|
كنت أتخيل أن أوقات سعادتي هى تلك الأوقات التي اقضيها
بجوار نافذة جميلة مفتوحة على شارع كبير لكن على الرغم
من ذلك لم تكن الأوقات التي جلست بها قرب نوافذ جميلة
كلها أوقات سعيدة في حياتي. على أي حال جلسنا هناك
تشاركنا الأحاديث لكني لم افتح له نافذتي.
سألت والدتي عن العنوان "صورة في العشرينات" فنظرت إلي
وقالت انه من الأفضل الكتابة عن الطفولة لأنها الأهم
في رأيها وهى مخزون الذكريات : عندما أفكر دوما في
العودة أفكر في طفولتي.
لكني لا أريد هنا أن أتحدث عن عودة إلى زمن بعيد أو
الاحتفاظ بشيء هام في الحقيقة أنا لا اعرف ما أريد،
غير أن الكلام في ذلك الوقت كان يفرحني و يجرحني كما
يخدش الواحد نفسه أحيانا بسكين. ولدت أختي الصغيرة في
خضم نزاعات ومشاكل بين والدىّ مشاكل كانت تنتهي كل مرة
بأمي تأخذ معها شيئا من البيت يمكنها بيعه ككاسيت أو
تلفزيون كبيروأنا أجلس وحدي في البيت مع والدي أحاول
أن أكتب لها رسالة مليئة بالحب والعتاب لا أعرف كيف
سأرسلها . عندما كبرت قليلا كانت أمي توقفنا جميعا صفا
وتسألني مع أخوتي مع من تريدين البقاء فكنت أقول معكِ
،لتخبرني وكأنها الصوت الواعي الذي ينبض بداخلي : لا
مع بابا.
انتهى الأمر أن عاشت أمي مع أبي لمدة خمسين عام
بنزاعات غير قليلة لم تغادر فيها كلها البيت. ظل أبي
يحب الأجهزة الكهربائية والتكنولوجية كما كان يملأ
البيت بخمس تلفزيونات لا أعرف كيف اشغل واحدا منها
.مازال يصيبني الرد على الهاتف بالرهبة.
وأمي تجلس في غرفة نومها الجميلة تشاهد تلفزيون لا
تفكر في بيعه وتفتقد كاسيت صغير وضع بجوار سريرها
تشتكي دائما من أن واحد من اخواتي ربما قد سرقه
.....
ترش البيت بالمياة وبصراخي الدائم ،أمشي نائمة أريد أن
أختبىء في أكمامها. أشم رائحة الورد الذي بدأ ينمو مع
الأمومة والبيت والطعام. لا أفكر في الذهاب.
طه لم يخطف الجريدة ويركض بها فقط فتح الباب. ثم أخذ
باقي ألعابه الممثلة في منضدة وحلوى وسكر وزيت من
البيت وخرج ليلعب بهما في عملية بيع وشراء لا تنتهي.
يبيع فيها أخي البيت كله مقابل عشرة جنيهات وفي معظم
الوقت هو مستعد أن يمنح كل شيء بلا مقابل فقط لمجرد أن
تقف وتحكي معه. في نهاية اليوم كان يعود حاملا معه
زجاجات الكولا الفارغة وأوراق الحلوى التي سقطت ليعرض
خدمات أخرى على من يجلس عندنا في البيت. كانت خدمات
طه تدور عادة حول صنع القهوة أو الغناء بصوت غريب
شبهته الممرضات يوم ميلاده بصوت الممثل على الشريف وهن
ينظرن بشفقة إلى أمي. يضطر الضيف الجالس في بيتنا وهو
يهتز من الضحك أن يرضخ لطلبات طه ويعطيه نقودا ليكف عن
الغناء ويذهب لعمل القهوة التي يشربها كلها.
........
زيارة خالي أهم الزيارات. في البداية كان الاسم هو
الذي يجذبنا في ذلك الجسد الكبير .لم نعرف وقتها معنى
قرابته لنا. عبد ربه أو عبده الاسم والشكل كانا لا
يتفقان أو يتفقان لا أعرف. كانت الأسرة كلها محملة
بأسماء لا تعبر عن أحلامها. يأتي خالي عبده ومعه شنطة
كبيرة من الحكايات يقرأها لنا، كنا نستمع اليه وهو
يحكي بحب عن كل لحظة في الكتاب فنشعر كأنه يقرأ كلاما
كتبه هو . كلاما ليس من الممكن أن يوجد في تلك
الحكايات. كان يسير في خطوات كبيرة قوية توهمك أن
الأرض تهتز من قلبها وانه كان ساكنا هناك قبل كل سكان
البيت. خطواتة تجعلك تحب أن تمشي معه وتخاف منه أيضا
لأنه من الممكن أن يأكلك كقطع الحلوى في احد الممرات.
جرب أن يحكي لنا مرة قصة اخناتون فأخذنا نضحك على
الاسم متخيلين أن هذه هى مزحة من مزحاته ويصر أن نكرر
الاسم ورائه ، اخ نا تون لنقول اخ فا طون.
......
عندما وقفت أم كلثوم وغنت اطفىء لظى القلب بشهد الرضاب
لم تكن تعرف انها تتحدث عن جوعي وعن ألاف الحروب التي
تضرب في رأسي. ولم أكن أعرف معنى الرضاب وقتها.
مربعات مربعات. هناك راحة في أن تكون الحياة مربعات
الملابس والبيوت والجدران.
أن يكون صوت أخر يحلق بداخلك ،تختنق أنت بدخان سجائره.
ماكينة الخياطة هى الصوت الوحيد الذي ينبع من ذاته
داخل هذا البيت. أضرب بقدمي على الماكينة وتضربني أمي
: "ماكينة الخياطة هى الفقر". ماكينة الخياطة هى
الصبر.
........
حماده يبكي كلما مات طائر أو نام في القفص منزويا وأنا
أحب أن يبكي حماده. لذلك لا اتورع عن مناكفاته كلما
غابت أمي. حماده هو الولد الكبير الوحيد في البيت وأنا
أكره كل ما في حماده.
أذهب معه كل يوم إلى المدرسة فيظن المدرسون أني أنا
الولد وحماده من أدبه وشكله الحلو هو البنت. تلبسني
أمي مثل اخواتي الصبيان نفس الملابس الداخلية البيضاء
الصغيرة لنجلس بها فرحين على الكنب. كان يشعر أي شخص
يأتي لبيتا أنه يجد الواحد منا يقفز في كل الاتجاهات
في نفس اللحظة مرتديا كلوتا أبيض من القطن وفانلة
بيضاء خفيفة بابتسامة واسعة وشعر مشعث مختلط باللبان.
كنت أحب أن أنام مع اخوتي في سرير واحد ونحن نضحك
بالليل. و نتشاجر في الصباح كأني محارب صغير أفلتته
قوة العناية الالهية.
فقدت أسناني الأمامية مرة وأنا اتصارع مع أخي الذي
لكمني فجأة في فمي لتسقط أسناني، لكن ذلك لم يمنعني من
مواصلة الدفاع. يتركني أخي وضحكة ساخرة تقفز من عينيه
قالا كفاية، بينما أنا مصرة على بدء جولة جديدة وعيني
مغرورقة بالدموع.
......
اعلى
مكان ممكن أن يقف فيه الواحد كان هناك. كنت استمتع
بفكرة أنه يمكنني لمس السماء بيدي وأن الله يكلمني
ويرسل لي طائرات كبيرة بيضاء بركابها الطيبين الذين
يلوحون لي دائما تلويحة الوداع.
.......
صدى الصوت وطقطقة عظام تيبست قبل
الزهور في أواني زجاجية رخيصة والمياه
علامة على العطش، نمشي في أحد الحارات مترنحين لا بهدف
البقاء في القصيدة ولكن لأنا رأينا أنفسنا في الهواء
الذي يهب على تسريحة الشعر ولمسة اليد الرقيقة. مكثنا
هناك، تركنا الخيول تهز رؤوسها معرفة في المكان
وحاولنا أن نمسك الضوء بالكاميرات الصغيرة. وضع يديه
على يديها محاولا منعها من التقاط الصورة. في الحقيقة
لم يضع يديه بل تحرك حركة بسيطة دليل عدم راحة لتعرف
هى
ألا
تأخذ الصورة.
كان الرجل الذي يعزف الكمان يقف هناك
كلوحة هزيلة في شارع مترب صغير منتظرا أن يترك الناس
له النقود مقابل البقاء والعزف طويلا وحيدا. كنت أرى
أن لا أحد يسمعه والرجل مازال باقيا هناك منكمشا كأنه
يحتمي من رصاصة. فكرت أنه لو صرخت في وجهه كالمجنونة
أو تركت له حجارة صغيرة بدلا من العملة المعدنية ربما
سيبتسم ويرجع إلى الجدار ثانية . لا أحد يسمعه.
حاولت
أن تضغط بأصبعها وتلتقط الصورة فارتعش العازف ارتعاشة
سرت في البلاد كلها وانتفض صديقها قائلا : فكرت أنك
ستأخذين له صورة؟! تؤمى برأسها: لا.
خائفة من أن تكون نظرتها التي بقيت
هناك ظلت تجرحه
.....
مجموعة
من الكتب الصغيرة المنفلتة
من
الممكن ألا يستخدمها أحد
ألا
يقرأها صاحبها
لا
تلمسها الأصابع
يمكنها
أن تحتل مساحة واسعة في البيت.
طرقت كل
الأبواب قبل مجيئي إلى هنا
كأني
كنت أحتاج شيئا أفتقده
ذهبت
إلى بيت أستاذتي العجوز
التي
ظهرت لي منذ سنوات بعيدة
كشبح
اخطأ عمدا الوصول للبيت.
ذهبت
إليها
أخاف أن
أطرق الباب
فلا
يفتح أحد
ربما ..
ماتت.
بقيت
هناك طيلة ثلاثين عام
ولم
يسند رأس المسافر وهو نائم أحد.
ظلت كتب
صغيرة منفلتة تجلس في الجوار
بعضها
يبكي وآخر يطلب شايا
وأخرى
جالسة هكذا واضعة رجل على رجل مثلي.
بقيت هى
والحياة
في انتظار.
.......
تخطفني
ذكريات لم اجدها ولم أكن البطل فيها. مباراة صغيرة
لكرة القدم اشترك فيها الشارع كله.
لا أذكر
قدرتي على لعب الكرة، في الحقيقة لا أعرف لماذا أشرت
اليها بكرة القدم بينما كانت كرة اليد. أتذكر
المشاركين من الجيران هاني واخته واخاه وأناس أخرين
أعرفهم لكني لم أعد اتذكر اسماءهم. اسماؤهم الآن غير
مرئية ومن قبل كانت لهم اسماء وهمية مثل تليفون و فيشة.
كان اللاعبون أنفسهم خرافيون بشكل لا يصدق من بينهم
كانت رجاء وهى تعرج كلما حاولت المشي تجاه الكرة
متخيلة أن محاولتها البسيطة للوصول ربما في مسافة ما
ستمنحها الكرة وستكون ليديها الكلمة الأخيرة .
هكذا
تعرج وأنا أشعر بمجهودها الاضافي ، كأن عجلات القطارات
كلها صدمتني فوق قضبان حديدية وسط اضاءة الشارع
الخفيفة.
كل ما
اذكره أن اخواتي سمحوا لي بالبقاء واللعب بينهم دون
النظر إلى واعتباري شخصا غريبا. كنت أجيد اللعب ورمي
الكرة من يد إلى أخرى رغم أني أبدا لم استطع الركض صوب
الهدف. كان المكان الذي اخترته هناك، النظر إلى العظام
التي تضغط على بعضها البعض للحركة والاضاءة التي تختلط
مع صوت الأنفاس وانطلاقها فلا تعرف أي منهما بدأ
الأخرى. كنت أجيد اللعب والوقوف هناك. النظر بقوة إلى
الأشياء التي تتركني وتلعب.
........
تسرح
شعرها البني الطويل كحوريات البحار.
شعرها مثل ألات موسيقية جميلة تعزف عليها شياطين
تائهة. تسرح شعرها منذ زمن طويل ، تجمع المتساقط منه
صانعة منه وسادة. تخبرنا أن هذه وسادتها وقت الموت:
أرض القبر من الممكن أن تكون باردة. كانت هذه الوسادة
هى كل ما عملت جدتي طيلة سنوات عمرها على اخذه معها
.
تتحدث عن وسادتها كأنها ستأخذ معها كتابا تقرأه.
عندما
أزورها وفي يدي دمية صغيرة تمسكها تنظر اليها بحب
كأنها منها . بعدها لم أكن أشعر أن الدمية تخصني أمام
نظرات جدتي الحيرى .
كنت اُضرب دائما في المدرسة. حتى عندما ذهب والدي مرة
واعطى لناظرة المدرسة كارتا شخصيا كانت الناظرة أمامه
تداعبني تلمس شعري بلطف. لكن بمجرد خروجه لا أعرف ماذا
فعلت لتضربني من جديد. حتى جاءت جدتي. وأصرت أن تضرب
بيدها المدرسة التي ضربتني، نفس الصفعة في نفس المكان
والجميع يحاول أن يمنع جدتي من الوصول.
......
تمسك يدي كي أمشي على السطر ، تضغط،
تحرك أصابعك فوق أصابعي كأنك أنت الذي تكتب تبذل جهدا
إضافيا محاولا تحريك يدي في نفس حركة يديك. أريدك أن
تقرأ خطي هكذا. أنا الوجه الملعثم و الخربشات التي
تقفز من كراسة الصف. أكتب بيد ممتعضة وعين لا تسمع
الكلام.
.....
تزعق في وجهي كلما رأتني جالسة : أنزلي
رجلك.
لا أعرف لماذا أرادت عمتي ألا أجلس
هكذا. عمتي ماتت وأنا لم أغير جلستي . أفتقد أحيانا
صوت يؤنبني. لا أعرف هل يفتقد الصوت بعض ملامحي.
……
أخذني أبي من يدي في مشوار طويل وأنا
أثرت أن أمشي مبتعدة ، لكني لم أتحرك من مكاني خائفة.
ظللت أسير بجوار أبي ساكنة بينما أماكن أخرى تلعب في
الجوار. |