|
(1)
لا يتوجب علينا أن ننكر، وما في ذلك من شك، بأن لكل
واحدٍ منّا مصيره الخاص به الذي يربطه كسلسالٍ بمدينةٍ
من المدن، أو بأكثر من مدينة أو قرية أو منطقة. أي
يربطه بمكانٍ أو ببقعةٍ ما، في هذا العالم. وهذا
المصير في العادة، يأخذ صيغاً متعددة ومتباينة فيما
بينها؛ تترجّح بين الشدِّ والجذبِ والحبِّ والكُرهِ
والاهتمام والسخرية، لدى البشر كافة. فهذه الصيغ
المتباينة من المشاعر والرغبات والمواقف، تظهر لدى
البشر في علاقتهم بالمدائن التي يولدون فيها ويقيمون
في كنفها؛ أو التي يغادرونها ويبتعدون عنها سنوات ثم
لا يلبثون أن يعودوا إليها؛ أو التي غادروها ولا
يستطيعون العودة إليها؛ أو تلك التي هجروها ولم يعودوا
يرغبون بالعودة إليها مطلقاً. كأنما المدن التي نقيم
فيها أو نغادر إلى غيرها، هي من تكتب مصائرنا؛ أو
كأنما نحن من نكتب مصيرها؛ أو كأننا نحن من نصبح
سيرتها وهي من تروي حكايتنا؛ أو كأننا نحن من نروي
حكايتها، وهي من تصبح سيرتنا التي تتدحرج من ذاكرتنا
وأفواهنا ككرة الثلج على الدوام. شيء ما مثل علاقة
الجِلْدِ باللحم، أو علاقة البحر باليابسة، أو الروح
بالجسد، أو علاقة كل هذا ببعضه بعضاً؛ هو ما يفسر
ارتباطنا اللّغزيّ، والحبِّيّ، والجارف، والساخر،
واللامبالي، والرافض، والانتحاري أحياناً، بالمدن
التّي نحبها بالولادة أو بالتبنِّي، بالمصادفة أو
بالاختيار.
لهذا السبب، تعمل كلّ مدينة على توليد نداء سريّ خاص
بها، يحمل هويتها وينطبع في روحها ويبرز في طبيعتها،
ومحيطها، وحركتها، وخطابها، ورموزها، وحياتها اليومية.
إنه نداء ينبعث من قنوات ومسامات كثيرة للمدينة، بعضها
معروف وبعضها مخفي؛ بعضها قديم جداً وبعضها جديد جداً؛
بعضها ضحل وبعضها عميق؛ بعضها قذر وبعضها نظيف؛ بعضها
مزيف وبعضها حقيقي؛ بعضها مغلق وبعضها منفتح؛ بعضها حي
وبعضها ميت. سمفونية أصوات وعلامات ورموز وسرديّات، هو
ما يشكِّل نداء المدينة الواحدة وخصوصيتها. ولكن هذه
المسامات والقنوات المفتوحة، تفترض أساساً وجود جسد
ملموس نشأت عليه تلك المدينة ذاتها وأصبحت حقيقة
واقعة. وهذا الجسد طبعاً لن يكون، سوى الأرض التي
سُمِّيت المدينة باسمها وعرفت بها. إن الأرض هنا، وإذا
ما لاحظنا قليلاً، تلعب دور الأُمّ التي تحتفظ بروح
مدينتها دافئة وصافية. لذا لا ينبغي للمدينة أن تنفصل
عن روحها؛ وإذا ما انفصلت عنها لسبب من الأسباب
القاهرة؛ فإنها تكون قد قطعت رأسها بيدها. لهذا “يبدو
أن الأرض والروح مصنوعتان، كما يؤكد نيكوس كازنتزاكيس،
من المادة ذاتها، وتقومان بالهجوم ذاته”.
(2)
بهذا الشكل، وبحركة واحدة تشبه إضاءة مصباح في الظلام،
نقول: إن نداء المدن الذي نبحث عنه، يتعيّن أساساً في
الحضور الكلّي للأرض؛ أرض المدينة وما يتصل بها على
الجغرافية الواحدة. لا من حيث النظر إليها، بوصفها
سطحاً أو سيركاً أو برجاً أو كشيءٍ مباشرٍ متموضعٍ في
وجوده السلبي؛ بل باعتبارها ماهية خافية للوجود
ومسرحاً لتاريخ المدينة برمتها. فمن الأرض الكوكبية
مثلاً، وإذا ما نظرنا أبعد من أرض المدينة وحدها؛ سنجد
أن من هذه التُّربة نشأ كلّ شيء، وتشكّل تدريجياً،
وتطور عرضياً وأفقياً. ومن هذه التُرْبة نشأ الإنسان،
والحيوان والنبات، والجماد، وعلى سطحها تعيش جميع هذه
الكائنات الحيّة وتموت. ومن باطن التُرْبة، خرجت أشرف
المعادن وأخسِّها، كما تتجمع المياه الجوفية في
باطنها، وتتفجّر البراكين والزلازل من المصهر الناري
للأرض. وفي باطن التُرْبة أيضاً، يوجد أهم ما يميز هذا
الكوكب الجميل، ويحدِّد ميزانه ويمنع انحراف مساره
الكوكبي ويضبط كل ما يوجد فيه وعليه، ألا وهي:
الجاذبية الأرضية على شموليتها الكوكبية، التي تجذب كل
شيء نحو نواة نارها المركزية.
وبما أن عمر الأرض في وضعها الحالي، يراوح وفقاً
للحقائق العلمية الثابتة، بين 4 و5 مليارات سنة؛ فإن
ماهيّة الأرض بهذا الشكل ينبغي النظر إليها بوصفها
“أفقاً قبلياً لكل إدراك” ممكنٍ. وبما أن الأرض أو
الطبيعة بشكل عام، لا تدرك ذاتها ولا تدرك حركة الزمان
ولا تتطور تطوراً تاريخياً. لأنها في وجودها ذاته،
تكون خارج كل وعي أو تجربة. فهي بهذا الشكل تصبح ماهية
غير عاقلة. مثلها بذلك مثل البذرة، التي تكون ماهية
الشجرة وأصلها؛ لكنها لا تعلم ولن تعلم كيف أصبحت شجرة
مثمرة؛ على العكس من وضع الإنسان تماماً. إذن إدراك
ماهية الأرض والعوالم المكملة لها، لن يتم التعرف
إليها إلا عبر الفكر البشري وحده، والذي يظهر عبر
مختلف الترسيمات الثقافية والعلمية والأركولوجية
والمعرفية والحسيّة معاً.
كل مدينة إذاً، تتمسك بندائها الذي هو رمزها، والذي
انحفر من قديم الأزمان في كيانها وروح ثقافتها. وهكذا،
نجدها تتنادى بالرغم من اختلافها في ما بينها.
(3)
ولكن، ليس هذا كل شيء. فهناك أيضاً مدن محلوم بها، لا
نقيم فيها بأجسادنا ولا نصل إليها بالطرق الطبيعية، بل
نتخيل وجودها في أذهاننا ومخيلتنا ونفكر بها ونقيم
فيها حسيّاً وروحياً. إنها مدن أسطورية لا توجد على
الأرض؛ لأنه ما من وجود حقيقي لها على الأرض أصلاً.
إنها المدينة المثال، الرمز، الأمل المخلِّص، الفردوس
المفقود أو الجنّة الضائعة. هذه المدن عادة ما تكون
مصاغة وفق نظرة يوتوبية؛ ك(جمهورية أفلاطون) مثلاً، أو
(المدينة الفاضلة) للفارابي.
غير أن للمدن أيضاً، ومن زاوية مكملة، وجهاً وقَفَا.
جسداً وروحاً. ثمراً وشوكاً. ملهى وملعباً. خلاء
وامتلاء. صحراء ومغارة. قمّة وقاعاً. ولادة وقبراً.
لذا فإن المدينة أحياناً، وإذا ما كبر بطنها فجأة،
تبدو كما لو أنها المتاهة العظيمة التي يضيع في شعابها
الأعمى والمبصر، الطيب والشرير، والملاك والشيطان
معاً.
نعم! أقول نضيع في المدن، حتّى لو كنّا في المدينة
التي ولدنا فيها. حتّى لو كنّا نعرف مساربها ومداخلها،
شوارعها وحاراتها، غاباتها وجبالها، سلالاتها
وحيواناتها، تاريخها وجغرافيتها. وحتّى لو عَلَّيْنا
أكواماً من الذِّكريات عنها، وجلسنا كالرهبان نحرسها
من الاندثار والتلاشي. فإننا بالرغم من كلّ هذا، قد
نشعر بالضياع والتوهان المدوِّخ. نشعر بالضبط، وفي
لحظة من اللحظات، بأننا لم نعد نعرفها، وبأن معرفتنا
بها قد باتت لا تتجاوز سوى ما هو شائع عنها وظاهر
فيها؛ وبأنها أصبحت عصيةً على الفهم والإمساك؛ وبأننا
ابتعدنا عنها كما ابتعدت هي عنّا أيضاً؛ وصرنا غرباء
نتلاطم بأجنحة مكسورة في متاهتها. كأن المدينة -
الطفلة، وإذا ما كبرت، واستطالت، وتوسعت، ونمت
عضلاتها، وانشبكت خيوطها كعقد ثخينة، وتشوهت روحها.
فإنها تنبت لها أنياب ومخالب، ويتحول صوتها الشحرور
إلى ضجيج منفِّر وعواء مخيف.
في هذه الحالة، وعندما تنفلتُ نمور التوحش والفساد
والضياع والجشع والشراهة في المدن، وتكتسح كل ما هو
جميل، وعادل، وفاضل، ورحيم، وإنسانيٍّ فيها. فإن المدن
ساعتئذٍ تتحيون وتصبح مكاناً بلا قلب، وتتخلى عن جوهر
وجودها. تتخلى عن أشرف ما يميزها، ويحفظ نعمة الحياة
فيها. تتخلى عن ذاتها وروحها وعن محبة الأُم التي
كانتها، والتي بها أصبحت مدينة مأهولة في الأساس.
(4)
بين إقامة ومغادرة، وبين سيرة وراوٍ، تتمحور علاقتنا
بالمدن وتأخذ مصائر ومسارب مختلفة ومتعددة. لهذا نجد
وعبر كافة العصور، بأن هناك من المدن مَنْ لا تحبكَ
ولا تحبها، لا تفكر بكَ ولا تفكر بها، لا تقرب منكَ
ولا تقرب منها. ولعلها تشتمكَ في سرّها وتلعنُكَ وتبصق
عليكَ ولا ترأف بك نهائياً. وقد تعاملكَ كأنكَ لم تكن
تنتمي يوماً، للجنس البشري بالمرّة (المدن التي اشتهرت
بالتمييز العنصري، والاحتلال العسكري، والظلم الأسود
مثلاً). وهناكَ من المدن، من تكون عصية على التوله
والعشق، عصية على المحبة والارتباط بها. تعيش فيها كما
لو أنكَ ستغادرها غداً، أو كما لو أنكَ غادرتها فعلاً،
بلا آسفٍ ولا ندمِ ولا حتى بالتفاتةٍ أخيرة للوراء. لا
تجعلكَ هذه المدن تحتفظ منها، إلا بكل ما يساعدكَ على
مقتها والابتعاد عنها. فهي قبيحة، ولو أجلستْ على كرسي
العرس. صلابتها هشة وروحها ناشفة، والإنسان فيها تشعر
بأنه يمشي نحو هاويته وتصحره تدريجياً.
طويلاً، وكشخص متفائل ولم يفقد الأمل بعد، ستحاول
تنظيف صورتها في المرآة. ستفكر مثلاً بخياطة ثوب جديد
لها يسع وجودك فيها. ستدهن جلدها المتشقق كجلد الضَّب.
ستحلم بها نائمةً على سريركَ الوثير أو المصنوع من
القش. وستقول لنفسكَ: بلى، هي الوحيدة، الكبيرة،
الأخيرة، من تستحق مني كل هذا التعب والسّهر الطويل
تحت شجرتها. هي وحدها فقط، من تستحق أن تكون نرفانا
وجودي: في حياتي ومماتي. في فقري وشبعي. في عذابي
ومسرتي. في مرضي وعافيتي. في أمسي وغدي. هي البلسم
والمصل المضاد لكل الأمراض. هي الطريق والوجهة والمآل.
هي الوطن المختار من دون تردّد ولا تفكير. ولكنكَ في
المحصلة، ستكون واهماً، بل ستفشل كل محاولاتك وستذهب
أدراج الرياح؛ لأنكَ ببساطة صدقت بأن مرآتها لم تكن
مشروخة، وأن صدرها لم يكن “غطاء تابوت”، وأنها امرأة
كاملة وليست امرأة مسترجلة، انتزعوا منها أنوثتها
قسراً، ونصَّبوها فزّاعة مخيفة في دربك.
(5)
لهذا تبدو أسوأ المدن، في تصوري، هي تلك المدن
المسترجلة، المتشبهة بالرجال دوماً، واستيقظت رجلاً
بشوارب وعضلات رخوة يفكر بامرأة. المدينة المسترجلة،
من رمت على مذبح الحياة بحر أنوثتها حدَّ اليباس،
وتركتها وحيدة ترفل بدمها مثل ذبيحةٍ مطعونة مليون
طعنة. المدينة التي إذا ما تكلمت ونطقت، تجعلك تميل
على صاحبكَ وتقول له: من هذا الأخ الذي يتحدث هناك؟
المدينة الخشنة من دون سبب، من نَمَتْ لها مخالب دبّ
وأنياب نمر وشعر ذئب. المدينة التي تخلّت أن تكون أم
الجميع، هي من كانت أم الجميع، لتصبح وحيدة نفسها.
شائهة. لا هي ماء ولا هي حصى. لا هي تين ولا هي شجرة.
المدينة المسترجلة، هي محنة ووبال ورضّة ثقيلة، يظهر
خرابها في الجينات القادمة. إنها تمثال من الأكاذيب
ومملوءة بالأقنعة؛ لأن لسانها وملامحها وعلاماتها
وصورها كلها مستعارة، من جسد آخر ومن أفعال أخرى؛ ولأن
ذاكرتها مطموسة في الطين ولا وجه لها يُعرف. إذن، باسم
من ستعلن هذه المدينة عن حضورها؟ أهي امرأة؟ لا. أهي
رجل؟ لا، أيضاً. إنها بين بين. لا شمال ولا جنوب. لا
سوداء ولا بيضاء. لا في السماء ولا في الأرض. لا هي
ولا هو، وهنا بالضبط يكمن مقتلها. المدينة المسترجلة،
ليست أكثر من قناع داكن لممثل رديء الأداء والصوت،
وينبغي إنزال الستارة عليه وطرده من على خشبة المسرح
نهائياً.
(6)
في المقابل، وعلى الضّفة الأخرى المترامية من الكون،
هناك مدن على العكس من ذلك، تجدها تحضنكَ وتشدّكَ
نحوها قبل أن تصل إليها، حتى لو لم تكن من صلبها. فهي
في الهواء الطلق تستقبلك، ببساطتها ودفئها ودفء أهلها.
تستقبلك بروحها وعطرها وبترابها كله. وتلحظ بأنه لا
أصباغ في وجهها، لا عقد ألماس في عنقها، لا خلاخيل من
ذهبٍ في معصميها، ولا حذاء “فرزاتشي” في قدميها. تراها
تهب نحوكَ باشّةً كما هي، حافيةً ربما وعلى طبيعتها،
مثل فلاحة تخرج من الحقل وعلى رأسها سلّة رُمّان. تمدّ
يدها لكَ مناولةً وبسمتها تشق عنان السماء. مدينة لا
تراكَ من فوق ولا تراكَ من تحتٍ، بل على مستوى قامتها
تراكَ وتجعلك تراها من المستوى ذاته. لا تقول لك:
سأمنحكَ مال قارون فمجِّدْني، ولا كنز علي بابا
فقدِّسْني؛ بل إنها تهمس في أذنكَ قائلة: أنا الحياة
عارية، متفلتة؛ أنا أنثى كل القرون، أنثى الحب والدفء
والسلام. لأنها وعبر نضال طويل، تأسست لكي تكون
مستقراً لروح الإنسان ولأحلامه وتشوفات حياته. حاضنة
له وليست طاردة. مستأنسة به وليست متوحشة. واسعة عليه
وليست خانقة. رحيمة به وليست جارحة.
مدن
في مدنٍ بدأت تستذئب
وتفترس نفسها ومن معها رويداً رويداً؛ تأتي المطالبة
ملحة جداً بضرورة التفكير والعمل جدياً على أنسنة
مدننا جمالياً وثقافياً وبيئياً، وجعلها أكثر آدمية
وطبيعية وقابلية للعيش، وأقل توحشاً واغتراباً وفتكاً
بروح الإنسان وكرامته. نعم، لتكبر المدن ولتتطور
دائماً، وهي تفعل ذلك بشكل طبيعي؛ ولكن ليس على حساب
الإنسان وتفريغه من آدميته وخصوصيته فيها. لأن آدمية
الإنسان مرتبطة بروح المدن والأماكن؛ فهي لا توهب ولا
تُشترى، بل إنها مثل كل شيءٍ عظيم، تُخلق خلقاً وتلمس
لمساً. |