01/05/2008

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
سيرة مكان
أحمد سالمين - كاتب وسيناريست إماراتي

asalmeen@hotmail.com

 
 

 

جسر رأس الخيمة ، أو جسر الولادة و الموت ، أو جسر العبور الأول و الأخير .. تسميات كثيرة تطرأ على الذهن من وقتٍ لآخر . ذهني أنا بالتحديد . و ليس في ذلك إطراءٌ لي ، أو لذهني الممسوس بذكريات تتصل مباشرة و هذا الجسر العظيم . هذا الجسر المضحك و المبكي في آن . هذا الجسر الذي فكرت في الكتابة عنه - و لم أكف . هذا الجسر الذي ما تزال رؤيتي له تثير زوابع من التهكمات ، و أحيانا أعاصير في مخيلتي المهووسة به ؛ لعلوه . لتفرده . لوحدته . و لكل شيءٍ فيه ......... و ليس فيه .


في عبور أول :

 ...... همس في سمعي صديق ، قال بان هذا الجسر يشبه في كآبته جسر التنهدات في مدينة البندقية بإيطاليا ، سألته كيف . قال : هل توجد جنازة تخرج من بيت في رأس الخيمة ( المدينة ) لا تعبر من فوقه ؟ قلت : أغلب ظني ( لا ) . قال : إذن فهو كذلك .
تذكرت حينها أن لي عمّاً داهمته سكةٌ قلبية فوق هذا الجسر ، فكانت سببا في موته السريع . و انتبهت أيضاً ، أن من فوق هذا الجسر كانت مواليد المدينة العجوز تعبر في مواكب صغيرة من الضفة الأخرى إليها ، يوم كان مستشفى سيف بن غباش مقراً رئيسيا لكرنفال الولادة و الموت في الإمارة ، و تسائلت حينها ، أهناك من عبر من فوق هذا الجسر و هو رضيع بين يدي أمه يوم ولد ، ثم و عبر من فوقه جثماناً في نعش إلى الضفة التي جاء منها لأول مرّة - يوم مات ؟!
ثم تسائلت ، ما وجه الشبه بين من مرّ إلى المقصلة عابراً جسر البندقية قبل قرون ، و آخرين ما زالوا يمرّون يوميا إلى لحودهم عابرين جسر رأس الخيمة كل يوم ، أو كل أسبوع ، أو كل شهر ؟
أضفت بعد غطسة تفكير عميقة ، حقّاً ؛ إنه جسر التنهدات ، و لكنه أيضاً كان جسراً للتمنيات


في عبورٍ ثانٍ : ....

كذب علي صديق ، و لست أدري إن كان صادقاً ، أن هذا الجسر كان مكيدة ، أو كان - كما فهمت - ( حصان طروادة ) محليِّ الصنع ، بحيث يبقي المدينة العجوز في رأس الخيمة عجوزا إلى يوم يبعثون . و أضاف الصديق موضحاً ، أن الجسر رغم علوه لن تستطع ان تمر من تحته السفن الكبيرة في حال أصبح خور المدينة ميناءً حيويا مثل خور دبي على سبيل المثال . و الجسر أيضا لنفس الغاية – كما قال صديقي - ليس جسراً متحركاً .. ضحكت يومها من سعة خيال أبناء هذه المدينة الذين يظنون دوما بانهم مستهدفون ، و بيقينٍ لا يحتمل التشكيك غالبا . قلت في نجواي (( لو كان هذا الجسر متحركاً لقلنا أيضاً أن في الأمر مكيدة ، فقد نقول أنهم أهدونا جسراً متحركاً ليحولوا مدينتنا مستقبلا إلى قاعدة أمركية بالإيجار ((.


في عبور ثالث :

كانت لي دراجة ، وكانت هوائيةً مثلي – أقسمتُ في يوم أن أظهر معها في اللقطة الوحيدة التي يعرضها التلفاز لمدينتي في ذكرى يوم الإتحاد ، و لسذاجتي لم أعرف أنها لقطة يتيمة ؛ لا تحظى في كل يوم عيدٍ بثوبٍ جديد. و لم أعرف أن هناك مدنٌ في العالم لا مكان لها سوى ( الأرشيف ) من ذاكرة الأعياد ، و حين عبرت عرفت أنني أغبى العابرين ، فسقطت و دراجتي ، و تحطمنا معاً أسفل جسرنا العظيم . مر عابرون ، و حملوني معهم في عبورٍ مثخنٍ بالآلام . فأيقنت يومها أن ذلك العبور الخَطِر ، هو عبور المنتصر على أوهامه في بطولاتِ تشبه في زيفها الاحتفال بأمجاد أبطالٍ سابقين ، وعرفت أن هناك ثمة أشياء مثل ( السخرية ) بمقدورها أن تصنع عيداً للمنسيين .


عبور رابع
عبور خامس
و سادس
وسابع
و يمضي موكب العابرين ...

 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى