|
1
اتصلت بي ميري، العاملة في بيت أمي في
خورفكان وقالت بما معناه:
أمك سقطت
اتصل الجيران أيضاً.
ماذا حدث؟
البارحة فقط تكلمت معها وكانت
“طبيعية”. قلت ذلك لنفسي، رغم انني وفي زياراتي
الأخيرة لمست ان “الوالدة” توشك على هاوية “التخريف”
البيضاء.
ففي أحد اتصالاتي بها لم تكن لتميز
مَنْ المتصل حقاً. تسهو عميقاً لكنها كانت سرعان ما
تعثر على يقظتها الحادة. فأمي، على الأقل كما انظر
اليها من خلال هذا السطر، وضَعت حَجَرة في رأسها،
وطوّعت الوجود ليُفكر من خلالها، وكيف تُفكر تلك
الحَجَرة في الرأس. لكن الحَجَرة الآن على الحافة.
واتصال ميري والجيران، رغم ذلك، لم يكن
متوقعاً:
ماذا حدث؟
سألت فقيل لي:
تعثرت بالدّكة الصغيرة أمام باب
المنزل (الشعبي) فأغمي عليها ونقلناها إلى المستشفى.
هرولت بالسيارة إلى خورفكان، وحين دخلت
عليها الغرفة صُدمت.
الشراسة والقوة الداخلية وذلك الحَجَر
المتفاقم في الرأس يتحول إلى مجموعة من العظام الجافة
تحت جلد معقد كجلد أفعى أصفر.
* كل هذا يحدث من جلطة؟
الجلطة ليست بعاصفة. ليست بالمستر جونو
الذي كاد يمحو السواحل قبل أيام.
العُمر ربما، على الرغم من انها لا
تزيد على السبعين عاماً، جوع الطفولة والفقر والحرص
والكدح المتواصل ربما. عدم الايمان بالطب الحديث
والولاء المطلق ل “اليعدة” (عشبة جبلية) والوحدة ربما
هو ما حوّل هذه الطاقة الجبارة التي لا تكل ولا تمل
إلى جسد ضئيل ملقى على سرير في هذا المستشفى.
الشق الأيمن من الرأس واليد والقدم
أصابها الشلل. انها فاقدة للذاكرة غائبة عن الوعي،
السيدة: فاطمة راشد عبود.
فاطمة عبود والدتي والتي حاولت ومنذ
مقتل أبي أن تأتي للسكن معي في أبوظبي، وهي ترفض:
ماذا أفعل؟ أنا أعمل في أبوظبي، المكان
الوحيد بعد تجربة مريرة الذي من الممكن أن أعمل فيه
ويُسدي لي راتباً.
في رقبتي رغباتي وأولادي وهي. وهي أي
فاطمة عبود ترفض على الدوام هذا الاقتراح وتقول:
مات أبوك في هذا المكان. لن يُغلق أحد
باب هذا البيت وجدك مات هنا أيضاً.
تقصدين سقط مع حماره في البئر.
من قال لك ذلك؟
أحدهم
كاذب
آخر قال: ان جدي داسه حمار أو رمحه،
لا أدري، فسقط في البئر
انه كاذب أيضاً، جدك هو راشد بن عبود.
ألا تعرفين انني الوارث الوحيد لأبي،
وبما انني ابنكم الوحيد فأنا الآن يا أمي العزيزة ولي
أمرك.
أنتَ ولي أمري يا....
لن أغضب طبعاً. فأنا معتاد على وقاحة
أمي “العذبة”، بل وأبادر بالقول:
.. والغنم يا أمي؟
بإمكان أمي قتلي لمجرد ذكري لمفردة غنم
(لعلها كرهت نظرتي السلبية لكائناتها الأليفة تلك)..
من متى وأمي مولعة بالغنم؟ دعوني أتذكر، فالذاكرة تفيد
الكتبة.
سمعت انه وبعدما ولدتني، وكان أبي يعمل
“سفّاراَ” (بحاراً في الرحلات الطويلة)، رمتني أمي على
الجارات منصرفة لإدارة ذلك “الحوش” الواسع “حوش”
طفولتي والاهتمام ببقرة.
البقرة وقتها كانت امتيازاً، ومن يمتلك
بقرة كمن يمتلك شركة عقارية ضخمة هذه الأيام.
لم تأت هذه الحكاية على ذكر الغنم،
لكني أستطيع إدخالها في الروي ببساطة. الغنم والدجاج..
“لصوص البيض من أشهر اللصوص في طفولتي”.
كم عمر ذاكرة الإنسان؟ بعضنا يدعي انه
يتذكر لحظة ولادته، أو حتى ما قبلها. أنا واحد من
هؤلاء الأدعياء. وفي لحظة ما من طفوتلي أتذكر بأن
الأغنام تكاد تكون من شقيقاتي في ذلك “الحوش” الواسع.
تنام صغيراتهن معي على الفراش ان وُجد وانا طفل. أنا
الذي لا أتذكر انني ارتويت من حليب أمي ولا حتى من
الحليب المعلب، كبرت على إرضاع يتيمات الأغنام
بالمراضع البلاستيكية وتلك الحَلمات الاصطناعية التي
لم تنفق عليها طفولتي أنا شخصياً أي لعاب.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فمن “أشغال”
طفولتي “الشاقة” الذهاب بتلك الاغنام كل صباح إلى ذلك
المرعى القاحل وتوفير الحشائش والمزروعات الطازجة
لموائدها العامرة. وما كنت اعتبره عذاباً كان يعتبر من
قبل عائلتي الصغيرة واجباً وكان هذا الواجب ملقى على
رأسي، فأنا للمصادفة الصعبة والمدهشة ابنهم الوحيد
ووارث أو من ينبغي عليه أن يرث كل هذا.
واجب، أجل. إذ كثيراً ما يخطر في ذهني
ان أمي من “عبدة” الأغنام المهددين بالانقراض. الاغنام
كانت تُعبد في الجزيرة العربية قبل الاسلام، وحين ظهر
الاسلام غير عالم التاريخ وتاريخ العالم كثيراً. لكنني
أظن ان هذا الدين العظيم كان تغييره لعالم المنطقة
التي ظهر فيها، أو في منبعه كما يقولون، كان أقل من
ذلك بكثير. وهذا القليل أو اللا كثير لحق أمي في أحد
ثغور هذه الجزيرة، أو شبه الجزيرة الشاسع، ثغرنا هذا.
والناس تغيروا كثيراً حتى في خورفكان،
لكن أمي، كما اظن، احتفظت ببضعة أو حزمة أو “وقار” من
التثبيتات النفسية “لاحظ أيها القارئ العزيز انني أنا
الابن العاق أحاول هنا تحليل أمي” لعل بمستطاعي ذكر
بعضها:
1- أية طفولة عاشتها أمي؟ هل بإمكاني
تخيل طفولتها؟ لأحاول.
لنفترض ان دواب الأرض المهجنة مع كون
البحر المخيف “والمغري مع ذلك” وبضع قطرات من المطر
تمن عليهم بها السماء. فقط. هذا فقط. ما يكوّن الحياة
وما يمحيها في الآن نفسه. الانسان هنا كان يتشبث
بالوتد لأنه لا يعرف إذا ما هبت الريح الى أي ظلام
يطير. هل يفتقد الى حس المغامرة؟ لا حياته بحد ذاتها
مغامرة. اذن فلنفترض ان امي ولدت في هذا التنور، وعاشت
طفولتها بين نيرانه، فما الذي يا ترى سيبقى من
الانسان بعد شواء الوجود هذا؟
2- سيتبقى الانسان المصارع أبداً من
أجل البقاء، أليس كذلك؟ سيتبقى ظل الشجرة حيث زرعت
الطمأنينة، وستتبقى الريح التي تهدر دم الشجرة أمام
الجميع. ستتبقى السكين، شخصية السكين، وستتبقى حقيقة
اننا نعيش على موت الآخرين. أو كيف نعيش؟
هل يترك شواء الوجود اعماقاً؟ يترك
آباراً مطمورة ولم تكن أمي للأسف من البنان الجميلات
كي تخرج على الأقل من التنور بأقل ما يمكن من الحروق.
كانت من البنات اللواتي اخلصن لحقيقة الحياة المرة،
حقيقة التراب المرة. ولم يكن لديها في مواجهة المجهول
إلا أمران: أسرة كبيرة تعتقد انها من “سادة” المكان،
العم “البطل”: صاحب القلعة والنواخذا، وجدي الشاحب
“أتخيله ظل البطل أو اقصر بقليل”، وانتظار رجل يتزوج
من هذه التركة.
3- الرجل سيأتي ولكن ليس من جموع
النقبيين المتناسلين بين البحر والجبل في هذه المنطقة
منذ قرون، وانما بحار القت به الأمواج على ساحل
خورفكان.
لعل القدر لا يقصد شيئاً. فمن تصبه
تميته، لكن من تصبه تحييه كذلك. “خبط عشواء” أجل، ولكن
من رصد “الخيط” في ذلك “الخبط”؟ “خبط” كان ما اتخيله
حين قضى أبي اجازته من السفينة. فالسفن الذاهبة الى
غمار البحار التي تفصل الخليج عن الهند أو افريقيا، أو
العائدة، كثيراً ما كانت تعتقد بذلك الجون الصغير الذي
كانت تضمه خورفكان كمكان مفضل لإراحة السفن والبحارة
وإصلاح ما اعطبته الأمواج فيها.
و”خبط” كذلك ان يفكّر بحار من هؤلاء
البحارة بالزواج في مثل هذه الاستراحة القصيرة وأن
يعثر على أمي بالذات من بين كل رمال العباءات السوداء
في خورفكان.
4- حين أتى ذلك الرجل لم تترك أمي أية
فرصة للفرصة كي تهرب منها. قبضت على ذلك الرجل كما
تقبض جبال خورفكان على خورفكان، وكما تتوهم الأمواج
بأنها قابضة على الهواء.
وكان ذلك البحّار يحمل إزاره على كتفيه
ويرحل مع السفن، للغوص أو للأسفار. أما هي فقد فرشت
سيطرتها على بيت الزوجية، وربت البقرة والغنم والدجاج،
وحملت حصاة الغياب بين ضلوعها حتى انني كنت كثيراً ما
أسمع قرقعة تلك الحصاة في أناشيدها الغامضة التي كانت
ترفعها لإله الرياح، لا تدري أي انسحاق ذلك الذي يجعلك
تتحلى بما يُسمى ب “حس المسؤولية”، لكن بالنسبة لأمي،
يبدو لي، ان ذلك الحس الغيبي والصارم كان قد انتابها
قبل زواجها، أو حتى قبل طفولتها التي لم تحدث
2
انجبت أمي من ذلك البحار الذي لم يعد
عابراً ثلاثة ابناء: الأول مات والثالث مات. وكنت أنا
الثاني بين الموتى، متوسط الموتى، ومتحمل تبعاتهم.
ولقد بقيت أنا وأمي في ذلك البيت
الواسع لست هنا لاحكي عن وحدتي، أو عن علاقة أمي بي.
أنا هنا لاحكي عنها هي وكنت دائماً ما أتساءل: يا ترى
ماذا لو كانت هذه الأم لديها أكثر من ابن؟ لديها ابنة
أو أكثر؟
اظنها كانت ستعيش بشكل مختلف عن الحياة
التي عاشتها. ماذا لو بقيت تعيش بين اسرتها ولم تختطف
أبي الى الحي الجديد الذي سكناه؟ هل كان هذا سيغير من
التحفز والنظرة العدائية التي اتخذتها دائماً من
العالم؟ أم أن هذا التحفز والحرص من الاستعدادات التي
يتخذها الانسان في البيئة التي عاشت فيها أمي، أي
انسان، في مواجهة ذلك الوحش الغامض الواقف على باب
الوجود.
كل هذه الاسئلة لا جدوى منها. لقد ملأت
أمي البيت بالحياة لكن ملأته أيضاً بالوحشة، وحين عاد
أبي واستقر نهائياً في الخور حولته الى ألعوبة في رأسي
وحولتني الى مزرعة لتطبيق الأوامر حتى هربت وتركتهما
يتشاجران حول الأشجار.
وفي أحد الأيام وبينما كانا عائدين من
مهمة تتعلق بالأغنام اصطدمت بهما سيارة مسرعة ومزقت
أبي الى قطع تناثرت في حضن أمي. في العمق تغيرت أمي من
ذلك اليوم، ولكن التحفز والحرص وتلك الشراسة لم تتغير.
نظرها كان يضعف وتشيخ، وحتى قبل شهور
بدأ الخرف وتقطع الذاكرة يظهر واضحاً في كلامها
وتصرفاتها. لكن عين العيش مفتوحة على آخرها، وكنت
أراها تزحف على الطرقات أحياناً إذ لا شيء يمكن أن
يمنعها من زيارة جاراتها والتشاكس معهن. وظل تصوري هذا
عنها حتى اتصلت ميري وقالت بما معناه: أمك سقطت.
الآن هي ملقاة على سرير المستشفى ككيس
صغير من الجلد. وهبت عائلتها الصغيرة وجاراتها وتجمعوا
مع اطفالهم واحفادهم ودلال القهوة حولها. يغفرون لهذه
العصية التي ذابت ما سببت لهم من صداع، ويتبارزون على
الأقل كلامياً في ابداء اخلاق صلة الرحم والجيرة.
إني لأحس بالموت يقترب وهذه المرة
ايضاً من نقطة حساسة في حياتي:
ماذا يفعل الانسان لو ماتت أمه؟ هل
يتألم ويبكي كما يحدث أحياناً عندما يفاجئه موت أحد
اصدقائه الاعزاء أو ابوه؟ أليس موت الأم “فراقاً”
مختلفاً؟
ولكنها ايضاً ستموت كما مات وسيموت
الجميع. إنه الموت يا صديقي. الموت الذي زارني هذه
السنة أكثر من مرة وأخذ معه أصدقاء عدة، وذهب. هل يريد
الموت أن يقول لي شيئاً؟ لا مانع عندي أنا مستعد
للجلوس والتحدث معه كما يريد. عن ماذا يريد أن يتحدث
مثلا؟ عن الحياة؟ الحياة جميلة جداً أيها الموت. عن
الطبيعة التي تموت وتحيا كل يوم، بل كل لحظة، بل كل
ثانية؟ عن روحي التي تموت أبداً؟ عني أنا الذي هربت من
الموت فوجدتني ابحث عنه في كل نظرة، أحياناً اجده
مختبئاً تحت طاولتي يقرأ المستقبل، أحياناً اجده
ضاحكاً في المرآة أو ظلا على حائط الآخرين، أو ديكاً
على جدران العمر، أو قمزاً في العين.
كما وسأسأله ايضاً: كيف حاله مع هذه
القراءة المعممة والساطية المنتشرة في مجتمعاتنا،
وخاصة هنا في خورفكان: كيف يموت المرء في خورفكان هذه
الأيام؟ كيف بإمكان الموت أن يموت؟
حتى تلك المرأة الجاهلة وزوجها الغبي
تحجبا، حتى الشوارع تحجبت، حتى الجبال. حتى البحر،
المستشفى كذلك تحجب.
الممرضة السمينة منقبة، الآيات
والأدعية تملأ الجدران وبدلاً من كتيبات ارشاد المرضى
وضعت في الاجنحة كتيبات أخرى، فكرت: إنها من الكتيبات
التي تسرع أو على الأقل تساعد على الموت بينما كل
المرضى يتمنون لو يخرجون من عذاب هذا المستشفى في
الصباح المبكر من الغد.
عرفت أن ادارة المستشفى اتفقت مع متجر
لبيع التسجيلات والكتيبات لتحقيق هذا الهدف “الصحي”
النبيل، وبالتالي الحصول على أكبر كمية من الحسنات
إضافة الى الراتب.
هذا ما يحدث هنا في خورفكان حيث يكاد
الجميع أن يعد كم جنى اليوم من حسنات، لكني اظنهم لا
يحسبون، أو يخطئون كثيراً، أو يريدون أن يخطئوا، أو لا
يستطيعون إلا أن يخطئوا عند عدهم للسيئات. يأتي أحدهم
للمستشفى ليزور أكبر كمية من المرضى كي يربح أكبر كمية
من الدرجات. وعندما ينتهي موعد الزيارة يعود ممتناً
الى البيت، فلقد اضاف الى رصيده اليوم ما هو مقنع.
وكلما ازداد عدد المرضى ازداد هذا الرصيد. إنه لا
يحتاج الى الاصحاء، فمجرد السلام عليهم يكفي. وحسنة
السلام عليهم اضعف بكثير من السلام على المرضى. إنهم
“صندوق” لا يغري بالاستثمار. وعلى طارئ الاستثمار
تخيلت هذا الشخص وهو جالس في بيته قبيل النوم ويفحص
رصيده، ثم لا ينسى وهو في هياج الحساب هذا أن عليه فحص
رصيده في البنك كذلك فيحتار بأي رصيد يبدأ، هل برصيد
البنك أم بحساب الآخرة؟ وفي الأخير يقرر ان يترك حسنات
الآخرة الى ما قبل النوم مباشرة والبدء برصيد البنك.
الانسان بحاجة الى رصيد البنك خاصة في
هذا الزمن الذي تكاثرت فيه علامات الساعة، هو حقيقة
بحاجة الى كل فلس، فكما يقول المثل الصالح لكل زمان
ومكان “من ليس لديه فلساً فلا يسوى حتى “آنة””، أو
هكذا يقولون.
رصيد البنك حساب الدنيا والحسنات رصيد
الآخرة، لذلك فالنقود قذرة، ولكنها من افضل أنواع
القذارة على الاطلاق. انها القذارة التي لم يتخلص منها
حتى أكثر الناس أليس كذلك؟
بهذه الطمأنينة يختم صديقنا المؤمن هذا
حديثه مع نفسه “انني هنا اتلصص على داخله من شباك
الفكرة”، وبرضا لا حد له سينام هذه الليلة، ورصيده في
البنك يرتفع، أما الشكر فلن يكون إلا لله وحده. لطاوي
الأرض ورافع السماوات. |