01/12/2007

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
قراءة في نص "إنه لوني يتصبب عرقاً"

من "زحام لا أحد فيه" لمحمد حسن أحمد

سامح كعوش - صحيفة الخليج

 
 
 

"متى يحق للشاعر أن يتنكر لأمنياته؟" أو "أن يهرب من ذكرياته عن الماضي الذي يحمله كوشم في لاوعيه؟"، سؤال يجيب عنه الشاعر محمد حسن أحمد في نص "إنه لوني يتصبب عرقاً"، وبالنص يحاول كتابة السؤال معكوساً، "متى يحق للأمنيات أن تتنكر للشاعر؟"، و"متى يحق للذكريات أن تفرض ذاتها على يومية حياتنا الحاضرة، لتحيلها وعياً خائفاً من ضياعها كما في ماضي الأمس؟"، وهو الذي يتسع بها كلّما ضاقت به الحياة، كما "لولا فسحة الأمل".

وإثبات الإجابة في قول محمد حسن أحمد الشعري في علاقته بأشياء هذا الماضي الذي يسرقه من ذاته، فيقترف خطيئة الفتنة المتجددة كما لو أنها الآن، فهو ينتمي إلى زرقة سماء، وفضاء مفتوح على احتمالات السعادة المتحققة بحضور أنثاه في الافتراض، يقول لها:

"أتذكرين

فتنة الأشياء

وبيت الرمل

ويدك التي تراقب الكرة الأرضية؟".

كأن الشاعر يقترب من نهايات الكون، حين تصير الكرة الأرضية هدية إصبع ساندريلا في الحكاية، وحين ينتقي من منفضة اللغة ما يلائمهما في اللحظة السحرية من دخان واحتراق، وكأنه يعود بها إلى طينه الأول لينجبلا معاً، كقصيدة تلعب ألعاب الطفولة في مرح روحين ملائكيين تحكم خطوهما براءة الاكتشاف الأول لأشكال الحب النقي قبلاً.

ويشرب الشاعر محمد حسن أحمد نخب الأماني المطوية، لأنه يدرك أنها لا تتسع لما ضاقت به القصيدة، ولا تعرف رذاذ الفرح حين تنتفض أصابع الحياكة كأنها الحكاية، وبينهما ولوج البدء في عالم النماذج الكاذبة بصور التخمين، والأقنعة المزيفة لفتات الورد في تمزق أشرعة الشاعر وعجزها عن الوصول إلى بحر أمانه الخلاق.

ولأن الأماني تضيق كما الحياة، استعجل الشاعر طفولته لمزيد من التعب، ومزيد من الشغب، وهو في السرد الراوي والبطل معاً، يحكي بنرسيسية الطفل الأسطوري قصة نظرته في الماء، كأنه يلهو بالماء ويرسم دوائر انتظاراته الهروب من عالم الطفولة إلى عالم لا يعترف بعمر، لأنه الأزل. ولأن محمد حسن أحمد أمير التفاصيل وكاتبها، يرمي في قبقاب الدار وحشته البرية، ويكتب للبياض عصافير صغار، يحلق معها في فضاء الحكاية التي ترويها النجمات، حين تتلو شذا الأجنحة، يقول:

"حين استعجلت طفولتي

وفتنتني الألوان

رميتُ في قبقاب الدار وحشتي

وكتبتُ للبياض عصافير صغاراً

ويدين من ماء

ونجمةً تتلو شذا الأجنحة".

إذاً، هو الشاعر اللاهي بالكلمات، العابث حدّ ارتطام روحه بأرض المجاز لتكسر زجاجه، وتجرح ورده بالرؤية الحادة كالسيف، عندما في رتابة الصمت يكتب فتنة الأرق، لتبقى أصابعه الكاتبة في تمام الأنهار، تتقن خدش حنينه الأول إلى لحظة طفولية لا تمر، لأنه لونه يتصبب عرقاً، ولأن المساحة أصغر من لهوه، والعالم أضيق من رغيف خبز.

وهو اللاعب بالترتيب ليخرّبه، يبدأ من الآخر، ليقول لأنثى إنها لا تتحقق، وإن استمرت أصابعها في العزف بعد أن حوّلت قلبه إلى بيانو، ويقول لقصيدةٍ إنها لا تكتمل، ولدنياه أنه ليس لها، فلم تكن إلا مساحة عبور إلى اللحظة الخالدة، لحظة الكتابة على جدران الهمس ليشع القلب بفرح الحلم، فالأنثى لم تخلق بعد، يقول:

"مررتُ من هناك

قطوف دانيةٌ ظلت تحدّق بي

أنا ظلٌّ لأنثى

لم تخلق ..

بعد".

وبتحقق أنثاه يبحث الشاعر عن تحقق إنسانيته، فكلاهما واحدٌ في الفعل، يلعبان بالطين وحواف الحلم، ويغرقان في نظرة حب ضائعة بين صمتين، صمتها وصمته عنها، فكأنما يبحث عن القول في لا قوله، ويرمي إلى غياب حميم في نثر الحروف على صفحة الفضاء لتشع النجوم بسمرتها التي تشبه سمرة أنثاه، مستعيداً قيمة الجمال العربي الأسمر وأسود العين والكحل والليل، في نص استرجاعي لقيس وبشار وعمر، وهو سليل الحكاية ذاتها، وصديق المعاني التي لم تصل بفعل انفراط ألف سنة من الطهارة قبل الميلاد، لتبقى دقيقة للخيانة، وأخرى للبحث عن أنثى جديدة كمشروع خيانة شعرية شرعية، وموت في فوات العمر، وضياع الفرصة عن الاكتفاء بالحلم، يقول:

" ما بين الطين والجلد

انفرطت ألف سنة

من الطهارة قبل الميلاد

وبقيتْ دقيقةٌ

للخيانة".

الشاعر تجرحه الخيانات فيقع في أسرها، ويظل يلاحق أطيافها في لحظات استعادته لقاء الحبيب بالحبيبة، في ما يقع خلف النظرة، يقع الشاعر في تفسيرها، ويحارب في التأويل، كأنه يمتطي نمراً من كلمات، تثور به حتى ترميه من على ظهرها، ثم تعيده إلى الورقة عريساً دافئاً من أدعية الأمهات والعذارى، عاشقاً لزهرات الربيع تعلن أسطورة البعث بعد كلّ شتاء فالشتاء بردٌ، والسماء زرقة الفسحة والاتساع، يقامر الشاعر بكل ما لديه كيلا يأتي الشتاء، يقامر بنومه، فالأرق أقرب إليها، وبه يتحقق ما اشتهاه في عالم الحلم من لقاء بينهما، يقول:

"يدنو برداً هذا الشتاء

ليبعد زرقة السماء

أيّ أرقٍ يليق بك

أقامر به

في الشتاء القادم".

يغرق الشاعر في لعبة شريرة، غايتها المجازفة بما امتلكت يداه، كي يستعيد روحه الحيرى، أسيرة المدن المريضة بالضجيج، والوجوه الملتحفة الذنوب والخطايا الكبرى، لأنه شاعر الأرق، ولعبة المقامرة بالممكنات، مطارد المستحيل، يفرح للحزن، ويضحك لبكاء أنثاه في الليل، ويحتفي بآلائها تنذر بالغياب، كلما اقترب، في غناء "سيرانا" الأسطورة التي تنشد للبحارة أغنية الثمالة والخدر لتتحطّم السفن في ارتطامها بصخرتها، كما لو كان محمد حسن أحمد عرّافاً عارفاً بسرّ البحارة الذين جابوا المحيطات بحثاً عن لؤلؤه المرصود، فما عادوا إلا بقليل حطام مراكب، وأحلام بعرائس البحر ساكنات اللاوعي السحري الفارغ، إلا من الذكريات.

 

 

 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى