|
..عندما ذهبت وحدها إلى الله كانت أمي
في الثامنة عشرة .افترستها حمى النفاس..فتنكر لي الأب
لشدّة ما احبّها،نزل موتها عليه نزول الصاعقة التي
تفلق الشجر..وقال قتلتها..
مضغة نحس..لم يرغب بها أحد..... كرههم
لقدومي فاق حزنهم على الغائبة.. وجدوا في ّ ضالة
يقيمون عليها الحدود ويفتتحون بها ألأحاديث العابرة..
. تحت إبطها .. أخذتني جدتي لأمي..
وعبرت بي بحرا..بقسوة تذكّرها أنني قتلت ابنتها هي
الأخرى.! جلفة ،تسحبني وراءها كخرقة أو مكنسة ،وتعنفني
بصوت مرتفع على أخطاء لا أعلم أنها كذلك،تهزّني هزّاً
عنيفاً على تقصير أو كسل ،.حتى يدور كل ما أمامي ..
يشعرني أنني على قيد الحياة!
أندسُّ قرب صدرها مثل جرو
أعمى،أنتظرها تدخل في النوم وأتمطى صوبها حتى أدخل بين
ذراعها المفرودة وضلوعها جهة اليسار.. أتشمم رائحتها ،
وأمرّغ وجهي بحذر على نعومة ثوبها القطني ، مخافة أن
تستيقظ..أحيانا، تلفّ ذراعها حولي وتضمّني..وهي في سهو
النوم.،فيعدو قلبي أكاد أتفتت لفرط البهجه..ولا أنام
إلا بعد أن أشبع من حضنها ورائحتها.حين تنتبه فاتحة
عينيها في عيني..تبعدني بسرعة..وتعنّفني..وتطلب مني
بغضب أن أذهب إلى جانبي من السرير..فأتدحرج مرتين حتى
أصل إلى حافة السرير الأخرى.. دون اعتراض أو
حزن..لأنني لا أسمعها من السعادة.
تقص علىّ في ليالي الشتاء الطويلة
الباردة، أغرب القصص ، وأمامنا مدفأة سخيّة تشع
بالغموض فأقصُّ عليها القصة الوحيدة التي أعرف، وأتفنن
في دور ليلى ، تسأل الذئب الذي أكل جدتها: يا جدتي يا
جدتي لماذا عيناك واسعتان...تبتسم دائما.. فأطير من
الفرح ،وحين أنعس فأنهار في جلستي وأنقلب على جنبي..
، توقظني بلطف ، فاستمرئ اللحظات وأتظاهر بالثقل
لتتركني وترفع رأسي على حجرها وتكمل قصصها حتى لا
أعود أتذكر متى نمت أو نامت..وأجد نفسي في الصباح
مغطاة ودافئة، قبل أن يرتفع صوتها مزمجراً آمراً
بالنهوض بنفس الغضب الجاهز والحدّه..
كلما كبرت.. أصبحت لا تنام..إذا ذهبت
أنا للنوم تكون في كامل يقظتها...وإذا استيقظت..تكون
في تورد الصباح..أسألها هل تنامين أبداّ فتجيب أنها
لا تفعل ...وأصدّقها!
لم أعرف لماذا كنا وحيدتين.. في هذا
اليباب ..نتعكز على ألفة اضطرارية ،ووشائج تترنح بين
الرفض والقبول.
حين بلغت مبلغ النساء..تلطفت جدّتي ..
وإن بدت أكثرحرصاً على قفل الباب بالمفتاح مرتين ودسّه
تحت الفراش.. قبل أن تتأملني في نومي المزعوم وتدمع،
كنت أميّ..لكن..أكثر ضآلة و مسكنه! ..وتظل على حراسة
الليل...
صارت أكثر رقه..تكسرت قوارير
حنانها..وفاح عطرها الأخّاذ..وقالت أنها ربما طعنت في
السن ..ولانت..وأنا قلت ذلك أيضا..ّواستطبت النوم على
حجرها..تقص علىّ حكايا الظلام والنور..وحين أتظاهر أني
استغرق في النوم..لا تقفل قلبها ..فيظل يدلق الحنين
والبكاء ..والخوف والترقب.. جزء الحكاية الذي يستقر في
فؤادي.، تروي فيه ذاتها وحقائقها الخفيّة..ضوءها
الخفيف ورماد الأيام..وتجهش في بعض الأحيان بخفوت على
شعري..
كلّما مرَّ يوم..طاش صبري...واستعجلت
الليل.أتجاوز حكايا اليقظة بيأس...وما أرغب في
سماعه..يأتي حين أتظاهر أنني غفوت...فتحرس نومي بجيوش
الدعاء وسحر الوصايا..وذكريات تقدح صلابة الصمت
والصمود...ليشتعل الليل..وخافقي يستظل بالوهج.
أسمع كيف كانت أمّي تجيد الغناء..وكيف
كانت رقيقة وفاتنة، تحب الضحك و"شغل" البيت و التطريز
وصنع الحلوى.. لم يعادها أحد ولا يملّ رفقتها أحد..ثم
يتحشرج الصوت..لترمي نفسها في رحمة الخالق عند الجزء
الذي أتلهف عليه... يبدأ ب"كانت ليلة سوداء كالفحم بلا
نجوم ،والمطر يسقط مثل الإبر على الرؤوس.". ثم
يتوقف..وينتهي ب".اللهم رحمتك وعطفك...ألطف بنا يا
رب.."
البارحة بلغت عامي السابع عشر..وأنَّت
مرايا البيت لصورتي فيها،بدت جدتي مثقلة كشجرة حزن
هبطت غصون فاكهتها إلى الأرض..ضمتني إلى صدرها للمرة
الأولى وبكت ...وصارت تناديني باسم أمي ، فخفت أن يكون
اختلط عليها الأمر..وشاخت كثيرا وستجنّ وتتركني
وحيده...
قالت أنني أشبه أمي الآن
بشده...اكتفينا من الطعام باللمس..وأوينا إلى
حزننا..وحيدتين..حياة غاربة..وحياة لا تعرف إن كانت
ستبدأ..وعلى ضوء خافت وضعت رأسي في حضنها..في ليلة
الحَكايا الهائجة...نمت خلالها مرتين..ما بين النوم
الأول والثاني سمعت ما خفي من قصة أمي..في التباس
نومي على جدتي...وقد بلغ حزنها موسم القطاف.
هربت مع الذي اختاره قلبها..وأرغمت
أهلها على قبول الزواج..فطاردها كل من له علاقة باسمها
الأخير..طلّقوها بالنار والحديد فقضى زوجها حزنا ً. ثم
أسلموها لابن عمها، بمجرد أن وضعتني ،وكان يحلم
بزواجها مذ خط شاربه واضطرب خافقة عند مرآها....فقبلت
مصيرها...وماتت في حسرة الحرمان .
في يقظتي الأخيرة..كانت الشمس تلتهم
الجدران..وهواء حائر يدور في الغرفة بين النافذة
والباب المشرع ..جسدي متصلب ...وجدتي على جلستها
الليلية..لم تغطني أو توقظني وقد تناصف النهار..وجهها
متدل على صدرها..وكفّها على شعري..
أرفع رأسي عن حجرها وأضعه تحت ثديها
الأيسر كما كنت طفله.. والرعب يفرد أجنحته فوقي ،أصيخ
السمع لدقات قلبها أستأنس بالوجيب......
برفق أهزّها....
جدتي...يا جدتي...
لماذا عيناك مغمضتان..
لكنها لا تبتسم. |