01/10/2007

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 
 

محارب قديم

حسن الشيخ _ قاص و روائي من السعودية

Shaikh31141@yahoo.com

 
 
 
 

تلاشت كل الأصوات في هذا المكان . النافذة أغلقت شفتيها على مرافئ الحلم . و أضواء الشوارع البعيدة انتحرت بهدوء . بينما أقفرت ردهات المستشفى , ليس من الزائرين , بل من المرضى أيضا . ولم يبق ساهرا إلا نجيمات  الصباح , قبل أن تنزف آخر إشعاعاتها , عند مقصلة النهار

 

 أما أحمد فهو محارب قد استلقى على الفراش بخدر . فاجأته نوبة السعال وهو يستعد للدخول في مملكة النوم . فاجأته نوبة السعال , و أيقضت بقدومها , روعة الآتي و أحزان الماضي . و تراءى له و جهها بين الغفوة و الحلم , و هي تحتفظ بكل تألقها و جمالها . و عينيها الضاحكتين .

مد يد يه إلى الهواء . تناول فرشاة من عالم الفراغ , و راح يرسمها , و يلونها بكل ألوان قزح الجميلة التي يعشقها . ردد بصوت خافت أسمها . ثم أستسلم لنومه طويلة أخرى .

قال أحد الأصدقاء بلا مبالاة , موجه حديثه  للأخر :

_ لا أدري هل ستطول رقدة أحمد محارب , إلى سنوات ! ام هذه هي النهاية .

أجاب الرجل الثخين الملاصق لسرير أحمد :

_ لا أحد يعلم . ولكن لولا انو الأطباء أسعفوه في اللحضات الأخيرة . لكان الآن في عداد الموتى .

_ يبدو انو الموت أرحم من هذا العذاب الطويل .

فأجاب الرجل الثخين بعد أن حرك كرشه بعنف هذه المرة :

_ أرجو أن لا تنسى انك تتحدث عن مجاهد . حارب العدو سنوات طوال . وهاهو الان مبتور الساقين. وغارق في غيبوبة طويلة .  

فتح أحمد عينيه بكسل . حاول أن يتحدث . ولكن لم تخرج سوى همهمات غير مفهومه . أغمضهما مرة ثانية . بينما ارتسمت على شفتيه اسمها بصعوبة . ثم لم يعد يرى شيئا , او يسمع همسا , غير تكاثف الظلام الزاحف عبر ممرات المستشفى الضيقة , حتى سد كل المخارج . راح في دوامة صاخبة من الذكريات , و فوضى المشاعر الجامحة في مخيلة بلا قضبان .             

يرقد أحمد قلقا . إلا انه عرف أياما طويلة و بائسة , من التخفي و الخوف و التشرد , في الأودية و الشعاب . قاتل مع المجاهدين من قمم الجبال . يتذكر الحاج عابد المسلم , وهو يتولى توزيع واجباتهم الجهادية ضد العدو . يتذكر بشكل غير واضح , أسلوب الحاج الجاف و الغامض في إصدار الأوامر . رغم انه يدرك ان الحاج يحمل قلبا كبيرا عطوفا . تنقل لأكثر من فرقة . قاتل مع محمد الكبير , وقاتل في أسفل الوادي الشمالي في فرقة المتطوعين القدامى . لم يكن يعرف الراحة . 

قدم الطبيب و هو يحمل على رقبته سماعته الطبية . أقترب من السرير , سلم على الجالسين . ثم أبتسم و أخذ معصم أحمد و جس نبضه . فتح إحدى عينيه , و حدق فيها باهتمام . بعد ذلك ردد بثقة و كأنه يوجه حديثه لزوار المريض :

 _ الحمد لله ... الحمد لله .. كل شئ مطمئن .

 قال الرجل الثخين بعد أن لعق شفتيه بلسانه العريض .

_ و لكن دكتور إلى متى سيستمر في هذه الغيبوبة الطويلة .

قال الطبيب بهدوء :

_ لا أحد يعلم .

لا يمكن أن يجزم زواره  حوله انه ردد اسم رحاب فقط . إلا ان البعض أعتقد انها زوجته . اما البعض الآخر قال : انه لم يتزوج .

أما فاطمة التي ردد اسمها لأكثر من مرة . فيؤكد أحد أقربائه من المجاهدين معه في الجبل انه اسم أمه . في كهف الجبل الذي تختبئ فيه فرقة المجاهدين . رسم كل صورهم بالفحم . إلا إن الحاج عابد المسلم حينما علم بذلك . بل و حينما تأكد الحاج بنفسه , فقد عاقبه بالحراسة الليلية لشهر كامل و بشكل متواصل . و رغم ان المجاهدين قد محوا صورهم في أقل من ساعة . كان الحاج عابد يعتقد إن العدو قد يستفيد من هذه الرسوم في التعرف على أماكن اختباء المجاهدين . فهذا الكهف يمكن أن يتم إخلاءه  في أي لحضة . فالحرب هنا كر و فر .

العقوبة لم تثنيه عن الرسم . فهو فنانا قبل أن ينظم إلى المجاهدين . درس الرسم في مدارس الأطفال

الصغار سنين عديدة . لاعتقاده انو الأطفال أكثر قدرة على تعلم هذا الفن من الكبار . تبنى العديد منهم . يتذكر سهيل الطفل المعجزة , الذي يرسم المباني التي يراها لمرة واحدة بكل تفاصيلها الدقيقة . كما تصورها الكاميرا وعمره لم يتجاوز العاشرة .

رحاب كانت تلح عليه أن لا يرسم غيرها . لم تكن تعني ذلك حرفيا . بل كانت تردد في دلال :

_ ان كنت رساما , فارسم لي لوحة في روعة الموناليزا . و إن كنت قاصا فاكتب عن حمل وديع خائن .

ذهب مرات عديدة إلى حارة اليوسفية حيث منزل رحاب . ولكن أين هي رحاب اليوم . لماذا هي بعيدة كل هذا البعد عنه . أسئلة عديدة مثارة , و إجابات أكثر لأسئلة لم تسأل .

في صباح اليوم دخل زائر جديد لغرفة أحمد  , وبعد قليل دخلت امرأتان قد لبستا السواد . تحدثتا مع ياسين عن صحة أحمد . سألاه بشكل روتيني ثم خرجتا . فلم يعرفهما . ياسين صديقه في فرقة الحاج عابد المسلم . و أحد أقربائه . بل انه زميله في المدرسة حتى الثانوية . عندما يستريحان , يلذ لهما أن يتذكرا أيام الدراسة . كثيرا ما رددا ذكرياتهما عن الأستاذ المهبول . أستاذ العلوم الذي يترك الدرس و يقلد ممثلي السينما . فيضج الطلاب بالضحك . حتى اذا مر مدير المدرسة بالقرب من الفصل . صاح بهم الأستاذ المهبول :

_ سكوت .. سكوت ..الضحك بعد قليل .

إلا إن ياسين لم يكمل تعليمه . و دخل أحمد كلية الفنون . منذ عرف نفسه و جد انه مع علاقة حميمة مع الخطوط المنحنية , يعشقها , يتأملها . انحناءات أعذاق النخيل , و انحناءات الأشرعة ...تثير في نفسة مشاعرا غامضة و جميلة . بعد ذلك بدء تموجات  شعرها الفاحم الأسود , تثير المشاعر نفسها .

أصوات المدافع و طلقات البنادق . لم تفارقه في المستشفى . أضحت كوابيسا . تغلق نومته الطويلة . و السواد .. و الغيبوبة , و تداخل المشاعر تحاصر الأيام القادمة . و رحاب في الطرف الآخر من المدينة , و كأنها في الطرف الآخر من الكون . عندما أحبته رحاب رأت فيه فنانا تشكيليا معروفا يجيد مزج الألوان ,

و عرفته مجاهدا صبورا يجيد أخافة العدو . فقبلت به زوجا قبل أيام قليلة من ذهابه للجبل . تلقى رسائلها عبر بريد المجاهد ين  . قالت له إنها حبلى . و إن ولده سيحمل البندقية بعده . كانت قاسية و صبورة هي أيضا . أما هو فأرسل لها رسائلا ملونه باللونين الأحمر و الأسود . الدم و الفحم ...لأنه لا يملك سواهما . رسم لها حبه للوطن , و شوقه اليها . رسم لها ابنه القادم قبل أن يراه . رسم الكثير من مشاعره بدلا من ان يكتبها .

دخلت الممرضة  السمراء . بشعرها الأسود القصير , و هي ترفل في ثيابها البيضاء مبتسمه . قدمت و جبة العشاء للمريض الذي لن يأكلها . ثم التفتت للزائرين قائله , قبل أن تنصرف بهدوء :

_ لقد انتهى موعد الزيارة

 
 
 

 

 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى