|
استفاقت بلا مباهج معينة هذا الصباح، البارحة كانت
تعتاش على بهجات صغيره عديده ، كان يغمرها نور قمر،
حفيف ورق شجر على الطريق، ضحكة رائقة لصديق، البارحة
ظنت الحياة تجربة مبهجة، أمر مدهش، البارحة كانت
تشعر..اليوم، لا تشعر بشئ.
لماذا تتغير احساساتنا؟..لماذا تتبدل أمزجتنا؟..لمَ
يكون عمر الاحساسات المريحة قصير,كطرفة عين وانتباهتها.
هل يجب أن تغسل وجهها؟ أسنانها؟ وتتوضأ للصلاة؟ هل أي
من هذا حقا يهم؟ هل يهم أحد؟ هل يهمها هي؟ هل يهم
الله؟
تتراجع تحت الأغطية..تتكور مثل حلزون داخل قوقعه. لماذ
لا تستمر الاحساسات المبهجة؟ " تررن ..ترررن" هذا
الصوت تعرفه، ما يكون؟ "تررن..تررن" صوت قطة؟ "تررن..ترررن"
لا، لا يمكن أن يكون صوت قطه. هو صوت مألوف..ما يكون؟؟
،،"تررن..تررن" صوت بطه؟، ولكن، أين كانت آخر مرة سمعت
فيها صوت بطه؟؟ امممممممم، لا، هو كان يناديها بطه.
لماذا كان يناديها بطه؟ ليست بريش، لا تعرف السباحه،
وليست شهية. لمَ لم تسأله؟ ما كان ليجيبها. يظنها
أشياء صغيرة، ومجرد كلام يقال لكن تحب لو تفهم المعنى
من كل ما يقال، لا تود إزعاج نفسها بالانصات لأي شئ
يقال. الأذن مساحة إنصات، لكل منا مساحته الخاصه،
الخطأ أن نملأ هذه المساحة بكل شئ وأي شئ، لسنا بحاجة
لكل مافي الدنيا، نحتاج فقط لما يعنينا، لما يحملنا
على المسير بشكل أرشق، نحتاج أصواتنا التي تحدثنا نحن،
ليست تلك التي تحدث أي شخص آخر سوانا. مساحة الانصات
لا يجب أن نتخمها بالصراخ بالعويل بكل قال وقيل لأننا
حينها لن نجد مكانا لهمسه قد توازي العمر بأكمله.
لا يهمها إلا ما يعنيها شخصيا، وهو لن يفهم ضرورة
الإيضاح "تررن..تررن" حتما ليس صوت بطه. لماذا لم
تسأله لم يناديها بطه؟ لأنها تعرف أنه لن يجيب، لأنه
ببساطه لن يسمع السؤال، هو لا يسمع إلا ما يجد من
المفيد الإجابة عليه. هو مثلها، يستمثر مساحة إنصاته
بالقدر الذي يعنيه شخصيا. هو قد يجيبها ، لكنه يعرف
أنه لو فعل ستتوالى أسئلة كثيره أخرى وستمتلأ مساحة
إنصاته بأصوات كان بالامكان الاستغناء عنها. هناك
أشياء صغيره لا بأس أن تركناها تمضي، ليس بالضروره أن
نفسر كل شئ. هذا منطقه. لكن هي تحب أن تفهم، كل شئ ،
كل حرف، كل همسه، كل نفس. هي تريد أن تتأكد قبل أن
تتخذ أية خطوه أن ما يحصل أمامها أيا كان حجمه موجه
إليها هي شخصيا. لأن الأشياء ( الأفعال، الأقوال،
الأصوات، الإشارات) إن كانت موجهة لغيرها، أو لها ضمن
المجموع، فهي لن تشعر بأن عليها بذل أي مجهود
لالتقاطها، الرد عليها، التجاوب معها، والحياة فيها.
هي لا تود إزعاج نفسها إلا بما هي معنية به بشكل مباشر
صريح وواضح، هي تود حياتها خالصه حد الذهب.
لذلك تتكدس الأشياء المبهمة، ولا يبذل الناس عناء
الإيضاح أبدا، ليس معها على الأقل. رأت أشخاصا يبذلون
عناء الإيضاح لكن في الأفلام. في الواقع لا أحد يود أن
يستمع، الكل يود لو يبربر فقط، والبعض إن صمت فليس
إنصاتا إنما انغماسا فيما سيقول لاحقا حين يحين دوره.
لذا للقوقعة تطمئن أكثر.
في القوقعه هي تتحاور، مع الفراغ الصادق..بكل حضاره.
"تررن تررن.." ربما..ربما صوت الباب. أحدهم يقرع
الباب؟ لن تفتح. لا أحد يهمها رؤيته الآن. ولكن لا
تمتلك جرسا للباب. تستخدم فقط حلقة حديدية معلقه به
للقرع. صوت القرع ليس تررن تررن. تتذكر ذلك جيدا صوت
القرع يقول: طق طق طق... ماذا يكون التررن تررن إذا؟
أحدهم يفتح زجاجة ما؟ يال السخف..لم قد يستمر فتح
الزجاجه هكذا؟ كم زجاجة سيفتح أي شخص؟؟ ثم أية زجاجة
هذه التي تسمعها من غرفتها؟؟؟ ما هذه الهلوسه؟؟ يجب أن
تنهض لتعيد ترتيب معارفها الحياتيه وتبحث في قاموس
الأصوات عن هذا الصوت .. لكن لا، ليس بعد. لازالت
تنتمي للقوقعة أكثر. لازالت حلزون، إن نهضت الآن سترعب
زميلاتها في السكن. سيظننها حلزونة كبيره وسيصرخن
وسيعمدن لقتلها بالقباقيب. آه القباقيب..لم لا؟ جميل
ستموت مثل شجرة الدر... لكن، شجرة الدر ماتت ملكه، هي
ستموت حلزونه. ليس بالأمر المجيد.
تتقوقع أكثر. يجب أن تخرج يوما، لكن ليس بعد. فقط
عليها التنبه لساعة الصفر. من المفيد أن تعيش حلزونا
أحيانا..لكن الحنكة تكمن في أن لا تموت كذلك. وتفكر أن
ما يحدد قيمة الحياة فعلا ليست طريقة الحياة,, بل
طريقة الموت.
"تررن..تررن" عاشت طويلا..طويلا جدا، كثيرة هي
الصباحات التي استقيظت فيها على أصوات مختلفه، لم بحق
الله لا تتذكر مصدر هكذا صوت؟ أية ذاكرة هذه؟ أية
ذاكرة؟ لم تفقدها تماما. تتمنى لو فعلت. لكن لازالت
تذكر أشياء كثيرة غير مفيده، تذكر الناس في الشارع،
وأن الأمس كانت ريح، ورجل يحمل على ظهره إمرأه. تتذكر
عجوز تضع أحمر شفاه فاقع، وأخرى تتجه نحو المقبره،
تتذكر أنه لا يحب القهوه، وأنها منذ عام مضى لم تقرأ
الجرائد. تتذكر أشياء كثيره صغيره ، "تررن تررن" صوت
تعرفه، حتما تعرفه. لو يتوقف..لو يلتقط النفس، ليمنحها
فرصة ترتيب الأصوات داخل القوقعة..حياتها طويله، مليئة
بالأصوات، كم عاشت؟ اممممم، متى ولدت؟ أي فرق؟. لا
يهم.ليس الآن، ليس أي شئ مما يتصل بالبشرية يهمها
الآن..الآن هي مجرد حلزون ..داخل قوقعة.
مرحى للقوقعة. فيها سلام، لاـ لا سلام. السلام يحين
فقط حين تعاني حرب قبله، في القوقعة لا حروب, لا
صراعات من أي نوع. في القوقعه فقط فراغ. مرحى للفراغ.
للصباحات المفرغه ..من كل شئ ..حتى منك.
الفراغ نعمه، لمَ النصح دوما ضده؟. يقضي الإنسان عمره
مثل قمحة بين حجري رحى حتى ينفي عن نفسه خطئية الفراغ.
لكن، في الفراغ تتحرر...منك. أنت قيدك الأكبر. أن
تخرج منك، تصير حلزونه، وتدخل قوقعه..أكبر إنجاز قد
تفعله.
هي تفعله.منذ..منذ فقدت القدرة على تذوق طعم السكر في
الشاي، منذ لم تعد لرائحة القهوه تلك القدرة العجائبية
على حملها إلى السماء ، منذ استفاقت صبيحة يوم ولم تجد
سوى صمت رغم الضجيج، ولم تجد في وجوه الناس أية عيون
بها يرون أو آذان بها ينصتون، حصل ذلك حقيقة وليس
مجازا، كانت وجوه كثيره لكن دون عيون ودون آذان فقط
ألسنه تبربر وتلتهم.
"تررن..ترررن". أي صوت هذا...لم تعد ترغب في
التذكر..لأن القوقعة صارت شرنقة.وهي دودة قز. إنها
تتجه نحو الحرير...لتتحرر. ليس وقت أصوات الآن...ليس
وقت فلسفة ومفاهيم، ليس وقت أي أحد سواها، وليس وقت أي
شئ سوى الحرير. لو تصير حرير..ستطير..لو تطير..
لو..لكن التررن تررن لا يتوقف، يسحبها بشده، إلى
مصدره، تتذكره، جهاز صغير، يهمسون خلاله، والبعض
يصرخون متناسين أنهم يمكن أن يهمسوا خلاله.
تمد يدها خارج القوقعة،،تتحسسه،،ترفعه،، وتسمعه خلاله
يسألها: أين أنت يا بطه؟؟!!
ترخي يدها، يسقط مصدر الترن ترن ومصدر صوته ومصدر
تساؤولاتها البطية، تدخل هي إلى الشرنقة..تصير
حرير..وتطير.
|