|
(1)
فجأة ودون أي مقدمات كانت ربما لتساعده على تحديد
بداية زمانية لانتقاله وجد نفسه هنالك . أحس في بداية
الأمر بقدر كبير من السكينة والصفاء الذهني فاطمئن
قليلاً .
مغمضاً عينيه تأوه بعمق فأخرج زفرات من
حمم كان قد امتلئ بها صدره . أحس
عندئذ
بنشوة غريبة تسري بين ثنايا جسده وعقله
. لم يعرف هذا الإحساس من قبل؛ فقد عاش حياته القصيرة
هناك " على قلق كأن الريح تحته " كما قال " أبو الطيب
المتنبي " الذي عده دائماً شاعره المفضل وشيخ مشايخ كل
من حلم وضيعته أحلامه.
(2)
بجفون أثقلها التعب أخذ يفتح عينيه قليلاً فوجد نفسه
محاطاً بطوفان من الظلال الضبابية يختلط فيها ويتداخل
ما لا طاقة له على إدراكه وتمييزه من الأشكال والصور
والأفكار.
لعل القاسم المشترك الوحيد بين كل تلك الرؤى المتداخلة
التي تمر أمام عينيه, أنها وثيقة الصلة بحياته هو,
وترمز إلى شيء ما مر به أو عاشه هناك. الغريب في الأمر
أنه ما أن يتمكن من الإمساك بزمام أحداها أو قنصها حتى
تولي هاربة تعقبها أخرى إلي ما لانهاية. شعر بضيق لذلك
الأمر ؛ كان يود لو أتيح له أن يمعن النظر من هنالك في
كل ما جرى له وعاشه هناك ليعرف فيما أخطأ وفيما أصاب
, لعله يتوقف عن ممارسة جلده المتكرر لذاته محملاً
إياها المسئولية الكاملة فيما آل إليه حاله , ودفعه
دفعاً للرحيل هروباً من كل شيء .
(3)
لقد تداعى عالمه هناك يوم قررت " هي " إنهاء علاقتهما
؛ فمنذ أن ألتقاها أصبحت أقصى أحلامه أن تظل قريبة
منه , بل كان هذا هو حلمه الأخير الذي أعطي معنى
لوجوده , بعد أن هزم على جميع الأصعدة وسئم الأحلام
الكبيرة , بل سئم الحياة كلها, لكنه هو أيضاً كان
حلماً طوباوياً لا يعرف حقائق ومقتضيات الواقع والبيئة
المعقدة التي عاشا فيها .
فوجئ بها ذات مساءٍ تأتيه قائلة :
رغم كل ما احمله لك من حب يجب علينا أن نفترق ؛ لأننا
تلاقينا في الزمن الخطأ , لن تستطيع أنت أن تنسى حياتي
وما حفلت به من أحداث وأشخاص قبل لقائي بك. أعرف ذلك
جيداً , وأعرف كذلك أنه لا أمل لنا في بيت هادئ يضمنا
معاً , لأراك أمامي دائماً مبتسماً هادئاً شموخاً
كعادتك , رغم كل ما مر بك من هزائم لم تنحن بعد, ربما
أنحنى قلبك قليلاً وسئم العيش , لكنك أنت لم تنحن. هل
تعلم أن طفلاً منك كان غاية أمنياتي ..؟ طفل له نفس
ملامحك وسماتك , سمرة وجهك , دفء وعذوبة صوتك , صفاء
روحك القلقة . ولكن أين مني هذا الحلم ... ما أبعده
عني .
لازلت اذكر جيداً تلك الليلة التي
تلاقينا فيها للمرة الأولى, كنا في احتفال ضم بعض
الأصدقاء المشتركين بيننا . ليلتها لم تبد
أنت
تجاهي أدنى اهتمام يذكر, أنا من كانت نجمة الحفل وموضع
اهتمام الجميع .. !
اذكر أنك حييتني برقىٍ شديدٍ منحنياً قليلاً, ثم
تجاوزتني بضع خطوات لتجلس مع صديق لك. لم يدم مكثك
بيننا طويلاً, حيث وقفت تستأذن صاحب الاحتفال في
الانصراف. وأنت تهم بالخروج تلاقت عيوننا, فشعرت أنا
باضطراب غامض وارتفاع في دقات قلبي, لعل مبعثه في ذلك
الحين هو تألمي لذهابك واحتمال أن أفقدك ولا أراك مرة
أخرى. كنت أراقبك وأنت جالس هناك وأتأمل وجهك, فأشعر
أني في التو واللحظة قد وجدت شيئاً قد فقدته ولا أعلم
متى. شيئاً كنت ابحث عنه منذ أن وعيت و ها هو الآن بين
يدي.
لا أعرف كيف أسرعت تجاهك, استوقفتك قبالة الباب, عندئذ
نظرت إلي مبتسماً ومودعاً.
قلت لك: لماذا لا تبقى قليلاً لا زال في الحفل بقية ؟
فاعتذرت لانشغالك بأمور هامة .
كنت طيلة حديثنا تتجنب النظر إلى عيني, فسألتك : لماذا
تحدثني وأنت مطرق الرأس ؟
ممَ تخشى ..؟
فأجبت : أخشى النظر إليك دون أن أمد يدي لأحتويك أو
استكين في صدرك, لذلك أهرب منك ؛ ألا تعرفين أن المرء
يهرب من الأشياء التي لا يستطيع مواجهتها ؟ . وأنا منذ
رأيتك اشعر بإنجذابٍ شديدٍ إليك , ويراودني شعورُ
غريبُ مؤداه, أننا قد تلاقينا من قبل وعرفنا بعضاً
جيداً . من المستحيل أن يكون هذا لقاؤنا الأول..؟! .
يهيئ لي أننا تعارفنا في أزمنة قديمة , و عشنا سوية
سعيدين لسنوات عديدة حتى فُرق بيننا , ومنذ ذلك الحين
ونحن يتطلع ويبحث كل منا عن الآخر , وها نحن نلتقي
الليلة , فكأن الأقدار قد شاءت أن تصالحنا وتجمع
شملنا من جديد بعد طول اغتراب كل من عن الآخر , وإذا
شاءت الأقدار فلا مهرب من تنفيذ مشيئتها .
(4)
كانت امرأة استثنائية ؛ تحملك بمجرد رؤيتها والحديث
معها إلى أجواء قصور العباسيين , فكأنها قد خرجت للتو
من بين صفحات " كتاب الأغاني للأصفهاني " . أجمل ما
فيها دفء روحها , وملامحها الشهرازادية ؛ فهي " حكاءة
" باقتدار لها صوتُ رخيمُ شجيُ , هو أشبه ما يكون
بجزيئات لانهائية الصغر من الذهب التي تتخلل عبر
تصدعات وشروخ الروح فتجبرها .
تلاقينا بعد ذلك مرات عديدة, وبنزوع المحب المشتاق
الذي ظل طوال عمره يبحث عن نصفه الأخر حتى وجده,
اخترقنا معاً جميع الآفاق. فانتقلت حياتنا من النقيض
إلى النقيض؛ من الزهد في الحياة إلى الولع بها , ومن
التكاسل إلى الجد والعمل , ومن التشاؤم التام إلى
التفاؤل المطلق .
لقد هزتنا تجربة لقائنا على هذا النحو؛ فكأننا مررنا
بتجربة صوفية حادة أزالت عن عيوننا الحجب, وكشفت لنا
عن طريق ومعنى جديد للحياة , فشربنا من كاس الحياة حتى
الثمالة , وحطمنا الحائط الفاصل بين الخيال والواقع؛
فقد كان كل منا يمثل للآخر تجسيداً عينياً لكل ما حلم
به وتخيله, وها هو يجده ماثلاً أمام عينيه. وبحضوره ظن
كل منا أن مصاعبه ومشاكله المؤرقة قد انتهت وأنه في
قادم الأيام ستتغير كل الأمور إلى الأفضل.
(5)
بالطبع لم يجر بنا نهر الحياة على هذا النحو الذي
حلمنا به وتمنيناه؛ رغم كل السعادة التي عشنا فيها كان
من السهل دوما رؤية ظلال قاتمة تستوطن روح كل منا, لعل
مبعثها يقيننا التام أن دوام الحال من المحال.
وقد لعب ماضيها الذي عاشته قبل أن اعرفها دوراً
مركزياً في تعكير صفو حياتنا؛ فشبحه ظل يرف حولنا
ويفسد علينا أجمل لحظاتنا.
أدرك الآن أنني أتحمل المسئولية كاملة عن ما آل إليه
حالنا ؛ فالرجل الشرقي- مهما أوتي من ثقافة - لا يزال
أمامه الكثير من الوقت حتى يدرك أن ماضي المرأة هو شيء
يخصها هي, وأنها مسئولة أمامه فقط عن حاضرها ومستقبلها
معه . كان علي أن أسمو على ذاتي وقناعتي وعلى تقاليد
مجتمعي البالية . كان يتحتم علي أن أؤمن بقدسية الحب ,
وبقدرته على تطهيرنا , وبأنه طريق الخلاص وطوق النجاة
الوحيد الباقي لنا في هذا العالم .
أكان يجب أن نفترق.. ؟!
كان حبك
مدار حياتي وعندما رحلتِ
لم يعد لبقائي هناك مبرر, وها أنا احلق في تلك
الأجواء الضبابية التي تحيط بي, لا اعرف لنفسي سماءً
ولا أرضاً
. اشعرُ أن الهواء الذي أتنفسه ثقيلاً
كئيباً خانقاً, لم يعد هواءً أثيرياً بل غدا شيئاً
صلباً ملموساً يمزق صدري عندما يمر به. حتى زماني وأنا
بعيد عنك
يسير ببطء, وكأن عجلته قد توقفت عن الدوران.
هل أنا ميت .. ؟ .
يخيل لي أنني كذلك . بل ربما أني بعدك
أعيش موتي بعد أن مات حلمي بها. ثقل هذا الزمان
يخنقني, أريد أن أعود إلى زماني, لا بل إلى زمانك
أنت
.
(6)
تدريجياً اخذ يفيق من تلك الحالة التي مر بها, لم يعرف
تحديداً هل ذهب في غيبوبة أم راح في نوم عميق. كان
يشعر بدوار في رأسه, فأسرع إلى مطبخ بيته ليعد لنفسه
فنجاناً من القهوة, وما أن استعاد وعيه حتى أسرع في
ارتداء ملابسه وتوجه إلى بيتها.
حين مثل أمامها قبل يدها معتذراً عن كل ما سببه لها من
ألم, قائلاً:
اغفري لي جهلي و ضلالتي , لنجعل حبنا
طوفاناً يطهر الأرض و يطهرنا , لنخلق عليها أسطورتنا
الخاصة التي سترويها الأجيال من بعدنا ؛ فعني وعنكِ
ستقول أساطير العالم الجديد
بعد الطوفان:
التجأ إليها , فلملمت شتات روحه ,
وحالت بينه وبين الموت , ووهبته وطناً وسكناً . ومن
فيض قداستها, جعلت لكل شيء في حياته قداسة؛ الأرض
والسماء والحب وحتى طقوس وحرارة اللقاء. وحين عم
البلاء والقهر
والعهر بالأرض وحل الطوفان, أُوْحي
إليهما باللجوء إلي رابية الحب فكُتب لهما
النجاة. وبعد أن انحسرت مياه الطوفان
و خلا وجه الأرض من كل حي , أُذن لهما بالعودة إليها ,
فآبا
سوياً إلي أطهر بقعة بجنوبها , ومن
موطن الطهر الجنوبي هذا ابتدأ معاً مسيرة
الإنسانية من جديد,
فكانا بحق أدم وحواء بعد الطوفان
ابتسمت
متعجبة من فصاحته وقدرته على التعبير عما يشعر به .
أما هي فلم تجد كلمات تقولها , فمدت إليه ذراعها
لتحتضنه وتضمه إليها , فأحس أنه قد عاد للتو إلى أرضه
, وتعجب من سماحتها, وأن لم يكن ذلك غريباً عليها فقد
كانت دائماً كأمها الأرض حنونة خصبة تعطي بلا حدود. |