|
زيديني عشقاً
زيديني يا أحلى نوبات جنوني
زيديني غرقاً يا
سيدتي إن البحر يناديني
زيديني موتاً علّ
الموت إذا يأخذني يحييني
بدأت الذاكرة
بالاشتعال حينما مرت أحرف نزار على أذني، وحينما سقطت
عيناي على صورته الجالسة بكل شموخ بجانب مكتبتي،
انتشرت الذكرى حولي كعطر، ملأت الفراغات وبدأتُ أنا
مسيرة التذكر. يأتيني صوته من هناك، وهو يردد هذه
الأبيات بأسلوب الشعر مرة، ومرة أخرى بتلحينها، وفي
تلك اللحظات أسقطُ أنا في عمق نَغَمهْ. أزدادُ حنيناً
إليه، ولكن كبريائي يمنعني من ذلك، أغرقُ فيه وهو
يغنيها لي:
يا أحلى امرأة بين
نساء الكون أحبيني
وأحببتك.. ولم أكن
أعلم أن حبي بداية الانهيار...
تهاتفني صديقتي قاطعةً
حبال ذكريات "نزار" المؤلمة:
-
أهلاً زهراء..
-
أهلاً
-
كيف حالكِ؟
-
بين اللابين!!
-
دعينا من ذلك.. فأنا
أعرفكِ عندنا يتوسط مزاجكِ بين اللابين.. هل أجد لديكِ
ديوان لــ"سان جون بيرس"؟؟
أصمتُ للحظة، وكأن
شيئاً تناثر بين تلك الأوراق..أُجيب بسرعة لئلا تلحظ
شيئاُ.. فهي محترفة في ملاحظة الأشياء المختبئة
داخلي..
-
نعم أملكُ واحداً اسمه
"منارات"..
-
حسناً... سآتي لأخذه
في أقرب فرصة...
أغلقُ الهاتفَ وأفتح
بغلقه إعصاراً من الماضي التعيس. أقفُ أمامَ المكتبةِ
لألتقط الكتاب بعد أن وضعته في مكان يوحي لي بأنه
بداية لشيء، أنظرُ إلى الغلافِ.. أرى صورة الشاعر تنظر
إليّ وكأنه يقول: "من الجميل أن تبدئي مأساة الحب
بشاعرٍ عظيمٍ مثلي!!". أتنهد وتبدأ قافلة ذكريات هذا
الكتاب بالمرور.
ياااه.. أيها الكتاب..
كيف وصلتَ إلى مكتبتي في عتمة تلك الليلة؟!!.. أي
حماقة ارتكبتها في عمق ذلك الشتاء؟!!.. أخرجُ إليك رغم
الصقيع.. التقطك من على الأرض.. أدفئك بحرارة جسدي..
فقد كانت تحملك يداً وددتُ أن تكون مكانك..
"ضيقة هب الدنيا
ضيقة مراكبنا
للبحر وحده سنقول
كم كنا غرباء في أعراس
المدينة"
وكم أنا غريبة الآن
حيث لا أنت ولا هذا الكتاب يسمعني..
أنفضُ تلك الذكريات
واستعدُ للخروج، فقد وعدتُ جدتي بزيارة لها. أسير في
شوارع تلك المدينة القاسية، أتجنب كل ما من شأنه أن
يُعيد لي شبح الذكريات مرة أخرى. أبعدُ نظري عن البحر،
وأتحاشى الإشارات والمباني، ولكن "الجسر" وقف صامداً
أمامي محطماً صمودي وأعادني إلى دائرة الوجع مرة أخرى.
أنظر إليه وقد بدأت دموع عينيّ بالشروق، أتذكره وأتذكر
مرورنا عليه خلسة، كم من ذكرى حملتَ أيها الجسر؟.. وكم
سعينا فيك جيئة وذهاباً ملبية فيك نداء الحب الذي
حملته وحدي، و"هو" لم يكن يحمل في داخله سوى رغباته
البائسة، ولم أكن أمامه سوى جسداً يطفئ فيه شهوته كلما
أراد. ارتَسَمَت فيك أيها الجسر كل الفجائع وكل
الآلام.. كم كنتُ أمرُّ عليك محمّلة برائحة جسده..
ومحمّلة بجنونه..والآن لا أحمل إلا خطيئتي فيه. أحاول
عبثاً طرد هذا الوجع، ولكن ازدحام الطريق بسبب وجود
نقطة تفتيش يأبى ذلك. كلما مكثنا ثانية ازداد الألم
توغلاً في ذاكرتي وازداد هذا الجسر في عرض لوحات
فجيعتي فيك. نخرجُ أخيراً من فوهة هذا الجسر وألقي
بنفسي في حضن جدتي بعد أن أنهكتني تلك الذكريات. أتوحد
في حضنها باكيةً.. وهي تمسحُ على رأسي كيتيمة فقدت من
تستند عليه.. أبتعدُ عنها قليلاً بعد أن ألقيت بعض ما
يثقلني في حضنها، التفتُّ إليها وهي تحدق في عينيّ
محاولة فك طلاسم هذه الدموع. تقطع لحظة الصمت بسؤالها
عن سبب هذا البكاء.. ولكن إجاباتي تتحشرج وتأبى
الخروج..
- هل
تعلمين يا ابنتي أن أجمل شيء تشتهيه العصافير.. هو أن
تموت وهي قادرة على الطيران؟؟
تبرقُ عيناي وأفهم
ماتعنيه.. فهي تراني الآن أموت أمامها بعد أن تكسرت كل
الأجنحة التي أمتلكها..
- وهل
تعلمين يا جدتي "كم هو مضنٍ أن تعشق امرأة فناناً
وكاتباً مهووساً بالحياة؟!!"..ثم
ينطفئ فجأة بعد أن ترك لي هوسه وجنونه أمارسه وحدي..
وهل تعلمين ما هو أصعب من ذلك؟؟
-
ما هو؟
- هو
أن يكون كل ما حولكِ شاهداً وذكرى ووجعاً يرتسم كلما
وقعت عيناي على شيء به رائحة منه أو يحمل جزءاً من
ملامحه.. أو حتى حين يمرّ بذاكرتي سريعاً.. يخطف
ابتسامة صفراء رسمتها مجاملة لمن هم حولي.. ولكنه
يحيلها إلى بؤس.. قد لا يكون يا جدتي الحب مؤلم..
ولكنه حين يتحول إلى ذكرى يتحول إلى كونٍ من الألم
والكآبة.
- والآن
ماذا تحملين؟
- أحمل
في دموعي عشرة أشهر من الشطط والعبث.. أحمله ذاكرةً
كاملةً ملأها بقلقه.. ويبقى شهران وسأطفئ أول شمعة
لتلك الذاكرة..
- وهل
سينطفئ هو معها؟
- إجابة
هذا السؤال قد تكون صعبة للغاية فالقدر دائماً يخبئ
لنا ما لا نتوقعه.. ولكن لابد له من أن ينطفئ..
تنتهي تلك الزيارة،
وأرجع محملة بوجعي.. أقف أمام المكتبة مرة أخرى ولكن
لغرض آخر هذه المرة.. أسدل الستار على "نزار" وأبروّزه
كصورة بلا معنى.. أضع ديوان "سان جون بيرس" في مكان
يوحي لي بأنه سيكون نهاية لشيء.. أبحثُ عن شمعةٍ في
عبث أشيائي، فتتراءى لي شمعة كان قد أهداني إياها وقد
تكون مناسبة جداً. أتفقُ معها على موعد إشعالها
وانطفائها
- بعد
شهرين أيتها الشمعة الزهرية سيكون موعدنا!.
تصمت دلالة على
الموافقة.. وقد يكون دلالة على الانكسار....
وأنهي بذلك فصلاً من
الحياة والخيبة التي رَسَمْتُها بقلمي ولم أكن أنا سوى
أوراق كتبتُ عليها شقائي.... |