|
توقفتَ أمام النتوء الصخري الهائل،
ومنحتَ سائق التاكسي الضَجِر كل ما في جيبك من نقود.
لم تعدَّها. هذا رزقه ونصيبه وأنت هنا لا تحتاج مالاً.
" المولد " في قلب الجبل الراسخ.طقسٌ محاطٌ بالحجارة.
تختارُ ركناً وتستريح إليه. تجلسُ بشعرك المحلول
ولحيتك المتروكة التي أثارت انتباه زملائك في العمل
والعدَّادين في المدرسة. بعد قليل سيبدأ الجنون. كلُّ
الأرواح المعذبة هنا. الدم المسفوك مُباح.. وأنت حُر.
يداك مشهرتان. صرختك ضائعةٌ في صمت الحشود. جسدك
الموشوم يراه الله ولا يسبر تعاليمه فانٍ. أظافر يديك
مشطوفة، جارحة.
تمتدُّ إليكَ يدُ فتاة ب " سطل " لبن،
تقول لك " يا شيخي ". تشبه فتاة في المدرسة تقول لك "
يا مستر". غُلامية هذه البنت. الخيط السميك الأبيض
يسيل من بين شفتيك.. وتحت الأحجار المتهدمة عند تخوم
المكان تدس مطواتك فيها لتكتمل سكرتُك. الدمُ المُهدر
تتجرعه الأرض ذات الحصى الصغير المدبب الجارح.. يوقظ
خطوات الأنبياء ويردد في أذنيك وقع أقدامهم المفلطحة
المشقوقة. آثارُها محفورةٌ لا تزال في كل شارع.
تعبرَها يومياً بحذائك الرياضي المُريح. الناسك يحيا
هُنا في ركن. أين أنت ؟
ظنَّت الفتاةُ أن عضوك هو نصلك الوحيد،
أن دم بكارتها آخر ما سينفقه جسدها من خسارات.
تركتكَ لجسدها.. للحمها الحي. أنتَ الملتحي ذو الضفائر
الذي رأت وجهه بعيون ميتة في مناماتها. تركتكَ
تسحب عنها ملاءتها السوداء. قطعة قماشٍ واحدة تُغطي
عورةً هائلة، بينما تهتز أنتَ يُمنة ويُسرة
مُغلقَ العينين، لترى. حيّ. تُقَبِّلُ يديكَ
المقدستين. تحل أنت ضفائرها لتصير امرأة.. وتجدل هي
شعرك السائل في ضفائر لتكتمل قداستك. قُبلتُك على
شفتيها.. لابد أن تكونَ صاحب آخر شفتين تتذوقهما في
حياتها. لا يُقَبِّلها رجلٌ بعدك. لعابك الدموي يرمح
في ريقها. سِمُّك في لسانك تتهجاه.. ومطواتك في قلبها
الذي لم يعرف الحب. قررتَ هذه المرة أن تغور بالمقبض
الخشبي وليس النصل، تريدُ أن تجرب طعنة الخشب العتيق
في جسد شاب. الفتاة التي تعبر منامات يقظتك كشبح تتحسس
الآن جسدك الموشوم، تلعق أبياتَ الشِعر
والأيقونات.بيديها المشعرتين تنزع حفنةً من شَعر عانتك
الهائش، وتستسلم أنت رغم ألم الاقتلاع الخفيف.. ثم
تنزع من شعرها خصلات مصبوغة، تكتم أنفاسها كي لا تفلت
الشهقة بينما تشعر أنت بألم انتزاعها المُر من
المَنبت. تمزجهُما الفتاة وتُضرم فيهما النار. تُجرب
اللذة معك في قلب الجبل.. في الشفق الذاهب إلى الزرقة
كذؤابة خيط لهب.. بينما الدفوف والمزامير و"الصاجات "
في الخارج تعلن أن الله قريبٌ جداً. يتطلع الفقراء
لأعلى ولا ينظرون باتجاهك. تتوقف السيارات الفارهة
بهدير خافت كي لا تُفسد صلاتك.
تنتهي منها. تتركها جثةً عارية تحدق
لأعلى. تُجرِّدها من جَلَبتها التي غلَّفت المضاجعة :
القرطين المعدنيين في أذنيها، حولهما دم دقيق متيبس..
الحلي البلاستيكية الملوَّنة في رسغيها النحيلين :
أحمر وأصفر وأزرق وأخضر. تُخلِّصها من فردة الخلخال
الرخيصة في ساقها اليسرى.. ضاقت على اللحم حتى صنَعَت
فيه طوقاً أبدياً.. ومن الشبشب البلاستيكي ذي الإصبعين
الذي رفَضَت تماماً أن تخلعه بينما تريح ساقيها على
كتفيك لتسيل التحايا من شدقيك على جسدها المزغب. أنت
قبَّلتَ فرجها. لم تُصدق.. وفتحت عينيها على اتساعهما
لترى الصلوات تعبر جبهتك كسحابات.
ما بينَ مُعتَرَكِ الأشواقِ والمُهَجِ
أنا القتيلُ بلا إثمٍ ولا حَرَجِ
وَدَّعتُ قبلَ الهوى روحي لمَّا
نَظَرَت
عيناي من حُسنِ ذاك المَنظَرِ البَهِجِ
و أضلُعٌ نحلت كادت تُقَوِّمها
مِنَ الجوى كبدي الحَرَّا مِن العِوَجِ
في فمها رائحة حلوى رخيصة، بمذاق
الموز. لا تزال شفتاها محاطتين بأثرها اللاصق الصمغي،
اللزج. مُستَحِمَّة بصابون نفَّاذ رخيص أيضاً جعل
شعرها - مع الحناء - متيبساً.نهداها صلبان.. وشارب
خفيف فوق شفتها العُليا، المشقوقة، الداكنة.
أرى الطائرات الورقية من هُنا. ذات
صباح قتلتُ طفلاً فوق سطح وكتبت على "جلاد " طائرته
المزجج الشفاف سطراً رائقاً. حيّ. الطائرات فوق
الناطحة الزجاجية هناك، بناية المرايا المتقابلة التي
يتضخم فيها وجه المدينة وتَبرُز عظام وجنتيه. فوق
أوثان المدينة الصَدَفية.. الإسمنتية.. المعدنية :
أرواح قريبة منه.. هو الذي
يعرفُ.. ويُدركُ.. ويتألمُ.. ويرى.
و أدمُعٌ هملت لولا التنفس من
نار الهوى لم أَكَد أنجو من اللُجَجِ
أهفو إلى كل قلبٍ بالغرام له
شغلٌ وكلِّ جفنٍ إلى الإغفاءِ لم يعق
لا كان وجدٌ به الآماقُ جامدة
ولا غرامٌ به الأشواقُ لم تَهِج
مَن ماتَ فيه غراماً عاشَ مُرتقياً
ما بين أهلِ الهوى في أرفع الدرجِ
كفك اليُمنى عارية.. لن تدثرها الآن.
يدُك اليُسرى مُبتردة. كلاهما هائمتان.. تتطوحان
مجذوبتين. تتسلل الروح من أطرافهما وتنحل خطوط
طالعهما. تصيران بئرين خاويتين ترى فيهما كلَّ شيء ما
عداك.
الدمُ على مقبض مطواتك لا يغسله ماء.
نقاط الحليب التي لم تجف بعد في فمك تتساقط بطيئة
عليه.. القطرة تلامسه بعد دهر. يتحول إلى اللون الوردي
على الدكنة البُنِّية للمقبض. << يا من
تلوثتم بدماء القلب.. كالوردة >>. تجويف الجبل معتمٌ.
حجر ٌ سحيق يشد القاهرة كلها..يبقيها.. يرسيها. يرسخ
فوق الأنفاس الهشة المؤقتة. المدينة ماريونيت مشدودة
بخيوط واهنة إلى صخرٍ مطعون.أحشاؤها القطنية
هُنا.تُعمِل نصلك في رُكن، تترك ذكرى في جثمان
الصخر الرمادي الضارب إلى الخُضرة، ثم تقتطع نتفة
من الحجر وتضعها في فمك.. تبتلعها. صار الجبلُ في
أحشائك. منذ قليل، قبل أن تقود الفتاة للداخل، رأيتَ
وجهَك في ماء "الزير"، تُعيد دوائر الماء خلقه. ودسست
يَدَك، ابتل طرف كمِّك.. وخرجتَ بعملة معدنية صدئة،
عتيقة. ضغطتَها بين أصابعك فالتوَت.
تُعيدُ الفتاةَ لملاءتها السوداء التي
لم ترتَدِ تحتها طيلةأعوامها الثلاثة عشر سوى جسدها.
كَفَنٌ داكن معروق يُلائم هائمةً لم تتعرَّ سوى لك.
سيعثرون عليها بعد أن ينتهي كل شيء. لن يلحظوا في
باديء الأمر سطور الدم الداكن، المُقفَّى، على عباءتها
المُظلمة. لكنني اطمأننتُ لأن على
الأرض، بجوار جسدها، علامة :
لا خيرَ في الحُبِّ إن أبقى على المُهَجِ. |