|
جسر رأس الخيمة ، أو جسر الولادة و الموت
، أو جسر العبور الأول و الأخير
..
تسميات كثيرة تطرأ على الذهن من وقتٍ لآخر
.
ذهني أنا بالتحديد . و ليس في ذلك إطراءٌ لي ، أو
لذهني الممسوس بذكريات تتصل
مباشرة و هذا الجسر العظيم . هذا الجسر المضحك و
المبكي في آن . هذا الجسر الذي
فكرت في الكتابة عنه - و لم أكف . هذا الجسر الذي ما
تزال رؤيتي له تثير زوابع من
التهكمات ، و أحيانا أعاصير في مخيلتي المهووسة به ؛
لعلوه . لتفرده . لوحدته . و
لكل شيءٍ فيه ......... و ليس فيه
.
في عبور أول :
......
همس في سمعي
صديق ، قال بان هذا الجسر يشبه في كآبته جسر التنهدات
في مدينة البندقية بإيطاليا ،
سألته كيف . قال : هل توجد جنازة تخرج من بيت في رأس
الخيمة ( المدينة ) لا تعبر من
فوقه ؟ قلت : أغلب ظني ( لا ) . قال : إذن فهو كذلك
.
تذكرت حينها أن لي عمّاً
داهمته سكةٌ قلبية فوق هذا الجسر ، فكانت سببا في موته
السريع . و انتبهت أيضاً ،
أن من فوق هذا الجسر كانت مواليد المدينة العجوز تعبر
في مواكب صغيرة من الضفة
الأخرى إليها ، يوم كان مستشفى سيف بن غباش مقراً
رئيسيا لكرنفال الولادة و الموت
في الإمارة ، و تسائلت حينها ، أهناك من عبر من فوق
هذا الجسر و هو رضيع بين يدي
أمه يوم ولد ، ثم و عبر من فوقه جثماناً في نعش إلى
الضفة التي جاء منها لأول مرّة
-
يوم مات ؟!
ثم تسائلت ، ما وجه الشبه بين من مرّ إلى المقصلة
عابراً جسر
البندقية قبل قرون ، و آخرين ما زالوا يمرّون يوميا
إلى لحودهم عابرين جسر رأس
الخيمة كل يوم ، أو كل أسبوع ، أو كل شهر ؟
أضفت بعد غطسة تفكير عميقة ، حقّاً ؛
إنه جسر التنهدات ، و لكنه أيضاً كان جسراً للتمنيات
في عبورٍ ثانٍ
: ....
كذب
علي صديق ، و لست أدري إن كان صادقاً ، أن هذا الجسر
كان مكيدة ، أو كان
-
كما فهمت - ( حصان طروادة ) محليِّ الصنع ، بحيث يبقي
المدينة العجوز في رأس الخيمة
عجوزا إلى يوم يبعثون . و أضاف الصديق موضحاً ، أن
الجسر رغم علوه لن تستطع ان تمر
من تحته السفن الكبيرة في حال أصبح خور المدينة ميناءً
حيويا مثل خور دبي على سبيل
المثال . و الجسر أيضا لنفس الغاية – كما قال صديقي -
ليس جسراً متحركاً .. ضحكت
يومها من سعة خيال أبناء هذه المدينة الذين يظنون دوما
بانهم مستهدفون ، و بيقينٍ
لا يحتمل التشكيك غالبا . قلت في نجواي (( لو كان هذا
الجسر متحركاً لقلنا أيضاً أن
في الأمر مكيدة ، فقد نقول أنهم أهدونا جسراً متحركاً
ليحولوا مدينتنا مستقبلا إلى
قاعدة أمركية بالإيجار
((.
في عبور ثالث
:
كانت لي دراجة ،
وكانت هوائيةً مثلي – أقسمتُ في يوم أن أظهر معها في
اللقطة الوحيدة التي يعرضها
التلفاز لمدينتي في ذكرى يوم الإتحاد ، و لسذاجتي لم
أعرف أنها لقطة يتيمة ؛ لا
تحظى في كل يوم عيدٍ بثوبٍ جديد. و لم أعرف أن هناك
مدنٌ في العالم لا مكان لها سوى
(
الأرشيف ) من ذاكرة الأعياد ، و حين عبرت عرفت أنني
أغبى العابرين ، فسقطت و
دراجتي ، و تحطمنا معاً أسفل جسرنا العظيم . مر عابرون
، و حملوني معهم في عبورٍ
مثخنٍ بالآلام . فأيقنت يومها أن ذلك العبور الخَطِر ،
هو عبور المنتصر على أوهامه
في بطولاتِ تشبه في زيفها الاحتفال بأمجاد أبطالٍ
سابقين ، وعرفت أن هناك ثمة أشياء
مثل ( السخرية ) بمقدورها أن تصنع عيداً للمنسيين
.
عبور رابع
عبور
خامس
و سادس
وسابع
و يمضي موكب العابرين
... |