01/09/2007

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 

من دفاتر السيرة الذاتية  1

اجتثاث

 
 
 
 
 
 
 
من دفاتر السيرة الذاتية  2
الحزن مسألة شخصية

السينارست والكاتب الإماراتي أحمد سالمين

asalmeen@hotmail.com

 
 
 
 

(( البوح ))

 أليست مظاهر الألم ساذجة و سطحية بطبعها ؟! أوليس الإحساس بالألم الفزيولوجي جراء تماسنا و كل ما هو خارجي بالنسبة لأجسامنا من أشياء مؤذية ينبع من السطح دوما ؟! .. من بطانة الجلد بالتحديد !! ثم ، ألسنا نعاود الطفو بانفلات عفوي على سطح بساطتنا كلما توغل في  مادتنا هذا الألم  الساذج البليد ؟! ، فنصرخ و نبكي و نتأوه !! تماما مثلما يتناسب طرديا حجم و ثقل صخرة ملقاة  في هوة جُب ، و شراسة الصدى المنفلت كالصرخة من حلق الأرض ، و من حلوقنا حين تهوي قلوبنا في قيعاننا كالصخور !!

إن ما يظهر على أسطحنا من مظاهر لهذا الألم ليست هي الألم إطلاقاً .. إنما هي  ، و حسب ، صدى  ما يحدث في دواخلنا من تصدعات و انهيارات و تحول . إننا نتحول من الداخل بصمت ، دون أن تظهر حقيقة  هذه التحولات على واجهاتنا المرئية لبعضنا البعض . و لهذا – حين نفضفض - يستحث أحدنا الآخر على البوح . على الكلام . على محاولة وصف ما يحدث في الداخل المعتم لكل منا . هذا لأن الصراخ و البكاء ، أو التجهم و العبوس ما هي إلا إشارات ساذجة و عفوية للتدليل على وجود الألم في أعماقنا . و لهذا فإن هذه الإشارات لا تختلف من وجه لآخر ، و من عيون إنسان لأعين آخرين ، و من نحيب ، لنشيج ، لعويل

إذن ، فنحن دائما بحاجة إلى البوح . إلى اللغة . إلى الخيط الذي يصل داخلنا بخارجنا . إلى أي شيء ينتشلنا من داخلنا المعتم ، ويصلنا بالضياء .

 
 
 

(( الحزن مسألة شخصية )) *

في صيف العام 1981 كنت صغيرا على حمل أحزان شخصية لا تتعدى خصوصيتها حدود البيت . كنتُ أوهن من أن أعبأ بها حقيبتي المدرسية و أخرج بها إلى الطرقات و المدرسة و العالم . كنت أقول (( ياه .. كيف سأمشي إن أنا ضاعفت بأحزاني الشخصية وزن ما في الحقيبة من كتب ، و كراسات ، و أشياء أخرى ، لا يحملها حتى حمار صغير )) و ربما لهذا فقط ، وُجدت في رأسي تلك الجغرافية المضحكة للحزن ، فما للداخل كان للداخل ، و ما للخارج للخارج .. و هكذا كان ، ما للبيت للبيت ، و ما للطرقات للطرقات ، و ما للمدرسة للمدرسة أيضاً .

كنت في الحادية عشرة من عمري آنذاك ، وكنت قد تماثلت لشفاء وهمي من مرض الألم الذي اجتاحني مبكرا لتعرفي ولأول مرة على الموت . كان ذلك موت شقيقي ( ..... ) الذي يصغرني بثلاثة أعوام تقريبا في حادثِ دهسٍ تحول فيه إلى قطعا من اللحم يلتقطها المارة كشظايا من شقوق رصيف ، ثم وفي نفس العام عاد الموت لينبهني إلى واقع أنه حقيقي ، ومستمر ، وخارج عن أية إرادة - من تلك التي أعرفها وقتذاك -  و أنه ليس مجرد شوكة ، أو شظية زجاجية ، دست عليها خطأ بقدمٍ حافية في إحدى طرقات مدينتنا الطافية على البحر ، فماتت شقيقتي الصغرى في ليلة كانت أشبه بليلة ( العشاء الأخير ) . إذ كنا – ليلتها - نشكل حلقة حول جسدها المسجى على فراش وسط حجرة خالية بالبيت . كنا فقط ، و ملامحنا ساكنة ، نتعاطى الخوف كأدعية  و آيات تتمتم بها همساً شفاه الكبار ، و هلوسة تتراكض صورها البلهاء في عقول و أنفس البقية الصغار . كنا بذلك نقرأ أبجديات الموت عن قرب . نتعرف عليه و نصافحه . نستكشف شكله و ألوانه و طبيعته في وجه صغير وديع ، راح يذوي ببطء ، و يغور شيئاً فشيئا تحت سطح الحياة .

و هكذا ، و لأن قراءتنا للموت كانت قاسية ، و مبكرة جدا بالنسبة لي و لأشقائي الصغار ، على نحوٍ جعل منها درسا مكثفاً ، و متواليا على دفعتين هائلتين لم يكن باستطاعة عقولنا الصغيرة استيعابها و فهمها بطريقة الكبار ، سارع الجميع ، و لتنبههم لخطورة ما يجري ، إلى تفسير ما حدث ، و تبسيطه في أمثلة قريبة للفهم ، فكان إيماننا بالقضاء و القدر أول ركنٍ عقائدي تعلمناه في حياتنا ، و لكن مع ذلك لم يكن بإمكان اطفالٍ في عمرنا إلا أن يستجيبوا بطريقة مختلفة للحوادث و الملمات ، و كل شيء جديد يصادفونه لأول مرة في الحياة .

 
 
 
 

* عبارة أطلقتها إحدى الشخصيات في فيلم " far & away   "

 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى