|
تلاشت كل الأصوات في هذا المكان .
النافذة أغلقت شفتيها على مرافئ الحلم . و أضواء
الشوارع البعيدة انتحرت بهدوء . بينما أقفرت ردهات
المستشفى , ليس من الزائرين , بل من المرضى أيضا . ولم
يبق ساهرا إلا نجيمات الصباح , قبل أن تنزف آخر
إشعاعاتها , عند مقصلة النهار
أما أحمد فهو محارب قد استلقى على
الفراش بخدر . فاجأته نوبة السعال وهو يستعد للدخول في
مملكة النوم . فاجأته نوبة السعال , و أيقضت بقدومها ,
روعة الآتي و أحزان الماضي . و تراءى له و جهها بين
الغفوة و الحلم , و هي تحتفظ بكل تألقها و جمالها . و
عينيها الضاحكتين .
مد يد يه إلى الهواء . تناول فرشاة من
عالم الفراغ , و راح يرسمها , و يلونها بكل ألوان قزح
الجميلة التي يعشقها . ردد بصوت خافت أسمها . ثم
أستسلم لنومه طويلة أخرى .
قال أحد الأصدقاء بلا مبالاة , موجه
حديثه للأخر :
_ لا أدري هل ستطول رقدة أحمد محارب ,
إلى سنوات ! ام هذه هي النهاية .
أجاب الرجل الثخين الملاصق لسرير أحمد
:
_ لا أحد يعلم . ولكن لولا انو الأطباء
أسعفوه في اللحضات الأخيرة . لكان الآن في عداد الموتى
.
_ يبدو انو الموت أرحم من هذا العذاب
الطويل .
فأجاب الرجل الثخين بعد أن حرك كرشه
بعنف هذه المرة :
_ أرجو أن لا تنسى انك تتحدث عن مجاهد
. حارب العدو سنوات طوال . وهاهو الان مبتور الساقين.
وغارق في غيبوبة طويلة .
فتح أحمد عينيه بكسل . حاول أن يتحدث .
ولكن لم تخرج سوى همهمات غير مفهومه . أغمضهما مرة
ثانية . بينما ارتسمت على شفتيه اسمها بصعوبة . ثم لم
يعد يرى شيئا , او يسمع همسا , غير تكاثف الظلام
الزاحف عبر ممرات المستشفى الضيقة , حتى سد كل المخارج
. راح في دوامة صاخبة من الذكريات , و فوضى المشاعر
الجامحة في مخيلة بلا قضبان .
يرقد أحمد قلقا . إلا انه عرف أياما
طويلة و بائسة , من التخفي و الخوف و التشرد , في
الأودية و الشعاب . قاتل مع المجاهدين من قمم الجبال .
يتذكر الحاج عابد المسلم , وهو يتولى توزيع واجباتهم
الجهادية ضد العدو . يتذكر بشكل غير واضح , أسلوب
الحاج الجاف و الغامض في إصدار الأوامر . رغم انه يدرك
ان الحاج يحمل قلبا كبيرا عطوفا . تنقل لأكثر من فرقة
. قاتل مع محمد الكبير , وقاتل في أسفل الوادي الشمالي
في فرقة المتطوعين القدامى . لم يكن يعرف الراحة .
قدم الطبيب و هو يحمل على رقبته سماعته
الطبية . أقترب من السرير , سلم على الجالسين . ثم
أبتسم و أخذ معصم أحمد و جس نبضه . فتح إحدى عينيه , و
حدق فيها باهتمام . بعد ذلك ردد بثقة و كأنه يوجه
حديثه لزوار المريض :
_ الحمد لله ... الحمد لله .. كل شئ
مطمئن .
قال الرجل الثخين بعد أن لعق شفتيه
بلسانه العريض .
_ و لكن دكتور إلى متى سيستمر في هذه
الغيبوبة الطويلة .
قال الطبيب بهدوء :
_ لا أحد يعلم .
لا يمكن أن يجزم زواره حوله انه ردد
اسم رحاب فقط . إلا ان البعض أعتقد انها زوجته . اما
البعض الآخر قال : انه لم يتزوج .
أما فاطمة التي ردد اسمها لأكثر من مرة
. فيؤكد أحد أقربائه من المجاهدين معه في الجبل انه
اسم أمه . في كهف الجبل الذي تختبئ فيه فرقة المجاهدين
. رسم كل صورهم بالفحم . إلا إن الحاج عابد المسلم
حينما علم بذلك . بل و حينما تأكد الحاج بنفسه , فقد
عاقبه بالحراسة الليلية لشهر كامل و بشكل متواصل . و
رغم ان المجاهدين قد محوا صورهم في أقل من ساعة . كان
الحاج عابد يعتقد إن العدو قد يستفيد من هذه الرسوم في
التعرف على أماكن اختباء المجاهدين . فهذا الكهف يمكن
أن يتم إخلاءه في أي لحضة . فالحرب هنا كر و فر .
العقوبة لم تثنيه عن الرسم . فهو فنانا
قبل أن ينظم إلى المجاهدين . درس الرسم في مدارس
الأطفال
الصغار سنين عديدة . لاعتقاده انو
الأطفال أكثر قدرة على تعلم هذا الفن من الكبار . تبنى
العديد منهم . يتذكر سهيل الطفل المعجزة , الذي يرسم
المباني التي يراها لمرة واحدة بكل تفاصيلها الدقيقة .
كما تصورها الكاميرا وعمره لم يتجاوز العاشرة .
رحاب كانت تلح عليه أن لا يرسم غيرها .
لم تكن تعني ذلك حرفيا . بل كانت تردد في دلال :
_ ان كنت رساما , فارسم لي لوحة في
روعة الموناليزا . و إن كنت قاصا فاكتب عن حمل وديع
خائن .
ذهب مرات عديدة إلى حارة اليوسفية حيث
منزل رحاب . ولكن أين هي رحاب اليوم . لماذا هي بعيدة
كل هذا البعد عنه . أسئلة عديدة مثارة , و إجابات أكثر
لأسئلة لم تسأل .
في صباح اليوم دخل زائر جديد لغرفة
أحمد , وبعد قليل دخلت امرأتان قد لبستا السواد .
تحدثتا مع ياسين عن صحة أحمد . سألاه بشكل روتيني ثم
خرجتا . فلم يعرفهما . ياسين صديقه في فرقة الحاج عابد
المسلم . و أحد أقربائه . بل انه زميله في المدرسة حتى
الثانوية . عندما يستريحان , يلذ لهما أن يتذكرا أيام
الدراسة . كثيرا ما رددا ذكرياتهما عن الأستاذ المهبول
. أستاذ العلوم الذي يترك الدرس و يقلد ممثلي السينما
. فيضج الطلاب بالضحك . حتى اذا مر مدير المدرسة
بالقرب من الفصل . صاح بهم الأستاذ المهبول :
_ سكوت .. سكوت ..الضحك بعد قليل .
إلا إن ياسين لم يكمل تعليمه . و دخل
أحمد كلية الفنون . منذ عرف نفسه و جد انه مع علاقة
حميمة مع الخطوط المنحنية , يعشقها , يتأملها .
انحناءات أعذاق النخيل , و انحناءات الأشرعة ...تثير
في نفسة مشاعرا غامضة و جميلة . بعد ذلك بدء تموجات
شعرها الفاحم الأسود , تثير المشاعر نفسها .
أصوات المدافع و طلقات البنادق . لم
تفارقه في المستشفى . أضحت كوابيسا . تغلق نومته
الطويلة . و السواد .. و الغيبوبة , و تداخل المشاعر
تحاصر الأيام القادمة . و رحاب في الطرف الآخر من
المدينة , و كأنها في الطرف الآخر من الكون . عندما
أحبته رحاب رأت فيه فنانا تشكيليا معروفا يجيد مزج
الألوان ,
و عرفته مجاهدا صبورا يجيد أخافة العدو
. فقبلت به زوجا قبل أيام قليلة من ذهابه للجبل . تلقى
رسائلها عبر بريد المجاهد ين . قالت له إنها حبلى . و
إن ولده سيحمل البندقية بعده . كانت قاسية و صبورة هي
أيضا . أما هو فأرسل لها رسائلا ملونه باللونين الأحمر
و الأسود . الدم و الفحم ...لأنه لا يملك سواهما . رسم
لها حبه للوطن , و شوقه اليها . رسم لها ابنه القادم
قبل أن يراه . رسم الكثير من مشاعره بدلا من ان يكتبها
.
دخلت الممرضة السمراء . بشعرها الأسود
القصير , و هي ترفل في ثيابها البيضاء مبتسمه . قدمت و
جبة العشاء للمريض الذي لن يأكلها . ثم التفتت
للزائرين قائله , قبل أن تنصرف بهدوء :
_ لقد انتهى موعد الزيارة |