|
في صيف العام 1981 كنت صغيرا على
حمل أحزان شخصية لا تتعدى خصوصيتها حدود البيت . كنتُ
أوهن من أن أعبأ بها حقيبتي المدرسية و أخرج بها إلى
الطرقات و المدرسة و العالم . كنت أقول (( ياه .. كيف
سأمشي إن أنا ضاعفت بأحزاني الشخصية وزن ما في الحقيبة
من كتب ، و كراسات ، و أشياء أخرى ، لا يحملها حتى
حمار صغير )) و ربما لهذا فقط ، وُجدت في رأسي تلك
الجغرافية المضحكة للحزن ، فما للداخل كان للداخل ، و
ما للخارج للخارج .. و هكذا كان ، ما للبيت للبيت ، و
ما للطرقات للطرقات ، و ما للمدرسة للمدرسة أيضاً .
كنت في الحادية عشرة من عمري آنذاك
، وكنت قد تماثلت لشفاء وهمي من مرض الألم الذي
اجتاحني مبكرا لتعرفي ولأول مرة على الموت . كان ذلك
موت شقيقي ( ..... ) الذي يصغرني بثلاثة أعوام تقريبا
في حادثِ دهسٍ تحول فيه إلى قطعا من اللحم يلتقطها
المارة كشظايا من شقوق رصيف ، ثم وفي نفس العام عاد
الموت لينبهني إلى واقع أنه حقيقي ، ومستمر ، وخارج عن
أية إرادة - من تلك التي أعرفها وقتذاك - و أنه ليس
مجرد شوكة ، أو شظية زجاجية ، دست عليها خطأ بقدمٍ
حافية في إحدى طرقات مدينتنا الطافية على البحر ،
فماتت شقيقتي الصغرى في ليلة كانت أشبه بليلة ( العشاء
الأخير ) . إذ كنا – ليلتها - نشكل حلقة حول جسدها
المسجى على فراش وسط حجرة خالية بالبيت . كنا فقط ، و
ملامحنا ساكنة ، نتعاطى الخوف كأدعية و آيات تتمتم
بها همساً شفاه الكبار ، و هلوسة تتراكض صورها البلهاء
في عقول و أنفس البقية الصغار . كنا بذلك نقرأ أبجديات
الموت عن قرب . نتعرف عليه و نصافحه . نستكشف شكله و
ألوانه و طبيعته في وجه صغير وديع ، راح يذوي ببطء ، و
يغور شيئاً فشيئا تحت سطح الحياة .
و هكذا ، و لأن قراءتنا للموت كانت
قاسية ، و مبكرة جدا بالنسبة لي و لأشقائي الصغار ،
على نحوٍ جعل منها درسا مكثفاً ، و متواليا على دفعتين
هائلتين لم يكن باستطاعة عقولنا الصغيرة استيعابها و
فهمها بطريقة الكبار ، سارع الجميع ، و لتنبههم لخطورة
ما يجري ، إلى تفسير ما حدث ، و تبسيطه في أمثلة قريبة
للفهم ، فكان إيماننا بالقضاء و القدر أول ركنٍ عقائدي
تعلمناه في حياتنا ، و لكن مع ذلك لم يكن بإمكان
اطفالٍ في عمرنا إلا أن يستجيبوا بطريقة مختلفة
للحوادث و الملمات ، و كل شيء جديد يصادفونه لأول مرة
في الحياة . |