|
تمر
الأشهر ومازالت الأصوات تكرر نفسها :
-
ألو سلام آقاي حيدري .
-
وعليكم السلام خانم ....
.
بعد اتصالها الثالث بي إو إتصالي
الثالث بها أحسست أنها تقرب لهجتها الشرينية للعربية
عن طريق الإكثار من الحمد و إن شاء الله والكلمات
العربية المنفلتة مني ومنها أثناء الحديث .
لا أعرف كم شهرا مر على إتصالاتنا
ولكن أوشكت على دخول عامها الأول .
-
الو سلام آقاي حيدري .
أحيانا كان يطول الإتصال الى أكثر
من ثلاثين دقيقة ، تحاول إفهامي وهاتفنا يعاند بإرباك
الإتصال وبوشوشة غاضبة ، في إتصال كان قبل أشهر قالت
لي تشرح عنوان مجموعة قصصية جديدة صدرت قالت: روس .
قلت : الروس .
قالت : لا أروس أروس .
قلت لها : رؤوس .
قالت : لالالالالا إاسمع
قلوووووووووو قلووووووقققققللللووو.
قلت لها : ما هذا ؟
قالت : قلللوققلو صوت أول الصبح .
قلت لها : خروس .
ولأني تعودت منذ الصغر على
كوكوكوكو لم أفهم ال ققلوققلوققلو ، وهكذا نصل الى
المعنى عبر أي لغة ، عادة ما تجلس زوجتي قبالتي تضحك
علي وعليها وتقول زوجتي لي : لا أعرف ما الذي تجده فيك
لتتعب نفسها بالحديث المرهق معك .
معركة هي أحيانا بين الكلمات
ومفاهيمها الملتوية في الالسن .
لم أفكر أن ألتقيها على الأقل في
هذه الفترة ، والمسافة شاسعة بيننا ، ولكني مطمئن أني
سألتقيها في يوم ، لما نحدد موعدا للايام ؟ فلندعها
تحدد هي لنا بغريزتها الام .
وها هو اليوم يشرع صدره لي لأدخل
طهران مرة اخرى بعد غياب عنها طال عاما ، طهران لم
تتغير كثيرا ، مازالت عينا المدينة تقذف الشرر ،
ومازالت بشرتها الأجمل ، ومازالت مغرية بانوثتها
وبخطوها اللامع على أرصفة القلوب .
خمس أيام في المدينة التي تبتلع
البشر عند دخولهم في حشد لا ينتهي ، الحشد الصاعد
والنازل في ضجيج السيارات والدخان والشجر و ماء نزع
عنه جلد الثلج للتو .
لم يدر في بالي أن أراها في هذه
الزيارة ، وكما هم البشر على عجلة من أمرهم أو يظنون
ذلك وكنت منهم ، أو هكذا خيل لي ، كانت هي المتصلة
أيضا عندما علمت بي أني وصلت ، لم تكن هذه الجملة
المعتادة التي تبدأ بها حديثها.
أكتسحتني بعتبها وتقريعي على الكتب
التي بعثتها لي ولم أحضرها معي ، يصلني منها كل جديد
في كل شهر حتى الكتب القديمة لم تبخل بها علي بعض ما
أرسلتها كان مقربا منها الى درجة عدم خروجه من رفوف
الكتب وهناك الكتب المحرمة ثقافيا ويصعب الحصول عليها
، لكن سرعانم عادت الى صوتها ذلك الذي تعودت عليه .
-
خوبي آقاي حيدري .
-
الحمد لله شما خوبي.
-
خدا را شكر .
اتفقنا على لقاء ، بعد عام صوتي من
التفاهم اللغوي لم نحدد المكان بعد ، أنا لا أعرف أين
سترميني الطرق و الأزقة في طهران ، ولكننا إتفقنا على
لقاء ، اليوم السبت وسيكون اللقاء في يوم الأحد ، بين
الساعة الثالثة عصرا والخامسة هكذا اتفقنا ولكني بعد
لا أعرف هل سنلتقي أم لا ؟ لا أدري لما أحب أن أبقي
على هذه الصداقة صوتية .
لدي موعد عمل في يوم الاحد وإذا
جرت الأمور حسب ما خطط له سأبدأ العمل في نفس اليوم
ولن يكون هناك وقت لأي لقاء سكنت الى هذا الرأي ورغبت
فيه و منيت نفسي أن تجري الأمور هكذا وستنحصر صداقتنا
في عالم صوتي وهمي يصورنا لبعضنا على أشكال عدة ، كيف
نجلس ؟ كيف نضحك ؟ كيف هي لغة أجسادنا في الصحو أو
النوم ؟ وكيف نشعل السيجارة ؟
صباح الاحد إنطلقتُ ، في طهران
عليك دائما بالانطلاق وحث الخطى لأن الوقت يداهمك
وأحيانا يصفعك على غفلة ويمد لسانه ضاحكا وأنت تلوي
عنقك واضعا يدك على المكان المحمر ولن تعرف من أين
أتتك الصفعة هذا إذا لم يسلبك ما في يديك .
ما إن خرجت أنا وكريم من البيت حتى
تلقفتنا المدينة باسمة بزحمتها العارمة وشهوانيتها
المنبجسة من الأعين الراكضة .قررت السكن في بيت كريم
الذي يشاركه صديقه فيه وأحيانا صديقة صديقه والتي لم
ارها إسمها عسل قال كريم لي : هي شبيه للمثلات في
الأفلام الهندية .
إفترقنا في شارع مطهري ، عليك أن
تفترق لتكون أنت أحيانا ، ذهب لعمله وذهبت خلف عمل .
بعد أن أنهيت عملي وأُعطيت موعدا
لليوم القادم كانت الساعة الثانية عشر ظهرا تلفنت على
كريم قال إتصل على الكاتبة ، تلفنت عليها ،آلة الرد
الآلي لا تمل نقل صوتها الى متصليها ، ( بعد از شنيدن
بوق ........) استمعت لنهاية الرسالة الصوتية وكما هي
العادة أبدأ في تحميل رسالتي ذات المقدمة العربية :
-
السيدة الكاتبة كيف
الاحوال ؟...................
-
سلام آقاي حيدري .
جاءني صوتها الضاحك النشط المحمل
بانوثة روح شعرية ، إاتفقنا على لقاء في منزلها بين
الثالثة والثالثة والنصف ، ذهبت الى كريم في العمل
الرجل منغمس في العمل بل هو منغمس في مراقبة صاحبة
العينين السوداوين أكثر وهي تجلس عن يساره توزع
ضحكاتها على الجدران والنوافذ ، أعرف أني أول ما دخلت
خلعت صورا عني لتعيد ترتيبها على شكل نكت للضحك السريع
، قالت ذات العينين لكريم بعد أيام : لو تقدم صوحيبك
لطلب يدي لما قبلته ، أي شكل يحمل !!.
أجابها كريم : لا تخافي لن يقوم
بذلك أبدا .
لم یستطع كريم المجئ معي بعد أن تقدم
اللقاء الى الثانية والثانية والنصف ، قال إنه سيأتي
بعد أن ينهي عمله في الصحيفة ، ذهبت وحيدا الى ميدان
(مادر ) الام أي صدفة هذه التي ستجمعني مع ال مادر و
ميدانها ، كنت جائعا همت في الشوارع المقابلة لميدان
مادر مازال لدي الوقت الكافي حتى الساعة الثانية
والنصف ، بحثت عن مطعم للوجبات السريعة ، وجدته بعد
التفاف لم أهتم به ولم أكن في حاجة له ولكني أريد
السير في المجهول قليلا ، طلبت ما يسد رمق البطن
الخاوي ، أثناء إلتهام الوجبة دخل مجنون يطالب صاحب
المطعم بالمال ، ثم رضي بالساندوشات طلب إضافة كل ما
يمكن إضافته ومشروب غازي وبطاطس و.... قال له صاحب
المطعم قف في الخارج الآن .
غادرت الجنون والوجبات السريعة إصطدم
بي مجنون آخر على باب المطعم يطالبني بالمال ،حقا ماذا
سآخذ للكاتبة ؟
ها أنا أمام منزلها لا يوجد جرس
والأبواب موصدة ، بحثت عن زر أضغط عليه على الأبواب أو
الجدران لا شيئ ، أبواب صفراء قاحلة والصدء ترك بصماته
عليها بشكل وقح ، أبواب عالية وجدران بين بيضاء
والرمادية.
يا إلهي هل علي العودة ؟ أو الإتصال
بها مرة اخرى؟ هل ندمت الآن بعد أن كنت لا أريد للقاء
الولادة ؟ ،أخرجت العنوان أخطئت في رقم الدار، أقف
أمام رقم سبعة وكتب في الورقة 4 ، نعم هذه هي عمارتها
، ما أقبح العناوين دائما لدي مشكلة معها ، نظرت الى
أرقام الأجراس أين هو إثنين ولما أقرأ من الأعلى رغم
علمي أن الأرقان تبدأ من الاسفل ؟ ينظر الي مرحبا
الرقم بعد مرور على جميع الارقام ، باحة العمارة
تبعثرت فيها أدوات البناء ، أمام المدخل نصبت ألواح
معدنية وحفرت تحتها حفرة دائرية ، المشهد يشبه البئر
ما يحتاجه حبل ودلو مقلوب صدء .
ضغطت على الجرس ، ها هو صوتها مرحبا
وودودا أكثر مما كان ، أعرف أنها تنظر الي عبر الشاشة
التي تنقل صورتي ، العين السحرية ياه كيف كانت تقربك
من الباب الخشبي والان تتلقفك في الخارج لتذكرك بحياة
المدينة وبالمراقبة الالكترونية .
شعر أشقرأو هو أقرب إلى الأشقر ممزوج
بالأحمر ، وجه مدور أحيانا وأحيانا يتشكل حسب الموقف ،
بشرة بيضاء يكسوها مرجان بحر أحمر ، وعينان بان فيهما
حديث ، حكايا ، تعب ، إرهاق ، سعادة ، فضول ، بحث .
أول ما قالته لي بعد أن مدت يدها :
أنت أصغر مما تخيلت ، أنت لا تشبه صورتك ولا تشبه ما
يتركه صوتك أبدا .
لا أُشبه صورتي ماذا يعني هذا! الشئ
الوحيد الذي أطمئن إليه هو صورتي .
وأنت تشبهين من ؟ عادة ما أترك رسم
الصور الى ما بعد اللقاء لأركبها مع المفردات التي
دخلتني .
أحضرت كل ما لديها ، فواكه شاي
والقهوة الفرنسية بعطرها النفاذ ، علبة الكنت أمامها
وأنا بجيتاني المشبع بالنوكتين ، الجيتان لم أدنه منذ
عام إذ في مدينتي لم يرحبوا بها كما يرحب بالغجرية،
قدمت لها سيجارة ما إن أشعلتها حتى سعلت وأطفاتها لم
يعجبها مذاقها الحاد . وعادت الى كنتها .
أشعلت سيجارة الكنت مطمئنة من دخانها
، أشعالها للسيجارة لا تدل على إمتهان التدخين ،
عاتبتني على كتبها التي لم أحضرها معي ، قلت لها
الحقيقة بأني تكاسلت وأحب السفر لا أحمل إلا دفترا
وكتابا ، وأحيانا أفضل ألا أحمل شيئا معي لا ثياب أو
دفتر أو كتاب لإختار من يرافقني العودة .
سعيدة هي باللقاء وأنا كذلك ، كل
حركات جسدها تدل على سعادة غامرة جلست عن يساري
والدخان يتصاعد من فمينا ، بدأت أسئلتها عن الأدب
العربي وما صدر حديثا او قرأته ، قلت ما أعرفه وقرأته
في هذه الفترة وما لم نذكره على الهاتف ، قتلت من
قتلته وأحييت من أحييت من أدباء العرب ، دقيقة هي
عندما يتعلق الامر بالادب تلخص رأيها وتقذفه ، تشعرك
بأن الكلمات لا تمر عليها كغيمات عابرة الكتاب الذي لا
يقدم لها ما تريده منذ البداية لا تكمل الرحلة معه ،
الحديث معها عن الأدب يشعرك أنك أمام من أتقن فك طلسم
الحرف إلا أنه لا يتسرع في إعطائك هذا الإنطباع ،
كثيرا ما يمل الادب حين يكون محور حديث دائما ماذا نحن
البشر ؟ إنتقلنا الى حياتنا أارادت أن تعرف كل شيئ
عني في لقاء لم أبخل ولم أستحي في سرد حياتي خاصة ،
نقلتها بشوق الرجل وهو يأخذ زوجته الى البحر ظانا
إسعادها ، حتى تلك الزوايا التي عادة ما نخفيها ، جلست
وهي تقضم الخيار تتابعني بلهجتي العربية ولغتي
الفارسية المتكسرة ، تتابع الاحداث وكأنها تتابع فيلم
منتصف الليل ، مشوقة أحداثه ويحمل مفاجآة غير مختلقة ،
مستمعة جيدة هي او مشاهدة جيدة لا توقفك كثيرا إذا
ضحكت يضحك كل جسدها تجمع نفسها ترفع رجليها تعود الى
الخلف ثم تمسح دمعها .
تقول وهي تمسح دمعها : مكان فريبا
خالي الآن .
فريبا أعز صديقاتها.
ثم تكمل :
-
لماذا تجلس مشدودا هكذا
؟ إرتح في جلستك ، لماذا عكفت رجليك وشددتهما على
بعضهما ؟
قلت لها: أنا مرتاح في جلستي هكذا
.
عادت الى متابعة حكايتي ،قصة حياتي
ونحن ننتقل من بلد الى مدينة وطلاق أُمي أو عشقها ،
لايقطع القصة إلا قضمها للخيارة الصغيرة وآلة اعداد
القهوة القضمة بين طق وخا ، كلما ضحكت ومسحت دمعها
تفتح شريط شعرها ثم تلاعبه كطفل صغير وتعيد شده كررت
هذه العملية أكثر من سبع مرات ، لم أفهم سر الشريط ،
أردت سؤالها ولكني تراجعت .
أحيانا كانت تغيب عني كما تغيب
بطلة ( نهاية قصة السيدة والسيد كول ) وهي تقف جنب
رجلها أمام المحلات ، صحيح أنها تحدق في ٌ،في عيني إلا
أنها تحدق في مجهول او غار مظلم أكثر من تحديقها في ،
أعرف أنها لم تعد تسمع ما أقول لكني أكمل حكايتي ،
تعود بسرعة الى الحكاية بعد أن فقدت البعض منها ، كلما
شعرت بغيبتها أبطئ وأدخل في الهوامش . أخاف أن تستعير
جملة بطلة قصتها لتقذف في وجهي (( لا لست أنت ، لا أحد
منكم )).
مازالت تعيد فتح وسد شريط شعرها ،
وتنظر بين فنية واخرى الى قميصها وكأنها تتأكد من مكان
الأزرار ، طال حديثنا الى ساعات قلت لها تعبت دورك
الان في سرد حكايتك .
طوال جلستنا الحكواتية لم أسمع
صوتا للموسيقى إلا صوت آلة السه تار التي تأتي من
فوقنا ، زوج أختها يعزف على هذه الآلة ، لا تحب من
الموسيقى الا القديم والايراني فقط .
عجيب أن يلخص الانسان حياته في
بضعة جمل سريعة اسرع من انتهاء السيجارة .
ولدت في مدينة ................
إنتقلنا الى مدينة .............. درست
.................. أحببت .... سافرت .............
أخي وأختي ........ أمي وأبي ........ والآن أنا
........
وإنتهت حياتها الى هنا .
كثيرا ما آلمني تلخيص الحياة بجمل
مبعثرة ، حتى الجسور تحكي أكثر من ذلك . من الممكن أن
أكون أنا السبب في تلخيصها هذا عندما دخلت بحر الحكايا
الذي أحببت ونسيت من جلس معي في القارب ، خفت أن تبتسم
وتضيع وسط أمواج بحر الكلمات .
عادت الى النظر الى وسط قميصها
بالتحديد عيناها تريد الاستماع أكثر طالبتني بأن أحكي
لها عن حياتي أكثر مع تاكيدها على شكلي الذي يدل على
صغر سني .
فتحت شريط شعرها ، أكلني سر الشريط
هذا ؟
جاء كريم متاخرا وصل بعد أن تعبنا
من الحديث وأصابنا الصداع ، عندما وصل تنفس كلانا
الصعداء وأخذ كريم حمل الحديث .
عيني وعيني الكاتبة حمراء كلانا
يتثاءب ، الوضع لا يدل على خير هناك أسئلة رأيتها في
عيني كريم وهو يتنقل بين عينينا.
خرجنا بعد إصرار كريم على البقاء
إكثر وأنا أخذت دور السيدة (آ) في دقتها الساعاتية او
إهتمامها بالوقت ، الشمس تودع السماء وأضواء الدكاكين
والشوارع ترسم بخطوطها طريقا لأول نجم .
علي الذهاب الى المدينة الفن
والعجائب المعمارية إصفهان ، أرافق وفدا لفنانين
تشكيلين عرب يومان وأعود ، مر اليومان وعدت الى طهران
في ميني باص تويوتا عليك أن تتحدث طوال الطريق مع
السائق لكي لا يغفو خاصة وأنه مدمن، بعد أن وهب السائق
بعض الدراهم الإماراتية إستعاد نشاطه بعكس السائق
الآخر الذي يتقدمنا وأكل مخي بحديثه عن ما أعطي اليه
من مال قليل، بدأ السائق في سرد حكايته ، الدكتورة
نجاة سألتني : ماذا يقول السائق ؟ قلت له : يتحدث عن
حبه قبل زواجه وكيف فقد حبيبته .
قالت مطالبة : ترجم لنا ما يقول .
ها أنا أعود لدور المترجم ،
والسائق فهم المطالبة التي أكسبته جمهورا يلاعبه
النعاس ويريد ما يبقيه مستيقظا لاحظ تصفيق الاعين
الناعسة له ، السائق بالغ في حكايته إذا ترجمت ما
قاله سيتضح أنه يكذب عليهم ، علي إعادة صياغة قصته
لتتوازن الاحداث ، أشعل سيجارته ليضيف موقفا مؤثرا على
الحضور ظانا أنهم سذج و يسهل الكذب عليهم فهم لا
يملكون إلا مالا فائضا.
الساعة الحادية عشر ليلا إتصلت
على كريم ليس في طهران ذهب لحضور خطوبة أخيه في مدينة
دزفول وصديقه المهندس إصفهاني ذهب الى مدينة قم ما
الذي ذكره بمدينة قم الآن وفي هذه الليلة ما رأيته في
هذا الرجل لا يتناسب أبدا مع هذه المدينة ؟ ، أنهيت ما
أحتاج إليه الضيوف في الفندق بعد أن وجدت حقائبهم التي
فقدت ، وصلت الى عمارة كريم في أمير آباد الساعة
الواحدة حاولت فتح الباب بالمفتاح الذي سلمنياه كريم
لكنه لم يطاوعني ، أصحاب العمارة فطنوا الى المتلصص
الذي يحاول فتح الباب ، بدؤوا في تحريك أبواق سياراتهم
عبر أجهزة التحكم عن بعد ، عرفت أن الشرطة ستقدم بعد
لحظات ليسوقني الى المخفر وكيف سأثبت لهم أني لست
سارقا ؟
إتجهت الى الجانب الآخر من الشارع
الى الهاتف العام أول رقم ظهر لي هو رقم الكاتبة أعرف
أنها مستيقظة الآن يرافقها الكتاب على بخار قهوتها
الفرنسية وإيقاع السيجارة الكنت، ضغطت على الأرقام
وأنا أفكر من مستيقظ غيرها لا أحد يخطر في بالي ولم
أاحضر معي دفتر الهواتف الثاني إذ لدي عدة دفاترلكل
عام هواتف ،آلة الرد الالي تجيب قبل أن تنتهي الجملة
ذات الإيقاع المعتاد ذهبت بفكري الى المبيت في صالة
فندق لاله وإذا سألني الموظفون سأجيب بأني أنتظر ضيوفا
من الفناني العرب إتصلوا بي وسيصلون بعد قليل ، سأبقى
الى الصبح على الكراسي المتجمدة وصوت الخطو الناعس .
إشارة الصوت تصلني عبر سماعة
الهاتف أحضر نفسي للجمل : سيدتي الكاتبة مساء الخير
أنا الآن ..........
-
سلام آقاي حيدري خوبي.
-
سلام .
لم أتوقع أن أجدها ، شككت في
إيجادها أو ظننت ذلك أحيانا تقفل كل الابواب خاصة أول
الصبح ، قلت لها حكايتي الجديدة التي تشبه حكايا علي
بابا ، بسرعة قالت لي وبلا تردد تعال الى بيتي .
إرتبكت رغم إاتصالي بها قلت لها
حسنا .
سألتها عن الساعة قالت إنها
الثانية فجرا .
للناس حق في الشك بأمري .
مشيت في الشارع الموحش حتى من
القطط أمام مسجد بمناراته الخضر وخلفي جامعة طهران أو
منام الطلاب هذا المنام الذي شغل الصحف يوم إشتعل
بالمظاهرات وخلق مشاهد لا تصدق للعابرين أهمها قذف
الطلاب من الطوابق العليا كأضحية طلابية ، وقفت لا
سيارة تمر الا السيارات المسرعة يأتي منها صوت موسيقى
صاخب أكثر السيارات أو كلها فيها شاب وشابة يتراقصان
على أنغام الموسيقى ، كان خلفي حراس بوابة الجامعة
،قلت هنا المكان آمن في هذه الساعة من الليل ، لكني
تعبت من الوقوف مشيت متجها الى التقاطع لا أحد في
الشارع وعمال البلدية يبعدون عني مئات الامتار ، وقفت
سيارة بيجو 206 خرج منها أربع شبان ، تقيئ أحدهم على
الاسفلت والاخر أمسك في يده هاتفه الجوال وهو يصرخ :
أنا أنتظرك في هذا الشارع لن أذهب الى أي مكان تعال
حالا .
والآخران يراقباني بفضول ، قلت
لنفسي ها أنا وليمة سهلة لن أُسرع حتى لا يظن أني خائف
، بعد أن إبتعدت عنهم شعرت بنظراتهم تلهب ظهري وحقيبتي
، إقتربت من عمال البلدية وهم ينظفون الشوارع بمكانسهم
الطويلة ولكن الامر لم ينتهي بعد بإمكان الشبان دهسي
من أجل التسلية فقط .
صوت بوق سيارة أشرت لها توقفت ، لم
أركب علي أن أعرف السعر الذي سيطلبه مني لأني لا أحمل
المال الكافي ، ميدان مادر، قال أربع آلاف تومان ،
ركبت بدأ حديثه عن إرتفاع سعر البنزين وصعوبة العيش
قاطعته سائلا : هل هناك دكان او محل بيع للسجائر على
الطريق ؟
قال : ممكن قد نصادف في الطريق
ولكن لا أظن أننا سنجد أحدا في هذا الوقت لا عليك سنحل
الأمر .
الى أن وصلنا رماني بقطعة من حياته
ورميته بجزء مني .
ها نحن أمام عمارة الكاتبة قبل أن
أنزل من السيارة فتح السائق علبة سجائره وعد السجائر
ثم قدم لي أربعة منها وقال : بالمناصفة لك أربع ولي
أربع ستكفيك حتى الصبح .
شكرته ونزلت قال لي : هل تريد ان
انتظرك لاتاكد ...
قاطعته شاكرا .
ضغطت على الجرس الذي يحمل رقم
إثنين صوتها مرة أخرى هو نفس الصوت في جميع الأوقات لا
يفرق بين نهار او ليل قالت : سآتي لأفتح الباب .
إنفتح الباب ما ان وضعت السماعة
وخرج رجل ضخم طويل الشعر والشارب واللحية خطها الشيب ،
نظارته إنزلقت قليلا على أنفه يحمل حقيبة على ظهره
وعصى في يده لتسلق الجبال .
أحدهم يبحث عن مؤى والآخر عن تحدي
جبل .
قال لي : تفضل .
خرجت الكاتبة مستقبلة أياي وهي
تشكر الرجل المتسلق بنظره رأيت ظله يختفي في الظلام
وصوت خطوه وعصاه تلامس الاسفلت .
لم أرفع رأسي خجلا منها ، جمل تدور
حول الإعتذار والشكر والتقدير وهي تحرك رأسها وتكرر :
أعر ف أعرف أعرف.......
دخلت المكان هو هو، لماذا ظننت أنه
سيتغير ؟ حتى الكتب مازالت على الطاولة ، ما يقارب
الثلاثين كتابا وضعت مبعثرة على الطاولة .
قالت : ماذا تريد أن أعد لك ؟
قلت : لا شيئ .
أصرت ، قلت قهوة ، جهاز إعداد
القهوة الكهربائي أصدر طقطقة تشبه طقطقة الأصابع بعد
يوم حافل بالإنهاك أو طقطقة أول الصبح نعم اول الصبح
والان الساعة الثالثة الا ربع صباحا .
لا أحد في البيت إلا أنا وهي
والشيطان .
هكذا عادة يكتب و يقال وينقل في
الكتب الصفراء ، إلا أن الشيطان لم يكن ولم يخطر ببالي
أنه يبقى مستقظا حتى هذه الساعة ، أي شيطان يتحمل
عينيها ؟ ستعذبه و يقفل عائدا الى حيث كان .
لم آكل شيئا منذ غداء اليوم الفائت
لكني لا أشعر بالجوع بل بتعب وإنهاك شديدين .
بحركاتها السريعة أعدت القهوة وأنا
مازلت أقدم إعتذاراتي ، مشيتها تختلف هذه المرة عن
مشيتها النهارية ، إنحنى ظهرها بتعمد ، إنحناء ظهر أُم
، هكذا شعرت ، قالت لي : إذهب وخذ دوشا .
دوش! أي دوش ؟ بسرعة قلت لا .
لن أتعرى في منزلها حتى ولو كان
في الحمام ،لا لا ، الحمام يعني أن أكون عاريا ، لا .
( لا) ئي كانت حازمة حتى أنها لم
تعد الى ذكر الدوش ،بعد صمت ال(لا) قالت وهي تحاول
نزع المقاومة للماء في ال(لا) : إنزع ثيابك وإرتح في
الغرفة التي أخليتها لك وفرشت لم فيها لتنام .
أنزع ثيابي وماذا ألبس ليس لدي
ثياب محتشمة إذ يرتفع سروالي الى ما فوق الركبة ، أي
الى ما بعد حيفا ، لا لا لن أنزع شيئا سأبقى بثيابي
التي التصقت بي يومين كاملين ، بل سأبقى حتى الصبح
لأخرج بسرعة ، أفتح رواية بابا سارتر لأكمل ما تبقى
منها .
جلست في مكانها الذي جلست فيه قبل
ايام الى جانبي الايسر وضعت القهوة الفرنسية على
الطاولة أشعلتُ سيجارة تذكرت أنها تدخن قدمت لها
سيجارة قالت لا أريد . هل غضبت من اللاءات الحمقاوات ؟
ولما الغضب حتى أنها لم تكن لاءات بل نه نه نه .
إرتشفت القهوة خالطا إياها مع
الدخان ، نظرت خلفي مازالت التماثيل التي جمعتها من
عدة دول أثناء زيارتها تحدق في ، هذا من الهند هذا من
ماليزيا وهذا من ....، كآلهة تحرسها هذه التماثيل ،
تحدثت قليلا عن سفري الى إصفهان لم أر المدينة جيدا
إلا أن الرسوم في كنيسة جلفا أوقفتني أفزعتني ، عندما
دخلنا الكنيسة كنا متراصين لا تزعزعنا أي مؤامرة تحاك
ضد وحدتنا، لا أعلم متى إنفصلنا عن بعضنا حتى دليلنا
كأنه يدخل لأول مرة ، مبهرة هي الرسوم الجدارية ، بضع
ألوان و قصص صورية دمرت الوحدة وأعادت ترتيبنا في
المتحف القديم حسب ذوقها . فتحت شريط شعرها أعادت شده
.
نظرت في وجهها ، وجه ضاحك وجه
صباحي أملس رخامي ، عينان ليليتان نجميتان ، تعمقت
بهما ، أتعمق وأرشف قهوتي ، القهوة ليست حادة كما
إعتدت عليها ، ما هو لون هاتين العينين في هذه الساعة
؟ لا لون ، تعمقت أاكثر العيون لا تكذب أبدا ، في
الزاوية هناك حزن ، حزن ، لو سمحت لي أن أتذوق دمعها
لعرفت من أين ينبع هذا الحزن ؟
إذا لديك حزن ، ومن ليس لديه حزن ،
حاولتِ جاهدة تخبأته وخبأتيه ، إلا أني قليلا ما يخفى
علي حزن الاعين .
قالت : إذهب الى غرفتك وإرتح .
قلت لها : لا سأبقى في الصالة حتى
الصبح .
قالت : لا إذهب الى غرفتك وإذا
أردت القراءة أقرأ هناك .
سكبتُ قهوة لي ، البخار يتصاعد
منها ببطئ وأطفأت جهاز تحضير القهوة ، حملت فنجاني
وسجائري ومطفأتي وحقيبتي ، ما الذي يجبرني على حملها
كلها ؟
وهي تخطو بنشاطها وإنحناء ظهرها
الأُمومي ، تقول لي فرشت لك هنا في المكتبة ، دخلت
الغرفة الكتب نائمة وصادق هدايت معلق فوق الكومبيوتر
وصورة اخرى له فوق المكتبة تنظرني من خلف نظاراتها
بإستهزاء ، قالت : كن مرتاحا هل تحتاج الى شيئ آخر ؟
قلت : لا شكرا جزيلا أاتعبتك معي
الليلة .
هزت أرسها بتناغم موسيقى فارسية
قديمة وعيناها تضحكان وملل من التشكرات و الإعتذارات
الممزوجة بالعربية والفارسية .
خرجت من الغرفة حاولت إغلاق الباب
إلا أنه لم يستجب لم يتزحزح من مكانه وسلك الهاتف
يتلوى أمام الباب مانعا إياه من الحركة كحارس لا يعرف
التفاهم باللغة ، جاءت قلت لها : أظن أن الباب لم يغلق
في حياته أبدا ؟
قالت : لما تغلق الباب دعه مفتوحا
.
إذا الباب سيبقى مفتوحا الضوء
سيبقى مفتوحا وأنا سابقى مشرعا الى الصبح .
عادت الى غرفتها ، حاولتُ مرة
اُخرى إغلاق الباب لم يستجب لي ، حسنا فلأتمددعلى
الفراش وأفتح بابا ساتر اذ تحتاج هذه الرواية الى فتح،
أشعل سيجارة ، صممت على التقليل من التدخين الى علبة
واحدة في اليوم .
عيناي لا تتجاوبان مع الكلمات هناك
من يبحث في الرواية عن حياة فيلسوف في مطاعم الكباب
بين رائحة البصل والفلسفة تحتاج الى تركيز ، نهضت
لأغسل وجهي ، أحتاج الى دوش بثيابي لكي تلتصق بي أكثر
، وضعت في الحمام أواني زجاجية شفافة مملؤة بأوراق
الورد الوردية و الحمراء غادرها نداءها فتخشبت بجمالية
مراهقة ، فتحت حنفية الماء لأغسل وجهي وأعود للقراءة ،
إنعكس في المرآة وجه غارت عيناه ورسمت دائرتين
سوداويتين ، كان وجهي شبيه بوجه المرأة في ( المرأة
والمرآة ) وهي تصرخ في نهاية القصة عالنة بداية
نهايتها : يا إلهي هذا أنا ؟.
لم أرم الماء على هذا الوجه المخيف
قلت لنفسي فلأنم قليلا ، عدت الى الغرفة فتحت الكتاب
أخذت رشفة مصغرة من فنجان القهوة وأشعلت سيجارتي أو
سيجارة السائق ، متى إنتهت السيجارة و متى غفوت ؟ من
أطفئ النور ؟ أذكر أني لم أسحب الغطاء علي ، إستيقظت
على صوت فتح باب نظرت حولي الشمس لم تضرب النوافذ بعد
عدت الى مخدتي أو المخدتين ، ما إن شعرت بديدان الشمس
تدب حتى قمت ، الساعة الثامنة تقريبا ، أظن أنها سمعت
صوت قبضة باب الحمام المزهر تئن ، جاءت بخطواتها
السريعة وجملها التي تخلق صبحا يناسبها وجمل لا تلحق
في مسكها ، ماذا تحب أن تفطر ؟
-
لاشيئ سوف أكتفي بالقهوة
وأرحل .
-
لا لدينا جبن وزبدة ،
زبدة وعسل ، هناك من يرغب الزبدة مع العسل وهناك من
يرغبها مع الجبن الى أيهما تنتمي ؟
أردت قول أنا أنتمي الى الرحيل
.ولكني بلعت جملتي وقلت مع العسل .
قالت : إنتظر قليلا .
عادت بعد قليل وبيدها قطعة قماش
وقالت :
-
لقد سرقت الخبز من شقة
أبي وأنا عادة أبدأ صباحي بالقهوة وقطع البسكويت .
وضعت الخبز المجمد على النار ما أن
يسخن تعيده الى الكيس القماشي وتقول : لكي لا يبرد .
إكتفيت ببضعة لقم وأخذت قهوتي
وجلست على الكنبة التي تعودت علي لأشعل سيجارة الصباح
.
لم تشعل هي سيجارتها تعجبت ، من
أهم الاوقات السيجارية هي الفترة الصباحية ، فهمت بعد
أيام أنها أقلعت عن التدخين .
قالت : هل تريد الإتصال بأحد .
قلت : كريم .
أعطتني سماعة الهاتف إتصلت بكريم
إنصدم لأني في بيت الكاتبة جن جنونه ، قال لي لماذا لم
تتصل بي حتى اُرسلك الى فندق مناسب ، لا يعلم بأن لا
مال لدي ، قال او اُرسلك الى احد الاصدقاء لو أنت
إتصلت فقط .
تكررت هذه الجملة بأكثر من لغة ومن
أكثر من شخص ومن أكثر من مدينة وكأني ........ لو
إتصلت بنا ، لو خبرتنا ، لو كان لديك عقل ؟
ما الذي فعلت ؟؟؟؟
وماذا لو أردت أنا المبيت هناك
ولكني أحمل الاوراق والعقول عللا لترضيهم فأفزعتهم
بلزوجتها وصخبها ؟
وما المشكلة لقد أنهيت ليلتي وها
انا ذاهب الى محطة الباصات لأغادر الى مدينتي .
قال إعط السماعة للكاتبة ، بعد أن
ضحكا ونقلت لي الكاتبة ما قال ، سألها : هل أصبحتم
ثلاث أم بعد ؟
ماذا يعني بالثلاث ؟ هناك تقطيبة
طفلة على وجه الكاتبة حولتني الى مراقب ومنتظر تراجع
الى أنه يظن ان أبنة إختها تشاركنا الضحك .
أعدت نظري فيما يسمى حداثة ،
سارترية ، شيوعية ، حداثوية ، بنيوية ، بسكوتية ،
عجينية ، حيدرية ، حمارية إلى آخر هذه الفقعات
الإسمنتية .
كانت الكلمات تصدر عن حاملي مشاعل
هذه الفقعات وحده الرجل الذي أراد قتل إبنة عمه لأنها
هربت مع عشيق لها ولم يستطيعوا لأن عاشقها يحمل من
الأسلحة ما يكفي لصد جيش دفاعا عن حبيبته ، وما أعرفه
عنه أنه لم يكمل في حياته قراءة كتاب كلماته بدوية لا
دوران فيها قال : عادي بت ليلتك وما الذي حدث ؟ وهل
هناك شيئ عجيب ؟ بت ليلتك وإنتهى الأمر خلاص لما هذه
الضجة إسكب لي ماء.
هذا ما كررته زوجتي علي إلا أنها
لم تطلب ماء بل أن أساعدها في غسل الأطباق .
ودعتها مازالت تفتح شريط شعرها
وتعيد شده وتحني ظهرها .
رافقتني الى الباب و أعطتني رواية
مترجمة وكتاب آخر الى الآن لا أعرف ما هو ، مدت يدها
وقالت :
- خدا حافظ أحمد جان
|