوع من الحيات يشبه به الرجل إذا كان داهية ،
و قد دخل الذاكرة الشعبية بكثافة عبر الحكاية التي
قيلت عنه .
إبتعدت عنه فإصطدم رأسه بالشجرة و إنغرس فيها بيد
أن ذيله أخذ يتحرك بقوة فضربني بجبهتي ، صوبت
بندقيتي إليه و أطلقت النار فقتلته ، مع سقوط ذيله
أرضا هربت الحشود و نزلت بسرعة من الشجرة و ركبت
قاربي و لم أطفئ النار و عدت خالي اليدين .
سكت الشيخ جاسب ثم أكمل :
-و
هذا هو الدليل على قصتي .
ثم رفع الشيخ جاسب كوفيته و إذا بخط واضح على
جبهته مرسوم بين الحرق و الخسف .
قال أبي لي بعد أن ذهب الشيخ جاسب أنه لا يكذب
أبدا و لا يخاف أحدا إلا الله و هو رجل شجاع و لا
يحتاج الى من يمدحه .
حين سمعت القصة من مالح أسكرتني و لم تفارقني أبدا
و بحثت عن الشيخ جاسب لكي
أسترجعها منه إلا أنه مات .
قال مالح لو كان أحد آخر قال هذه الحكاية لكذبته و
لقلت ذلك أمامه و لكن الشيخ جاسب رجل و نعم الرجال
.
أيد الجميع كلمة مالح في حق الشيخ جاسب ، حتى أن
رحيم سكت و لم يقل كلمة أو يروي قصة مشابهة تتعلق
بقبيلته .
أحببت مالح أكثر من قبل و إقتربت منه و كنت أسأله
دائما عن هذه الحكاية لكنه لم يعد لها أبدا و لا
يريد أن يرويها مرة أخرى .
السنوات باعدت بيننا و الكره كبر ، أحيانا أذكره
خاصة قرب منتصف الليل حين أمر بجانب مقبرة كوت عبد
الله المحاطة بالجدران الإسمنتية و قد إمتلئت
بالرسوم و الأحاديث و تعلم العلم و رسوم عن مدينة
من خيال راسمها وشعارات و شعارت مضادة ، لا أرى
قبره لكني أعرفه و أشم رائحته ، ألعنه أشتمه ثم
أبكي من أجله محتسيا ما أدار لسانه في تلك الليلة
........