01/09/2008

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

جوع يتسلق:

ماجد عتيق

bt_m@windowslive.com

 

 
 
 

دمي مشرع للتحول والانتصاب

كنتُ كمن خاطَ ثوباً ليس بحجمه ، ميّالاً نحو الفراغ والوحدة ؛ حين أتت وليس في أسفلي كسرةُ شهوة ، كنتُ خاوياً ، أرقب العاشقين خائفا ،وأركض مفزوعا لأسكب رغبتي وحيدا .. كما أتيت ؛ كيف أتيت أيها التعيس وأنت حُرقة نهشت ذاك النفق بكل روائحه اللزجة لتُضّخم الدوائر بلا كلل ؛ كيف أتيت وأمك تهدج " هذا الكئيب أتى بغير تخطيط مُسبق .. أتى غفلة ، ليموت في رحمي كعجينة فاسدة!"

 ما أعرفه وتعرفه ، أنك أتيت .. تحت سطوة الجوع وفمك مُثقلٌ بحكايا النساء حين يفرزن " الملوخية" وأمك ترفسك بقدمها لتعلن سخطها الأبدي عليك ؛ كنتَ هكذا تُفسد لذة الحديث عن الجنس وكيف أن شقوق " الجارات" لم تملأ بعد، كنتَ ترفض السكوت وأنت " عِلكٌ" تمضغه جارتك  أم سليمان تحذر أبناءها من الحديث معك حين تفرسخت طولا واخشوشن صوتك الهادر وأنت تراهن مع نفسك أن نصف جارات " الملوخية" و"حلل المحشي" كنّ في درجات لهفتهن المئوية ، لقد كن هائجات نحو يديك لتصطدم بمؤخراتهن التي تكورت ثم انبعجت جلوسا ونهشا في أواسط الليل وهنّ غائبات .. غائبات !

كبُرت؛ وليتك ظللت مغروزاً في "حوش" البيت تداعب خيالك وتلك النظرات إلى " الجارات" ؛ من توهج عيني " أم محمد" ورائحة الياسمين التي تفوح من جسدها.. تعرف أنّها كانت رطبة تلهث ليلة البارحة ، وفي كل " شهوة" رطبة .. اعتلاء مُقدّس!

كَبُرتُ؛ وهذا ماكنت تبغِ .. ولكنك خائب .. يارفيقي !

ستحكي عن كل من مروا بقصد وغير قصد ، و الحادي سيمهد الجحيم لك لتأنس وحشة ؛ ستحكي ويدك مثقلة بالمسِّ الطاهر و ذاك المساء الماطر حين هربت بعيدا عن تلك الروائح والذكريات ، منزوياً عن قدرك الصغير

ستحكي .. وتحكي !

 

 

 

تراب سميك:

حين نبت الشعر بغير انتظام في ساقي الملتويتين ، نبتت "رحمه" مع بصيلات شعيراتي النافرة ، ظهرت احتجاجا صارما على نضوجي غير المرتب ؛ تَشُكُّ قلقها غرزة غرزة في ظهري العاري وتندب حظها على رمل جلدي الحارق ، لتقول لي " لم تك طفلا ذات يوم أيها المتعثر بأمري" ؛ لم تعرفني امرأة كالطقاقة "رحمه" ، كانت تَجُسُّ بواطني وأنا الطين تجسمه خلف غرفة سطح بيتها ؛ كنتُ يارحمه صرخة نزحت من باطن قدم أمي ، أتيت مطرا طائشا لأصيب بي من أشاء ؛ تسقط بين يدي وتئن تلك الرحمه !

بدأت معرفتي بـ"رحمه" وأنا أفاوضها على تخفيضٍ أحظى به وأفرح به قلب أمي الغاضبة علي ؛ كان موسم تزاوج ذات صيف ، وأخي الذي يكبرني بعشر أسِرّة قد حسم أمره ليسجل دفقاته في كشوف هذا الوطن الخائب ؛ لم ترحم توسلاتي هذه الـ"رحمه" ، كانت مصرة على على قبض نصف المبلغ مقدما ونصفه متأخرا كما يليق بها ؛ قلت لها " يارحيمة قلبي .. اتركي خمسيمة لي وأنا راح اسنع أمورك في زواجات ثانيه " ، وبعد جدل وتوسل وافقت ؛ مضت تلك الليلة على خير و"رحمه" تمرن صوتها العميق في حفلة زفاف أخي ، كان صوتها يقع في منتصف "التون" ، قويا ، مخضبا بالتعب ، كأنه السحق !

وفيت بوعدي ، وتوالت الحفلات على " رحمتي" وكنت أحظى بقربها الحميم ، وكان الألم يمر بيننا وأنا في لجتها غارق .. غارق ؛ وكما يليق بازدحام هذا الكون العظيم ، كنت أفرط كره أمي لي ، ولوعة " الجارات" الكبيرات على خرز ظهرها المصطف ؛ لقد كنت لا أرتوي وكأنّي أركض في تلك الصحراء هربا اليها ؛ قالت لي ذات ازدحام " يانور عيني .. تعرف " فيصل" اللي يغني معنا؟ له كذا أسبوع زعلان ومتكهرب عشانك تنام معي .. مشى وتركنا ، شرايك تغني بداله؟ " وقبل أن أقول تممت قولها " وكل شي بحقه ، تعرفني حقانيه بزود" !

وبكل حقدي المحقون في قلبي ، كنت في غرفة خارجية أردد معها " تغلّى ياسيد الغنادير" وأتمايل مع رنّاتها و" غزال يمشي على هونه" ؛ وعلى شقشقة الضوء الغادر ذات صبح قلت لها " رحيّم .. تكفين ماأبي أروح لزواجات وخرابيط ، أنا أبي حفلات مفتوحه على البحري ؛ في الزواجات أجلس كأني قرد بالغرفة اللي برا ونلعب عليهم ونقول لهم هذا دق إسلامي ، وفرج مدّهر بالأورق " ، تعلعل ضحكتها وتهمز لي بركبتها " ولايهمك ياروح رحيّم .. نخلي المعفن فرج يغني في الزواجات" !

كنت في السابق لا أحضر البروفات معها ، ففي حفلات الزواج كنّا نغني من طرف اللسان ، كان الدور الأكبر على " الطيران" وبعض "دخلات" أورق " فرج" ؛ لكن الأمر مختلف تماما في الحفلات الخاصة ، كنت أتدرب معها على أغاني " محمد عبده" ، كنت أناشدها " مابلاش .. فكينا واللي يرحم والديك من أبو عبده .. ماأقدر أغنيه والدخان ذابحني " ، تشير الي بالسكوت حتى تقضي وطرها لتقول " هالبطرانين يابعدي مايحبون يسمعون إلا محمد ، برستيج ياشعيرة قلبي" وتكتم ضحكة لتخرج كصوت الريح " إن كنت تعرف معنى برستيج" !

بعد أكثر من ستة أشهر ، مللت ككل الرجال من " رحمه" ، كنت ألمح في جوانبها بقايا الرجال الشُبّق ؛ هنا ولدت " حقارتي " التي لازمتني أبد الدهر ؛ كنّا نجتمع أنا و "رحمه" كضفيرتين سميكتين في رأس طفلة لم تعرف طريق " الفوط" بعد !

أخذت كل حزني وكذبي ، وتركت لـ"رحمه" حقارتي .. ورحلت !

 

 

 

ذباب:

" أبو سعود" ، ذاك أنّك أتيت حيث لا يجب .. أتيت متقدما ببعثرة قدرية ؛ أدور في "الحارة" وهو بجواري ، في سيارتي التي أشتريتها من فيض حفلات " رحمه" حين تركتها في اللا منتصف ؛ كنّا " نمزمز" السجائر ، تلك الرئة الثالثة ، حين تدربنا على الهواء البطئ ؛ و" جسّ النبض زين .. ياسعدي" و" أبو سعود" يشير إلى صدره المتورم ضلوعا ، صدره الذي كأنه الجمر ؛ كان مرتحلا ولكن الضيق الذي بجوانحه أقعده كسيح العظام ، يمتص الضوء والحب كبقعة سوداء !

كان لأبو سعود أحد عشر أخا وشمس واحدة غائبة ؛ لاتعمل كلّ حواسه جيدا ، نصف معطوب .. كان أنفه لايميز الروائح ، لم يعرف يوما كيف يسحب الهواء الفاسد من أنفه .. يفتح فمه لكل شئ ، لها ، للعابها .. وللذباب !

يا للذباب! وهو ينسف مبدأ الذوق خلف أجنحته؛ يباغتك حيث  لا كنترول لديك ، يحاصرك حيث  لا بلل ، صوته مازال في أذني يا" أبو سعود" ، أستيقظ في منتصف الليالي المتضائلة لأسقط كشوال فارغ من على سريري ، هو صوت " الذباب" وهو يطوف سبعا تحت إبطيك المنفرجين للهواء الرطب ونحن في سبات تحت " الكبري " ؛ تلك " الكباري" يا أبو سعود تعجّ بتلك الروائح التي لاتعرفها ، تحسس التراب تحتها جيدا لتشعر بالحياة .. لتشعر أنك تدبّ كما النمل !

نادرا مايقول " أبو سعود" مايجيش في فؤاده ، كتوم كبقية الحائرين ، ككل المهمشين على قارعة الضجيج الذين لا يعترف بهم ؛ ونحن على " شبّة ضو" قال لي والدخان يعجن أنفاسه المتناهية لهبا .. أشعر بخوف ، برهبة ، وأنفي لا يميّز الروائح جيدا ؛ كنت أعفر أنفي بنحرها ولاأشتم ؛ أنظر الى أنفي فأتذكر مأساتي ، لذا لا تجلب لي المرايا .. أنا في هذه الحياة كمن حضر سهرة ليس بحجمها ، ولم ينسحب .. لست حسيّا كما يجب .. ياصديقي ، كنت في أعالي حينّا أمارس سرقاتي الصغيرة ، ذاك أنا .. لاقيمة للورود في حياتي ، لاقيمة للياسمين ، كل هذه الروائح زيف .. مايبقى ياصديقي هو التلّمس .. معرفة الأشياء وخلقها بين أصابعك وأنت ترتعش ولسانك يتدلى كالعناقيد .. الأشياء يارفيقي ، تفقد قيمتها حين تعرفها عن طريق الأنف .. تحتاج الى تنقية ككل هذا الهواء الذي يلتصق بشعر أنفك .. حينها تأتيك متناقصة ، بشهقة ، بحرقة دامغة .. جرّب أن تفتح فمك لكل هذا الصقيع ، لموجة هواء حار ، ستعرف أن كل شئ تجلبه رئتاك يأتيك عارٍ تماما .. جرّب أن تعطّل الأنف قليلا ، ستهتز رئتاك في البدء ، تعقبها نزغة لاهبة .. لكن تبقى أنت شيئا عصيّا عليها .. ستتحكم بها جيدا وأنت تغلق الطريق بشفتيك لتحاول هذه النسمات التسلل عبر أنفك الذي ي عمل .. هو الكنترول الذي لانملكه أمام الذباب .. هل تذكر الذباب؟ .. تذكره أيها اللعين وأنت تهشه بيديك وهو في إذعان مدروس يستمر في استفزازك .. حينها تكون كلّ حواسك مجرد تمرين فموي؛ كنت مرتبكا أمام أنفي الذي يقف كالحجرة في أعلى وجهي ، كدملٍ .. لا أعرف لم تكوّن ؟ .. ماأعرفه أني لا أريده .. سأتخلص منه .. سأقطعه بيدي وأقذفه للسماء لئلا يسقط على وجهي أخرى " !

خمس سنين وأنا أتذكرك يا"أبو سعود" كطعم الملح والحزن .. وبقايا ألم أسنانك المتقاطعة !

"
أبو سعود" .. مات كثيرا .. والله !

 

 

جوع يتسلق:

تَقطّرت تلك الدمعات لترسم مسارا مغايرا ، باتجاه عينيه ، تعود للمحاجر ؛ تلك بضاعتك ياعيني ردت إليك .. تمر دمعاتك يا "بدر" كشئ تافه ، كمحاولة بائسة منك ؛ كنت يا بدر كطفل يحاول التحكم بقلمه ، يرسم خطا مائلا بعد ثلاث سنين ، يرسمه من قاع الصفحه مخالفا قناعات القلم ، وناموس الورقة .. "بدر" قالتها لك محبوبتك التي قبلت رأسك وأنت تنهي علاقتك معها بنهاية درامية ، تسحب نفسك كقطعة حرير موشى تترك القشعرة على العنق وهي تتساقط خيطا خيطا ؛ كان شعر رأسك مبللا بدمعها وكانت أنفاسك المفلوتة من صدرك تريحك كثيرا .. كثيرا ؛ كانت تقول لك وأنت تخبرها أن " الخبيث" يفتك برأسك لتهرب من بوابتها الكبيرة دون أي التزام ، دون وعود لصاحبة الحقل الأصفر ، لتعطل خاصية " الانتظار" في هاتفك ، " بدر .. واللي يرحم أبوك .." وهي تواصل الشهيق متحورا في أذنيك إلى صافرة قطار ختامية ، ذاك هو النداء لتأخذ أوراقك في " كرتون أولويز" واضعا ملحك على جرحها ؛ لم تسطع إلى ذاك يابدر سبيلا وضوء النساء يحرقك !

تركتَكُ يا"بدر" على عتبة بيتها؛ لتلج مخترقا تلك الشهوة السوداء المنقطة على أدنى تنورتها؛ لم أحضرتني يا" بدر" وكل ذاك القلق الساخن على عنقها رائحة سمك؟ وأنت تنادي علي بأن أعود .. " لاتذهب فهي تنوء بحمل شبقها!" لم يا"هيا" لم تخبريني بأن رائحة السمك تغازل بحارا مثلي بأن يعود ألف .. ألف مرة ؟ ، لم لم تتوقفي حتى نزفتِ وماؤك يغرقني ؟ .. متناسيا رائحة جسدك بعد حمام عطري ، لألتجئ الى رائحة السمك في عنقك .. هو قلقك وقلقي يقذفنا و"بدر" حائر بيننا ، يدور كطاحونة وكل الماء يتجه إلي .. إلي فقط!

"
سأهاجر .. لابد من أن يأتي يوما .. أترك فيه كل شئ ، كل هذا الملل ، وأسفح التعب على الأرصفة ؛ سأفعلها .. صدقني " !

مرت عشر سنين وكنت أحدثك يابدر قبلها " مكانك هنا .. ليس هناك" ؛ مضت وأنت ترتشف أشعة الشمس وحدك ؛ لا أتلقى منك سوى تلك الصور وأنت تبخل علي حتى بسطر يتيم لأعيد به ترتيب بوصلتي لئلا أفقد اتجاهك .. الوحيد!

عشر سنين .. لتعود إلى خانة الصفر ، ضامرا كتلك الأثداء العطشى .. لم تعد،

وجوعك يتسلق هذا الكون .. لم تعد، ولاشئ يغري بالحب والكتابة بعدك أيها اللص!

 
 
 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى