15/02/2008

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 
 

مع ذبابه

مريم الساعدي - قاصة إماراتية

within_us@hotmail.com

 
 

 

تززززززززززززززززززززززززززززززززززززز وهبطت على الطاولة أمامي. هممت أن أبعدها، ثم سحبت فنجان قهوة ثان، سكبت فيه بعضا من قهوه ، وقدمته لها. منذ مدة لم يشاركني أحد فنجان قهوه.

تزززززز طارت مجددا ، راحت تحوم حول فنجان قهوتها، ثم تسقط على الطبق مغشيا عليها. ربما أسكرها بخار القهوه. يبدو أنها مرّتها الأولى. تظل مستلقية على ظهرها، بعد فتره تبتدئ بتحريك أقدامها النحيلة بحركات متداخله. تززززززززززز صوت ذبابة أخرى، تحط فجأه فوق ذبابتي الأولى. وتبدآن معا في الشقلبه فوق بعضهما  ثم تطيرا  بعيدا.  يبدو أن لديهما أعمال أخرى أهم من مشاركتي فنجان قهوة مُرّه.

طرق طررق طررررق طرق طرق طررررق، هذه أصوات أظافري تقرع على سطح الطاوله. تززززززز، تززززززز تعود الذبابة مجددا، تحط على طبق فنجان قهوتها التي بردت. تقف مبحلقه نحوي. أبحلق فيها كما تشاء.

تمضي الثواني، لا تتحرك، ولا أتحرك. أتخيل، ماذا لو تحولت لأمير وسيم. أنتظر. قد تتحول. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل. ماذا سأفعل؟، سأقدم له فنجان قهوه بالطبع. لكن ، هل سيكون عليّ غسله قبل ذلك لأن ذبابة حطت عليه؟ ، ولكن..ألم يكن هو هذه الذبابه؟. سأصلي كي يتذكر ذلك.

ربما يجب أن أقدمه دون غسيل، عليّ التصرف بحذر، لا يجب أن أهينه من أول لقاء، في تجربته الآدمية الأولى قد يكون مرهف الحس جدا. لكن، ماذا لو لم تكن الأولى؟، ماذا لو كان بشرا قديما يعرف طقوس النظافه البشريه؟، ماذا سيظن بفتاة تستقبل ذباب على المائده وتشاطره القهوه بكل أريحية؟ حتما سيقرف مني، إنه أمير. لكن، ربما طول مكوثه بين معشر الذباب أزاح الحاجز النفسي الأزلى بين البشر والذباب، ربما صار الذباب بالنسبة له أهل ووطن، ربما تكون ذبابة كبرى حنونه قد اعتنت به في سنوات غربته. وربما يكون قد أحب ذبابة خضراء جميله وتزوج بها وأنجب ذبابات صغيرة كثيرة،  فصار مشفقا على مخلوقات قدرها ان تُقتل فقط لأنها هي.

تدمع عيناي من طول البحلقه، أرمش بهما، تقفز ذبابتي، تختفي من أمام ناظري، أبحث عنها، أحرك الطبق، يمنة ويسره، أين عساها اختفت، أرفع الفنجان، أعيده، ولا أثر لها. أنتظر، ربما راحت تغير جلد الذبابة لتعود بثوب أمير.

تتررك تتررك تتررررررك هذا صوت أظافري على ظهر فنجان القهوه، أمسك بمقبضه، أديره على الطبق في حركة دائرة متصله. مثل طبق فضاء. ربما لو أسرّع حركة الدوران سيتحول لطبق فضاء. كل شئ يتخذ شكلا متطورا عند الدوران السريع. ماذا سأفعل حين يتحول لطبق طائر؟ ، سأقفز الى داخله بالطبع. سيكون قد صار حجمه أكبر، وسيرتفع عن المائده، إلى سقف الغرفه، سيخترق سقف الغرفه، سيكون متسعا كفايه لأتحرك بداخله بحرية تامه. سيكون مضيئا جدا من الداخل، وبهيا جدا. ستصدر من جدرانه أنغام موسيقيه ناعمه جدا، شئ مثل صوت خرير مياه عذبه وزقزقة عصافير ملونه، سيعبق المكان برائحة زكيه، مثل عطر خفي بعيد. وسيبتدأ في الدوران، لن أحس بشئ، سأشعر فقط بنشوة التحليق لأعلى. ستكون فرصة رائعه لمغادرة الأرض المليئه بالملل. سأضحك بفرح، أعرف أني سأفعل، فأنا أدور، أدور، أدور، والمكان رائع، ولي أنا وحدي، سأضحك بصوت عال، ولن يمانع أحد، فسأكون فوق الجميع.

تررررررررررررررررررررررررررتااكككك، هذا صوت الفنجان يسقط من يدي ويتدحرج أرضا . يبدو أن السرعة كانت زائدة.

حسنا، لا شئ يحصل.  علي أن أبتدأ تعلم فن اليأس.

أنهض ، ألتقط الفنجان، أرفع الأطباق، وعلى قاع الطبق الطائر يقبع الأمير الوسيم جثة هامدة.

ربما عليّ التركيز على حلم واحد فقط في كل مره . قد تدهس الأحلام المزدوجة بعضها بعضا ،في طريقها إليّ.

 
 

 

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى