01/12/2007

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

المسرح العربي الواقع والتطلعات !

نور القحطاني _ شاعرة وكاتبة كويتية

Alqahtani1@hotmail.com

 
 
 

لم يكن مفهوم العرض طارئاً على الثقافة العربية فالأسواق العربية القديمة مثل عكاظ و مجنة وذي المجاز والمربد كانت تزخر بالكثير مما يمكن عده فعاليات بصرية تقترب من مفهوم العرض المسرحي وإن كانت لا تتوازى ولا تتماهى مع المفهوم الراسخ للمسرح منذ الإغريق الذي نشأ عندهم على أسس دينية. فكرة العرض كانت دائما حاضرة في الثقافة العربية وإن كان أقربها إلى المسرحة هو ما كان يعرف بالبايات التي برع فيها ابن دانيال والتي كانت لا تختلف عن فكرة خيال الظل المعاصرة إضافة إلى طقوس التعزية وطقوس الحكي في المقاهي بواسطة الحكواتي وجميعها مما تم استثماره لاحقاً من قبل مخرجين مسرحيين عرب بطرق مختلفة.

إلا أننا لا يمكن أن ندعي أن الثقافة العربية عرفت في عصورها المختلفة تقاليد مسرحية كالتي شهدتها أوروبا أو اليابان ( مسرح النو ) على سبيل المثال. ومن هنا لا نتوقع الكثير من جمهورنا العربي الذي لم يترب على هذه الأداة الجمالية التحريضية – بحسب سعد الله ونوس – التي تسهم في الارتقاء بالوعي الإنساني.
فالمسرح بالنسبة للعديد من الثقافات الإنسانية ثقافة راسخة تضرب بجذورها في عمق التاريخ مما يكاد لا ينطبق على العالم العربي.
و الحقيقة أنه من الظلم أن يوضع العالم العربي بأجمعه في سلة واحدة ونعمم عليها حكما واحدا، فالمسرح الذي نشأ ابتداءً في سوريا على يد أبي خليل القباني في القرن التاسع عشر وجد تواصلاً و قبولاً معقولاً مما رسخه في الوجدان الشعبي ليتوج فيما بعد بكليات متخصصة ومهرجانات سنوية وهو ذات الأمر الذي ينطبق على لبنان التي تأسس فيها المسرح على يد مارون النقاش في منتصف القرن التاسع عشر والذي ترسخت فيه التقاليد المسرحية عبر الكليات المتخصصة والمهرجانات التي أبرزها مهرجان بعلبك الشهير الذي استضاف الكثير من الفرق العالمية من أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية والصين واليابان وكان له دوره المركزي في التواصل مع المسرح الغربي وفي ترسيخ القيم المسرحية العربية عبر أسماء مضيئة تأليفاً وإخراجاً وتقنية وتمثيلاً. وبنفس الطريقة نستطيع الحديث عن نشوء المسرح المصري الذي يعد واحداً من أهم المسارح العربية وأكثرها سطوعاً وإنتاجا لأسماء خالدة على مستوى الكتابة و الإخراج والتمثيل. أما دول شمال أفريقيا فقد أرتبط المسرح فيها بالحقبة الإستعمارية التي استزرعت الكثير من القيم الثقافية الهامة ومن بينها المسرح الذي أنجب أسماء عرفت حتى في نطاق العالم الغربي مثل الكاتب ياسين الجزائري والمنصف السويسي التونسي والطيب الصديقي المغربي الذي اشتغل على الأشكال التراثية وأنتج مسرحا له خصوصيته وتفرده. أما في العراق فقد عانى هذا البلد من وعي السلطة بخطورة الدور الذي يمكن أن يلعبه المسرح على مستوى الحياة السياسية والإجتماعية إلا أن العراق كبلد منتج للثقافة بمختلف تجلياتها كان للمسرحيين فيه دوراً هاما في خلق بيئة مسرحية متقدمة تجلت في تعدد الفرق المسرحية الخاصة وفي إنتاج الكثير من الأدبيات المهمة في تاريخ المسرح العربي إضافة إلى بزوغ أسماء أسهمت في بناء سمعة عالية للمسرح العراقي كيوسف العاني و عوني كرومي وجواد الأسدي وآخرين. على المستوى الخليجي تعتبر الكويت والبحرين أهم المراكز المسرحية الخليجية و شاركت التجربة الكويتية التي تأسست على يد الراحل المصري زكي طليمات في الستينات من القرن الماضي و ترسخت على يد الراحل صقر الرشود في تكوين بيئة مسرحية استطاعت أن تضع لها قدما على خارطة المسرح العربي.

من خلال العرض السريع السابق - و الذي أعتذر عن قصوره فهو لا يشمل جميع الدول العربية بالتأكيد ولكنه يعطي فكرة ولو مختصرة عن نشأة المسرح العربي - نتبين أن المسرح في العالم العربي ليس وليد تجربة تاريخية ممتدة عبر العصور وانه ظهر تقريباً مع بدايات ما يعرف بعصر النهضة العربية فإذا أضفنا إلى ذلك أن المسرح حدث ثقافي بامتياز وأنه أداة تعبيرية لها خطورتها نصل إلى نوعية أخرى من المعوقات تواجه هذا المسرح الوليد نسبياً منها واقع التعليم في العالم العربي الذي وإن كان حقق ذات يوم نجاحات تذكر فإنه في الراهن من الأيام يعاني من قصور مريع على مختلف المستويات. ولعل التقرير الأخير الذي نشر عن حالة الأمية في العالم العربي ما يغني عن أي كلام آخر. أما عن الحالة السياسية فهي لا تختلف عن حالة الأمية المشار إليها ولكن مع إضافة حالة الإختناق التي تعانيها معظم الدول العربية والتي أفرزت ممارسات المنع والرقابة والحجب والمصادرة مما خلف للمسرح بيئة أقل ما يقال فيها أنها بيئة غير مواتية لفعل مسرحي خلاق برغم جميع المهرجانات الطموحة وبرغم كل الجهود التي تبذلها أسماء سيحفظها التاريخ بكثير من الجلال والإحترام كنضال الأشقر وسعد الله ونوس رحمه الله والمنصف السويسي والطيب الصديقي وألفرد فرج و كرومي والأسدي وصقر الرشود و الكثير الكثير من الأسماء المضيئة في مختلف الدول العربية والتي تعمل بمثابرة وجلد وإيمان حقيقي بنبل الهدف.
إن ما يعانيه المسرح العربي اليوم من اتجاه نحو الإستسهال والتجارية المحضة تفسره الأسباب التاريخية والموضوعية المذكورة بعاليه من وجهة نظري وهي التي تتلخص في التالي:

1-
إن المسرح فن حديث نسبياً بالنسبة للعالم العربي مع الإقرار بعدم تماثل هذه الحداثة في ما بين الدول العربية.
2-
الواقع التعليمي المتردي من سيء إلى أسوء على مستوى الكيف.
3-
حالة الإختناق السياسي العربي التي انعكست على الواقع المسرحي وخلفت ندوباً غائرة
يصعب شفاؤها دون إصلاح سياسي حقيقي يزيل ممارسات الرقابة والمنع والمصادرة وعدم الإهتمام.

من هنا فإن المسرح العربي يسير في اتجاهين:
الأول لا يحظى بالإهتمام الرسمي والشعبي وهو أقرب إلى النخبوي وإن كان يحمل قيماً ثقافية

و إبداعية ايجابية.
والثاني متكيف مع اللحظة السياسية والاجتماعية ولكنه بعيد
إلى حد كبير عما يجب أن يكون عليه المسرح من حيث هو أداة ثقافية وإبداعية.

ولكن السؤال ما هو الحل؟

يمكن تبين موقفي من خلال العرض السابق بسهولة رغم أنها إجابة تبدو عدمية
أو على الأقل غير متفائلة ولكنها من وجهة نظري عوائق لا يمكن تجاوزها بسهولة
إذ إنها مرتبطة عضوياً بالأرضية التي يقف عليها الإنسان العربي اليوم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
 
 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى