01/04/2008

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

سقط من الذاكرة‏

هيفاء القحطاني

qahtanihan@gmail.com

 
 
 

 

وضعت رأسي على وسادة مزركشة احتفظت بها حفيدتي قرب النافذة لكي تسمح لي باستنشاق نسيم البحر العليل، كان كل شئ ساكناً إلا من صوت البواخر التي تغادر الميناء ونوارس تحلقّ بالقرب.

وجدت سندس دفتر الموسيقى القديم الذي حملته في صندوقي بالرغم من حرصي الكبير على ألا يراه احد حتى أغادر.

-هل تعزفين البيانو يا جدتي ؟

لم استطع أخفاء امتعاضي الشديد تجاه البقعة الضوئية التي تركها سؤالها بداخل ذاكرتي المظلمة!

- كنت يا ابنتي.

عبثاً أحاول لإبعاد مسار الحديث عن البيانو اللعين، لأنني اعرف حفيدتي جيداً لا تترك الإجابات معلقة هكذا فأسئلتها تعني حكاية طويلة وسهرة صيفية لا تقف إلا على أبواب الفجر.

في منزلنا الجديد أهداني جدّي لأمي بيانو عتيق احتفظت به العائلة لأجيال، لكن ما من احد يفكر في تعلم العزف عليه.

وجد أن فرصة وجودي بالقرب من معهد موسيقي لا تتكرر، وأنه آن الأوان ليصبح فرد من عائلته من عازفي البيانو المتميزين.

بدأت بتطبيق دروس بسيطة وأصبت والديّ وإخوتي بحالة من الجنون، عليّ أن اعترف بأن تعلم أي شئ لأول مرّه ينسينا المكان والزمان ويجبرنا على التمسك به حتى نتقنه، هكذا فعلت وأثرت إعجاب أقراني في الصف وصديقات والدتي اللاتي كنّ يحضرن خصيصاً مرّه كل أسبوع للاستماع لعزفي.

ذات ليلة بقيت لوقت متأخر أحاول إتقان معزوفة شوبان (ريح الشتاء)، وأخافتني المصادفة العجيبة إذ هبّت ريح أكتوبر الباردة عبر النافذة ونهضت لإغلاقها.

هناك على الرصيف المقابل ظل رجل يعتمر قبعة مميزة بدا لي انه ينتظر أحدا ما، عدّلت من التفاف الستائر وعدت للنظر مجددا لكنه اختفى.

أمضيت تلك الليلة في العزف حتى طلع الفجر وغفوت على البيانو، في صباح اليوم التالي وبينما كنت أسرع الخطى للمدرسة قابلني رجل يعتمر ذات القبعة مبتسماً وانحنى قليلا ليحييني قائلاً : كان عزفك  لشوبان مبهراً.

دهشت لوهلة لكن سرعان ما انتابتني حالة انتشاء بروعة عزفي المبتدئ وقلت له بتلعثم : شكراً لك، يبدو انك بقيت في الشارع لوقت طويل حتى تتمكن من اكتشاف أنها له!

لكن إجابته ستضيف لمتعة العزف لدي بعداً آخر، فقد كان يسكن في الجهة المقابلة لمنزلنا.

كاتب أعزب يدرس التاريخ صباحاً ويكتب في صحيفة المدينة مساءا ليجني قوته.

بدأت سهراتي مع البيانو تتابع ووالدتي تنهرني كل ليلة لأقفل النافذة، لكنني كنت اقفل باب الصالون عوضاً عن ذلك وارتدي أكثر معاطفي متانة لأمنع برد الخريف المفاجئ من التسلل إلى أضلعي.

تارة أشاهده يعبر الشارع، وتارة أخرى يحتسي القهوة قرب نافذته المضاءة حتى ساعة متأخرة من الليل.

كنا نلتقي صباحاً كل يوم قرب المخبز أو عند مركز البريد حيث أودع رسائلي لأخي، هادئ هذا المعجب السرّي جداً.

مضت عدة أشهر وأنا لا اعرف منه سوى اسمه وابتسامته التي يرسلها مساءاً مستمتعا بعزفي.

لا أنكر بأنني وقعت في حبّه، هذا إذا كنت اعلم معنىً للحب الحقيقي فلم يسبق لي تجربته وكل ما اعرفه عنه هو خلاصات أحاديث بين صديقاتي وصفحات من كتب الأدب.

شاء الله أن نلتقي مجدداً ونتحدث مطولاً هذه المرة لان مدرسة اللغة طلبت منّا إجراء لقاء مكتوب مع شخصية نرى فيها التميز لشئ ما.

اخترت المقهى الخامس لعلمي أنهم يمتلكون بيانو عمومي ففكرت في عزف مقطوعة له خلال حديثنا.

كان ذلك النهار سريعاً كما لم أتمنى!

تحدثنا عن عمله وعن موهبتي المكتسبة، ضحكنا من سيدات نادي الفروسية وهنّ يحاولن بجهد ترتيب سباق للسيدات فقط.

ولم أغادر المكان حتى صرّح وسط دهشتي وتحت المطر النوفمبري، بأنه معجب بي.

كتبت في صفحة مذكراتي التي سأتركها لك يا سندس أنني حللت جملته تلك على ألف وجه ووجه، محاولة بكل ما أوتيت من ذكاء إبعادها عن الحب.

وليتني لم ارضخ لتحليلي النهائي بأن الرجل الغامض الذي قتلني بهدوئه يحبني!

انتهى العام الدراسي وقررت والدتي إلحاقي بمدرسة داخلية في مدينة قريبة لتعلم الحرف اليدوية وفنون سيدات المجتمع النبيل.

ثارت ثائرتي وقاومت هذا الحكم الجائر ورضخت أخيرا على شرط أن أجد ما يشغل وقتي وأتعلم حرفة لا تتطلب إزعاجا على حد تعبيرها.

توجهت إلى عمتي التي تمتلك صالوناً للعناية بجمال المرأة وتعلمت ابسط قوانين قص الشعر ولفّة وتجعيده، ولم تترك لي حرية اختبار مساحيق التجميل سوى على وجوه السيدات.

مضت أيامي ببطء شديد خصوصاً مع سفر صديقاتي، وانشغال والديّ في عمل تجاري مشترك مع إحدى الأسر المقربة منّا.

صديقي ذو القبعة استمر في الظهور ليلاً في شارعنا وقرب نافذته، ولم تتوفر لي فرصة مقابلته مجددا لانعدام الأسباب المنطقية.

لكننا كنّا نتحدث بضوء الشموع وهي طريقة تحدث عنها في إحدى قصصه القصيرة بالجريدة، فلكل شمعة تضاء معنىً حقيقي.

تعني الحزن والضيق تارة وتارة أخرى تعني السعادة والابتهاج.

تجرأت ذات صباح على كتابة رسالة مقتضبة وسلمتها له باليد خلال وقوف سريع أمام المخبز.

’’ أعلم جيداً انك تكن مشاعراً نبيلة لي، وأنا كذلك. لم اعتقد بأنني سأعيش ما يسمونه الحب في سنٍ مبكرة! ‘‘

الرسالة لم تعد لي طبعاً ولا اعتقد بأي حالٍ من الأحوال أنني كنت سأحتفظ بها في حالة عادت إليّ.

كلما تذكرت براءتي وتسرعي اشعر بغثيان متجدد، حتى بعد أن مرت عشرات السنوات على ذلك الصباح الاثنيني الجميل ما زال الشعور يعود بقوة اكبر.

بداية سبتمبر أعلنت غيابه، أطفأ شموعه ولم اعد التقي به.

مضت أربعة أشهر وأنا أواصل عملي في الصالون مع عمتي، حتى زارتنا ذات مساء مغنية الأوبرا الشهيرة لنعطيها مظهرا احتفالياً وكانت مناسبة خطبتها للكاتب المرموق حدثاً يستحق التجمل.

لا اخفي عنك يا ابنتي بأنني وددت لو ارسم لها وجه خنزير واشوّه شعرها وزيها بالكامل!

أصابتني حالة من الضحك الهستيري قاومتها عمتي بإرسالي إلى المنزل باكراً، وهناك أكملت نحيبي المتواصل وأنا أهشم البيانو العتيق وانهي أمجاده في ثورة غيرة على حبّ لم يكن!

هكذا يا سندس، سقط البيانو من الذاكرة.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى