|
قال
انه رآهم يدفنونه هنا.
ذلك
الشىء ..
الكبير
الذى يشبه وحشا يركل في صندوق .
سمع
صراخ الانزلاق في الهبوط الحذر..والاحتكاك بالكلاليب
العملاقة..الأشبه بأنياب أسطوريه..لوحش الحديد الذى
رفع الحاوية كجثة تأخرت عن الدفن....وهوى بها سبعين
ظلاما تحت الرمل.
كانوا
عشرة أو أكثر.ربما عشرون حتى.وكانوا يهمسون.
مستوحشا
تلك الليلة كان..يمشى على غير هدى..وابتعد كثيرا قبل
أن يقرر ان يقضي حاجته .ثم يعود.
وكانت أنوار شاحناتهم
الخافته الزرقاء توحى بأنهم يقومون بما لا يجب أن يتم
في الصباح.
وكان
العراء...فاتحا صدره لنسائم الليل والأشواق..
بسرعة
أتموا المراسم ..والأفق منشغل بالتسبيح ..وأختفوا في
الفجأة ..بعد ان مسحت الآلات آثار العجلات الهائلة
التي افترست براءة العشب...ثم ساوت القبر بالأرض حتى
لا تدل عليه علامة ...
رآهم...حضر
الدفن من بدايته...وتعسرت حاجته على القضاء!
تمسك
جسده بما فيه..ونشف!..ولم يعد يشعر أن في جفافه شىء
يمكن أن يستغنى عنه..
كمن
خلف كثيب..حين رأى الأشباح المتدثرة بالبياض الفضفاض
والخوذ والكمائم..تمسح الفراغ الكبير ..تتأكد من خلوه
وملاءمته.للطقوس السرّيه..
ظلت الريح تعوى خلف
شاحناتهم..ولم تهدأ إلا قبل الفجر..
ركض
إلى القبر...وقلبه يسابق قدميه..
وقف
فوقه تماما..تلفت فى كل الإتجاهات..مرات أربع...ولم
يبد هناك اى أثر على العبث ...هوى على ركبتيه يتلمس
موطيء الاقدام الغريبة التى وقفت..فى مكانه
بالضبط..وأودعت التراب ما لا ينتمى اليه..
الأخرس
الذى ذهب يقضى حاجته بعيدا عن الأعين...لم يصدقه أحد..
ليس
لأن المضارب لا تتقن لغة الاشارة..ولكنه حين قادهم
للمكان...لم يكن هناك غير عشب الربيع المعتاد..
والخزامى...ينتشر على امتداد البر المفتوح على
السماء..وما من أثر لعجلة..او حفر.. ..أو حتى خطو
عاشقين استفردا بالليل وتلك البقعة النائيه وتركا
آثارهما على الرمل..
توجس
شرا مستطيرا...الأخرس الذى لم يصدقه أحد ممن يتقنون
قراءة الأصابع..
قال
فى نفسه..غرباء بهذه المهارة..خطر دفينتهم ماحق.....
لم
يعرفوا له إسما..فنادوه بالأخرس. إذ لم يكن يكلمهم إلا
رمزا...
آخرون
كانوا يدعونه..مضمّر الركاب* ،وبعضهم عبد الله..
كلنا
عبيد الله ..قال لنفسه ، عاشق الصحراء الذى يحب
البراح..والسعة..والنّوير والرمل..والنوق..والأشجار
القليله...وعزبة* أخشاب صغيرة في أطراف الرمل التي
يبيت فيها مع إبله..وسلوقي وجده مصابا خلف زمرة
قنص..تركته لمصيره أو سهت عنه..إعتنى به..وصار رفيق
الايام والليالى..وما تحدث به النفس فى الصمت المقيم.
لم
يصدقه أحد..
مضمّر
الركاب الذى تم جلبه لتحسين فرص النوق بالفوز في
سباقات الهجن..يتعهدها منذ الولاده...وحين تشب مثل ريح
يافعه..لا يوقفها..غير الزعفران..يلطخ جباهها عند
نهايات المضماير..احتفالا باجتيازها معابر النصر.
حتى
بعد أن جفت الواحة القريبه..ومات العشب..وصار لون
الرمل أشبه بالوسخ الغامض..
حتى
بعد أن صارت الأشجار تنحنى على نفسها..وينقلب الطير
على ظهره حين يهبط ليستريح...ثم يخذله الجناح، ونفقت
نوق في عنفوان الأمل...ونمت فوق جلده علامات كالسحل
فوق الحجاره..
كان
واثقا..أن الخراب الذى يتسرب إلى جسد محبوبته التى تئن
الآن..حوله مثل مريض لا يملك من أمره شيئا....،مصدره
تلك الجثة التى تفتك به من تحته ،فلا بد ان تكون قد
تعفنت الآن..وتسربت من شقوق الحاوية الى التراب
والهواء..بعد دفنها...
واثق..
ففي
الليالى المقمرة حيث تتخذ النجوم أماكنها فى قبة
السماء..لتغسل أطراف الصحراء بالفضه..كان يذهب الى ذلك
الكثيب الذى استلقى خلفه تلك الليله...ويقف
فوقه...يرنو الى تلك البقعه..فيرى البر بلون الزمرد
المضيء..رغم ان القحط قد اشعل الرمل..منذ زمن
بعيد..ولم تنم عشبة واحدة فى ذلك المكان.
..وليس
لأن أصحاب النوق تطيروا من البقع التى ظهرت على
جلده...والنوق التى ماتت فى عهدته..واليباس الذى طرأ
على الواحة. توجه الى القبر الليله.ولكن ..من أجل
حبيبته..التى آوته ..واحتفلت بانتصاراته الصامتة فى
الريح والمطر الشديد..والتى حين تتركه يتبعثر على فاره
امتدادها... يشعر أن لا مكان فى الأرض يقترب من
حسنها..وحرارة جسدها الرملي فى الصباح...وبرودته فى
ليالى القيظ.
ظل
يحفر منذ مغيب الشمس...والوهن يعصف به..وما وصل ربع
الطريق الى الجثه..,وقد دخل الهزيع الأخير من الليل..والسلوقى
يحوم حوله..وذبالة المصباح الشحيح......حتى اصطدمت
عيناه فجأة على البعد بذات الضوء الخافت الأزرق للمرة
الثانيه !
راغ
الى الكثيب..وحين مد بصره ...كانوا يتفقدون القبر وقد
طار صوابهم..يرتفع لغطهم وأيديهم ،وهم.يحملون دفينتهم
بالكلاليب إياها، التى تعض على المعدن بأسنان الحديد
فتصدر ذلك الرعب، الذى يحبس الهواء في الصدور.
تضاغفت
دقات قلبه حتى ظن أنهم سمعوا الرعد الصادر من تجويف
صدره....يركض صوبهم..
كلفهم
وقتا اضافيا..فضول مضمر الركاب..بل كلفهم..ثمنا
غاليا..كل الهراء الذى كان يهرف به من مكان الى
مكان..حتى أثار التوجس والقلق..وأضطرهم الى حفر
الدفينه.
حين
رحلت الشاحنات بعد ان مسحت آثارها بمهارة أكبر .كان
التعب قد بلغ به حد العجز...فقد اقترب كثيرا من الجثه..التى
كان يحفر ليعلن عنها..
جاء
الشروق حاسما وسريعا..ومعه من يبحثون باتجاهات مختلفه..عن
نوق تتعثر في سيرها.وتكبو...ويلتقون اثناء
تجوالهم..طيورا تحجل صوب فنائها...ويتحسسون ملمس الرمل
الوسخ...وهشيما يركض صوب الشمس..تدفعه ريح باردة في
صيف قائظ..تتخلل أشجارا قليلة زاد تقزمها
وصفرتها..وهواء مزدحم برائحة الموت..
وفيما
كان السلوقى يرتعش فوق صدر الأخرس..فى رقدته الأخيرة
خلف الكثيب...ينبح بحرقة..تقشعر لها الأبدان...هرع
صوبه من يتفحص ملامحه الذاهبة الى التآكل..
وقدّر
بعضهم أن الأخرس لا بد ارتكب معاص فادحة..لينتهي على
هذه الشاكله!
طلبوا
له المغفره..
ثم
أنهم قالوا أن تلك أشياء ،تحدث..
وليس
من الضرورة...أن يكون لها... سبب واضح. |