|
هناك ، في (الفريج)
، كنت صغيراً .. لكن عيوني ، تمرست على التقاط صورا
للمكان . ولهذا .. بقيت أمحلق في مفرداته . أجلس في
ساحة الدار .. أراقب حركة أمي وأدون أنفاسها وأنتظر
أقدام أبي ـ رحمه الله ـ أسجل دخوله بقامته الفارعة
وأرتمي في ربوع ابتسامته .
مرات عديدة ،
أتخير إحدى زوايا الفريج .. وأجلس .. أطلق لخيالي
العنان : أتأمل أشجار السدر .. راوية حكايات الجدات
وأسرار الزوايا الحادة والمنفرجة بين تعرجات الأزقة ..
وعندما أحس بفحيح الضجر .. أشاكس شجرة اللوز .. حارسة
باب منزلنا المتواضع .. أهزها .. أحاول الوصول إلى
قمتها .. حتى أعانقها وأغفو ...
كنت أسترق
اللحظات .. أنظر في وجوه المارة .. وحين لا أكافأ
بابتسامة ، أنكفئ إلى الأمكنة .. أطرح عليها أسئلتي
الملونة التي كثيرا ما تأبى المثول لإلحاحها وتشبع
فضول شهيتها .
في الحلم ..
أطير إلى فضاء المدينة . هنالك .. أعلق همومي على رصيف
هادئ . أستريح من عناء الحياة .. وما يكاد الصبح ينبلج
، حتى أحمل حقيبتي المليئة بكتبي وأحلامي .. أسير
سراعاً إلى المدرسة ، وكثيرا ما تغوص قدماي في الرمال
.. وقتها .. أحس بأنني أكبر وأن المكان يتماهى مع
الزمان الذي ينفر في عروقي وعيوني .. ولما بلغت ..
هربت إلى البحر .
لقد كانت لي
معه صولات وجولات لا تنسى .. هنالك .. عانقت الأمواج ،
فارتحلت في أنفاسي بمودة فائقة .. وكم حكيت للبحر قصصا
عن العشق ، وكم اختلفنا معا .. فأعانده ، ويغضب ..
فأدير له ظهري لأيام معدودات ، ثم أعود .. لأنني طيب
ولأنه لا يمكنني أن أخاصمه طويلا . هو يبحر في المدى
البعيد ، وأنا .. أبحر في عيون النساء ، والأصدقاء ،
وأترك عينا أمي .. وشما ، في سويداء القلب ...
درب السفر ..
يعرفني وأصدقائي ، ويطرب لقصائدي التي تفضح همومي
وفورة انفعالاتي .. فللطريق حكايات ، ومفاصله تعرف
خبرتي في خباياه . والمقهى .. مأواي في الضجيج الذي
يُخفت صوتي ويدفعني لكي أراقب حركة الأيدي والنفوس ..
هل أقول سرا إذا أفصحت عن علاقتي بالفجر ؟!
عندما أستلقي
على الرمل ، لأغتسل بخيوط الشمس وأتطهر بتغريد الطيور
وعبق يوم جديد . أكتب المكان ويكتبني .. فنحيا .
أحتاجه كما الأحبة .. ولولاه ، ما استطعت ترتيب أوراقي
.. و ...
منذ طفولتي
.. أقذف بدهشتي على وجوه المارة ، أسألهم : هل مر جدي
على هذه الأمكنة ؟! أسئلة كثيرة في .. كصبحي المتفجر
في دمي ، مثل عنوان !! |