|
ما
صمت عنه عبد العزيز جاسم في حوارات سابقة يبوح بذات
الحدة والعمق عما أفصح عنه.. منذ الوهلة الأولى تشعر
أنك أمام شاعر لا يرى إلا ما تبوح به القصيدة في
جنونها وشجونها، لكنها القصيدة التي استطاعت أن تختزن
تفاصيل الحياة وتقرع أبواب السرّ بخفة. عبد العزيز
جاسم رفض أن يتحدث عن سيرته الحياتية خشية عليها. ذلك
أنها مشروع لنص يفور تحت سطح الروح، وذلك أن ما يقال
في العلن تصعب كتابته في السر. ولذلك جاء الحوار
محملاً بالحرائق المستعرة التي التهمت أيامنا
وأحلامنا.
وعبد العزيز جاسم الذي ولد في رأس الخيمة التي يصفها
بأنها قطعة (ماركيزية) تمور بالسر والسحر، وأنها
الرواية التي لم تكتب بعد.. إنها الطزاجة والعراقة تضج
بالحياة والجنون. هنالك تأسست ذائقته وتشكلت ميوله
وهواجسه، وهناك يمثل حنينه. مجموعته الشعرية الأولى
(لا لزوم لي) هي الإشارة الدالة عن حضوره الشعري
وموهبته التي أوقف حياته للتعبير عنها، له إسهاماته
الأخرى في النقد، حيث أصدر دراسة نقدية بعنوان: (
مجهول البحر ومعلومه: نحو رؤية جديدة لكتابة ثقافة
البحر الوسيطية في منطقة الخليج)، وكان قد أشرف على
القسم الثقافي في جريدة (الاتحاد) وأسس ملحقها
الثقافي. أما ذهابه إلى المغرب واستقراره فيه أربع
سنوات فقد كان سانحة لتبلور تجربته النقدية والفكرية
إلى جانب هاجسه الأكبر(الشعر)، فقد أسس دار جسور
للطباعة والنشر وأسس مجلة «الأثر» الفكرية الثقافية في
الدار نفسها، وكان وجوده هناك وجودا ثقافيا وإنسانيا
استطاع من خلاله أن يتشرب من النسيج الثقافي المنفتح
ومن خصوبته الكبيرة.
فصام فكري....
يقول: الإنسان كائن متعدد الآفاق والأبعاد ولا أريد أن
أحصر نفسي في سيرة أسردها عليك.. فأنا أريد أن أكتبها
على طريقتي بنبض يعبر عني.. دعنا نتحدث عن ما يحدث
الآن .. عن هذا العالم وعن تصحر الأرواح. سيرتي في نصي
ومن يقرأ نصّي يتعرف علي، الأورام الموجودة في الثقافة
وفي المشهد الثقافي الإماراتي والذي يقودنا إلى أن
نطرح بعض الأسئلة .. إن كانت احتياجنا للثقافة هي
مسألة جدية.. هذا هو الفضاء الذي نسعى إليه، فهنالك
مسائل معقدة لابد من تفجيرها لا نريد بالونات أو نجوما
مصنعة ، نريد حالات أصيلة مهجوسة بالثقافة جذرية تؤمن
بفكر حر يحمل رؤى مستقبلية خارج الكلام الآخر والمبتور
عن الجمل والخيام.. هنالك وعي آخر ينبغي أن يطرح بشكل
عميق وجوهره يكمن في البحث عن الحرية الحقيقية.. نحن
بحاجة إلى ثورة ثقافية تواكب الحداثة العالمية.. يجب
أن تثار أسئلة جوهرية تتعلق بالحياة. البعض يحارب
الحداثة باسم التراث ولو تسأل عن أية حداثة وأنت تحيا
في عالم ما بعد الحداثة، وتعتقد أنك تعيش في القرون
الوسطى ما هذا الفصام في الفكر. ملايين الأسئلة التي
يمكن أن تطرحها في هذا الخطابة
خطاب عبد العزيز جاسم
يحمل الغيرة الحقيقية على الثقافة العربية التي لا
يستطيع أن يفصلها عن مكوناتها التاريخية وعن الفنون
التي يجب أن تتأصل على أرضية مختلفة، تعيد الاعتبار
لخطاب الروح وجذوة الشعر، وعن الشعر يقول:.... الشاعر
مصارع رغم أني مقل في النشر لكني وسواسي في الكتابة،
فالشعر معاناة كبرى، معاشرة، مغامرة في المجهول.. عمق،
وجود. الشعر هو الحياة بكل تجلياتها وآلامها، دون
الشعر أنت ميت ليس لك وجود .. وكتابة الشعر غاية في
الصعوبة والذي يكتب الشعر اليوم هو سيزيف حقيقي هو
سندباد حقيقي يواجه تصحر الأرواح وضمورها.. ولا أمل
للشاعر سوى عزلته وعندما يخرج الشعر من عزلته يصبح لا
أحد.. كيف تحافظ على كيانك في العزلة في هذه الفضاءات
العدمية أرقام؟ .. تصحر.. الإنسان هو رقم مجرد رقم
لذلك الشعر هو الصلة الوحيدة التي تربطك بالعالم
وتخرجك من العالم هو الذي يجعلك أقرب من الحياة ومن
الموت هو الذي ينقذك من نفسك ..
|