01/08/2009

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
لم يكن هناك
عبدالعزيز جاسم - شاعر وكاتب إماراتي

azizaa62@yahoo.com

 
 

نصوص من مجموعته الشعريه الجديدة " دونما اتجاه يحطم القلب نفسه "

 
 

 

القُرْصان

منذُ قَرْنٍ لم يفتحْ فَمَهُ. لم يَفتحْهُ حتَّى للأكْلِ ربَّما، ولَمْ يُنادي على أحَدٍ مُطلقاً، ساكنُ الدَّار الخَرِبَةِ بِعُقُوصِهِ البَيْضاءِ. مَنْ عاشَ وحِيْداً في مَفْرقِ الأذَى وفَلَواتِ الهَبَابِ. يُنَظِّفُ بُنْدُقِيَّتَهُ في كلِّ يَومٍ ويُحدِّقُ هادئاً كعُيُونِ نَهْرٍ قديم، لا تَجِدُ أَحَداً يُرافقهُ، وما مِنْ أَحَدٍ عَرَفَ لونَ عَيْنَيْهِ. كانوا يُسمُّونهُ القُرْصَانَ، كانوا يُسمُّونهُ الزَّعيمْ! إلاّ أَنَّهُ بصنْدَلٍ من جِلْدِ السِّنَورِ، وبعُكَّازٍ مثلَ ضَرّابَةِ النَّاقوسِ؛ كانَ يمشي مُلثَّماً كساريةِ مَركبٍ مُغادرٍ دوماً.

لم يَكُن بَغلُ الحانوتيِّ يَصْهلُ عندَ مرورهِ، وشَجر السِّدْرِ تعلَّمَ أَنْ يَنْحني أمامَهُ. الشَّاهِيْنُ يَقِفُ على كَتْفهِ ولا يَجرحُهُ، والنَّاسُ لا يُلوحونَ لهُ ولا يَصرُخُون خشيةَ إزعاجهِ. مأذُونٌ بولايةِ نَفْسهِ وتَنَفُّسِهِ. لا يُخالِطونَهُ ولا يُخالطهُمْ. لا يَقْتربُ ولا يُقَرِّبُ. لكنَّهُ بلا صَوتٍ، ظَلَّ يَحفُرُ في السِّرِّ نفقاً من أَجلِ شَمْسٍ غارِبَةٍ.

***

حينَ كان صبياً، نَفَضتِ الصّاعِقَةُ يَدَهُ، وحَطَّمَ كَعْكةَ مِيْلادهِ أَمامَ الضُّيُوفِ. وحِيْنَ طَعَنَ الجُنْدِيُّ الأحمر والدَهُ في السّوقِ القديمِ، أطْعَمهُ البَعْرَ وعلَّقهُ كجَدْي مَشنوقٍ في رأسِ المنارَةِ. مِنْ يَوْمِها وهوَ يُغِيرُ على دَمِهمْ. يَظْهرُ لَهُم في الليالي كَشبحِ المآتِمِ. يَثقُبُ قَلْباً أو قَلْبَيْنِ. يَحْرقُ ثُكْنَةً أو ثُكْنتيْنِ. وَيخْتفي في كُهوفٍ لا تَصِلُها الكلاب.

***

فوقَ هَضَبةٍ عاليةٍ، أقاموا لهُ مِشْنَقةً، وأَمروا الفَصائلَ كلَّها بالبحثِ عنهْ. العُملاءُ المَحليّونَ بحثوا عنهُ أيضاً. في لِحَاءِ النَّخِيْلِ. في بُيُوتِ العَناكِبِ. في فُرْجَاتِ الغَابِ. في قُدُوْرِ الطَّبْخِ، بحثوا عنهُ. في وسَطِ الثُّغورِ وبينَ أَكمامِ الظلام. في أقنانِ الدَّجاجِ. في مُخْلاةِ الحُصان. في المُهودِ والجِرارِ والخِيَم. في الهَوادِجِ والنَواعِيْرِ والمَعاجِنِ. في صَناديقِ الجَدّات. في الجِّبالِ والمَقابِرِ والبَراميل. في سُفنِ الصيّادينَ وحبَّاتِ اليَقْطينِ الكبيرةِ. وفي كُلِّ ما يَعْلو، ويَسِيلُ، ويُغَطّى، وَيَتوارى، ويَستَديرْ؛ بحثوا عنهُ، وما وجَدوهُ!

لقَدْ انقَضى ذلكَ الزَّمانُ الآنَ، وماتَ مَنْ ماتَ وعاشَ مَنْ عاش. ولكِنَّنا، نحنُ مَنْ كَبِرْنا تحتَ بُرْجِهِ. مَنْ لَمَسْنا بقاياهُ. مَنْ عِشْنَا مَعَهُ تَحْتَ سَماءٍ مَعْصورَةٍ كقَمِيصٍ مَغْسولٍ دونَ صابون. نحنُ من واريناهُ تُرابَ التَّلِّ وصَلَّيْنا عليهِ في العاصِفَةِ الشِّتْويَّةِ. ما زِلْنا نَصْعدُ مَرْقى ذاكَ التَّلِ المَهْجورِ، لنَراهُ يَجلسُ وحيداً بلثامهِ فوقَ قَبْرهِ، وبِمواجَهةِ البلادِ الَّتي نَسيتْهُ تماماً: يُقشِّرُ النّورَ بأصابعهِ، ويَحْشرُ العالَمَ في كومَةِ تِبْن.

 

لم يكن هناك

طَرَقُوا بَابهُ يوماً، وأَهْدُوهُ تابوتاً من حَدِيْدٍ. ولكنّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكْ. غَطَسُوا في الأنابيْبِ، كي يُباغِتُوهُ عندَ الحنفيَّةِ. مَنَعُوا عنهُ خُبْزَهُ اليومي. تَهامسوا عنهُ في الظلام. قلبُوا حياتَهُ. شَطَبُوا اسْمَهُ. أجلسوهُ على الرصيف. حَطمُوا شُعْلَتَهُ ومزقُوا محبّتَهُ، ولمْ يستطيعوا نَزْعَ وردةِ الصَّمتِ من فَمِهِ. ألَّبُوا الكلابَ كُلَّها ضِدَّهُ، حتَّى تلكَ التي كان يُرَبيِّها في بيتهِ. طعنُوا حياتَهُ ألفَ طعنةٍ. حاصروهُ بينَ مَخْرَجٍ ومَخْرجْ. قالُوا بأنَّهُ ماتْ. دُفِنَ. وانتهى أمرُهُ.

إلاَّ أنهُ أيضاً لَمْ يكُنْ هُناك. لم يكُنْ هناكَ بالمرَّةِ. كانَ ينشرُ قُلُوعَهُ في قارةٍ بعيدةٍ. يستحمُّ في زَمَنٍ حَيٍّ ويتنفَّسُ كحُوْتِ المُحيط. وكانَ ينامُ في أيقُونةِ طَنْجَة، مع مِلْيارِ حُلْمٍ تحتَ الوسادَةِ. يَنْثُرُ رَمادَ ماضيهِ من عُلُوِّ ” رأسِ سْبَّارْتِيل” ، ويُفْرِغُ مَثَانَتهُ على فيلمِ الصحراءِ البغيض. يَغْسلُ عُيُونَهُ بالبَرَدِ القادمِ منْ وراءِ البِحار. ينظُرُ منْ سطْحِ نُزُلِ ” الفلانْدريةِ”، لصديقاتهِ يتواريْنَ في الزُّقاقِ كفصيلِ إعدامٍ. يُشْعِلُ غُلْيُونهُ، ويقُولُ لنفسهِ:

هنا أعيشُ وهنا أُدْفنُ!

ينزلُ بهدوءٍ في هَبْطَةِ شارع البولفار، حيثُ البَصَّاصينَ على كراسيهِمْ كالعادةِ. يَمشي مُنتشياً مع سِتِّ قناني” سِبِّسْيَالْ” تفُورُ في رأسهِ. يُصافِحُ صديقاً أو صديقينِ، عيونُهُم أَصْفى من القرطاس. يشتري صَحيفةً، وخبزَ كومير، وعجينةً صفراءَ غذاءً لدماغهِ. يُنادي على العَسَّاس إدريس في دَرْبهِ. يُنْقُدُهُ خمسةَ دراهمٍ كي لا يعوى في الساعةِ الواحدةِ على ذئابِ اللَّيلْ. يكتبُ قصيدةَ الرَدْمِ على ضوءٍ خافتٍ. وفي الصباحِ، وفيما العَبّارات تمضي نحو ضفافِ أسبانيا وتؤوب، والأمطار تهطلُ كنِعْمَةٍ لا تُرَدُّ. يَقطعُ الشاطئَ الطويلَ على حِصانٍ واحدٍ مع مَلِيْكَتِهِ، ويَرْمِي فُتاتَ الخُبْزِ للطيُورْ.

هضبة عالية على طريق منطقة أشقر في طنجة.

 

 

 
 
 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى