01/08/2007

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 

حوار مع الشاعر والكاتب الإماراتي عبدالعزيز جاسم ..

موقف ضد الذوبان في الفناء الاستراتيجي
  إسماعيل الرفاعي
 
 

ما صمت عنه عبد العزيز جاسم في حوارات سابقة يبوح بذات الحدة والعمق عما أفصح عنه.. منذ الوهلة الأولى تشعر أنك أمام شاعر لا يرى إلا ما تبوح به القصيدة في جنونها وشجونها، لكنها القصيدة التي استطاعت أن تختزن تفاصيل الحياة وتقرع أبواب السرّ بخفة. عبد العزيز جاسم رفض أن يتحدث عن سيرته الحياتية خشية عليها. ذلك أنها مشروع لنص يفور تحت سطح الروح، وذلك أن ما يقال في العلن تصعب كتابته في السر. ولذلك جاء الحوار محملاً بالحرائق المستعرة التي التهمت أيامنا وأحلامنا.

وعبد العزيز جاسم الذي ولد في رأس الخيمة التي يصفها بأنها قطعة (ماركيزية) تمور بالسر والسحر، وأنها الرواية التي لم تكتب بعد.. إنها الطزاجة والعراقة تضج بالحياة والجنون. هنالك تأسست ذائقته وتشكلت ميوله وهواجسه، وهناك يمثل حنينه. مجموعته الشعرية الأولى (لا لزوم لي) هي الإشارة الدالة عن حضوره الشعري وموهبته التي أوقف حياته للتعبير عنها، له إسهاماته الأخرى في النقد، حيث أصدر دراسة نقدية بعنوان: ( مجهول البحر ومعلومه: نحو رؤية جديدة لكتابة ثقافة البحر الوسيطية في منطقة الخليج)، وكان قد أشرف على القسم الثقافي في جريدة (الاتحاد) وأسس ملحقها الثقافي. أما ذهابه إلى المغرب واستقراره فيه أربع سنوات فقد كان سانحة لتبلور تجربته النقدية والفكرية إلى جانب هاجسه الأكبر(الشعر)، فقد أسس دار جسور للطباعة والنشر وأسس مجلة «الأثر» الفكرية الثقافية في الدار نفسها، وكان وجوده هناك وجودا ثقافيا وإنسانيا استطاع من خلاله أن يتشرب من النسيج الثقافي المنفتح ومن خصوبته الكبيرة.

فصام فكري.... يقول: الإنسان كائن متعدد الآفاق والأبعاد ولا أريد أن أحصر نفسي في سيرة أسردها عليك.. فأنا أريد أن أكتبها على طريقتي بنبض يعبر عني.. دعنا نتحدث عن ما يحدث الآن .. عن هذا العالم وعن تصحر الأرواح. سيرتي في نصي ومن يقرأ نصّي يتعرف علي، الأورام الموجودة في الثقافة وفي المشهد الثقافي الإماراتي والذي يقودنا إلى أن نطرح بعض الأسئلة .. إن كانت احتياجنا للثقافة هي مسألة جدية.. هذا هو الفضاء الذي نسعى إليه، فهنالك مسائل معقدة لابد من تفجيرها لا نريد بالونات أو نجوما مصنعة ، نريد حالات أصيلة مهجوسة بالثقافة جذرية تؤمن بفكر حر يحمل رؤى مستقبلية خارج الكلام الآخر والمبتور عن الجمل والخيام.. هنالك وعي آخر ينبغي أن يطرح بشكل عميق وجوهره يكمن في البحث عن الحرية الحقيقية.. نحن بحاجة إلى ثورة ثقافية تواكب الحداثة العالمية.. يجب أن تثار أسئلة جوهرية تتعلق بالحياة. البعض يحارب الحداثة باسم التراث ولو تسأل عن أية حداثة وأنت تحيا في عالم ما بعد الحداثة، وتعتقد أنك تعيش في القرون الوسطى ما هذا الفصام في الفكر. ملايين الأسئلة التي يمكن أن تطرحها في هذا الخطابة

خطاب عبد العزيز جاسم يحمل الغيرة الحقيقية على الثقافة العربية التي لا يستطيع أن يفصلها عن مكوناتها التاريخية وعن الفنون التي يجب أن تتأصل على أرضية مختلفة، تعيد الاعتبار لخطاب الروح وجذوة الشعر، وعن الشعر يقول:.... الشاعر مصارع رغم أني مقل في النشر لكني وسواسي في الكتابة، فالشعر معاناة كبرى، معاشرة، مغامرة في المجهول.. عمق، وجود. الشعر هو الحياة بكل تجلياتها وآلامها، دون الشعر أنت ميت ليس لك وجود .. وكتابة الشعر غاية في الصعوبة والذي يكتب الشعر اليوم هو سيزيف حقيقي هو سندباد حقيقي يواجه تصحر الأرواح وضمورها.. ولا أمل للشاعر سوى عزلته وعندما يخرج الشعر من عزلته يصبح لا أحد.. كيف تحافظ على كيانك في العزلة في هذه الفضاءات العدمية أرقام؟ .. تصحر.. الإنسان هو رقم مجرد رقم لذلك الشعر هو الصلة الوحيدة التي تربطك بالعالم وتخرجك من العالم هو الذي يجعلك أقرب من الحياة ومن الموت هو الذي ينقذك من نفسك ..

وليست المسألة أنك تكتب قصيدة.. لكن أن تفهم ما هو الأثر الذي يتركه الشعر في الحياة أن يكون حقيقياً.. الشاعر يصارع مليون عدو يومياً وليس البشر فقط ، يصارع غرباء، يصارع الزمان المكان والأشباح يصارع المستقبل والماضي الشاعر.

هذا النوع من الشعراء هو خارج المنظومة الإعلامية والنجومية .. خارج كل هذا لأنه يكتب في عزلته بعيداً عن كل هذا الضجيج. والشعر موقف من العالم وسابقاً كان الفلاسفة يطرحون الأسئلة الكونية الوجودية والشعراء هم من أجابوا عن الأسئلة.. أجابوا بطريقتهم الخاصة. اليوم ما هي علاقة الشاعر بالأسئلة الكونية الخالدة السؤال الانطولوجي العميق من أنت ضمن هذه الجثث؟

جثث تهل عليك من التلفزيون من السماء مدن أصبحت جثثا حقيقية أصبحت تعيش في عصر الأموات.. كيف تقرأ كل هذا الدم اليوم عندما تقرأ إحصائيات القتلى جراء الحروب أكثر من 80 مليون شخص خلال الحروب العالمية وماتلاها..، أنت كشاعر ماذا يصنع بك هذا الرقم نحن في حالة من الفناء الاستراتيجي المرتب، الفناء أن يصبح الإنسان أقل قيمة من لفافة سيجارة أصبح الإنسان دون قيمة فماهو موقفك من هذا كله؟..

لاأعني أن نكتب خطابات شعرية وهتافات .. لكن أعني أن ننظر إلى العالم بطريقة أخرى .. أن نأخذ موقفا من كل ما يحدث في العالم .. والشاعر يجب أن يخرج من هذا المكان الضيق الذي يردد علينا هوائيا .. فكل مكان في العالم هو مكان لك .. يأتي شاعر ويضع نفسه في تابوت ويقول هذا وطني من هنا تصبح قضية الشعر غاية في الأهمية.

 

نجوم الوجبات الجاهزة

وتحدث الجاسم عن بعض الظواهر التي تروج للثقافة السياحية وتحاول أن تصنع أدباء وفنانين وشعراء على طريقة الوجبات السريعة والمواصفات الجاهزة، عن طريق ترويج ثقافة نجومية زائفة، ومفاهيم مسطحة عن ماهية الشعر والشاعر، وعلى طريقة المسابقات المستهلكة، يقول:

تحويل الشاعر إلى نجم وتحويل الشاعر إلى شخص مهرجاني وعكاظي هذا ما نراه الآن هنا، وهناك.. ويتساءل: كيف تستعيد أمجاد سوق عكاظ في الألفية الثالثة؟. بدل أن تصنع لي نجما اصنع لي بيئة ثقافية حقيقية يستطيع المبدع من خلالها أن يحيا بشكل محترم دون أن يذل أو يهان.. هل هذا هو طموح الشعر ومستقبل الشعر العربي.. ماذا يعني أن يتوج في الألفية الثالثة أمير للشعراء؟.

لقاء مقتضب، لكنه حافل بالعديد من الأسئلة الجوهرية، والشعور بالخسران والمرارت.

ولمعرفة جوانب أخرى عن الجاسم قدم بعض أصدقائه شهادات أشبه ما تكون بنصوص شعرية ودفقة إنسانية خالصة

 

الغربة في الوطن

الإعلامي والباحث عبدالله عبدالرحمن اعتذر لعدم تمكنه من المضي في الكتابة التي اعتبرها مقدمة عن عبد العزيز جاسم ينبغي لها أن تطول وتطول:-

 

«هكذا صرت وحيدا وتالفا ولا لزوم لي

أجلس في مكان بعيد لا حياة فيه ولا حياة في

ولا أنتظر أحدا».

 

أما الماضي الذي أنجب أبيات الغربة في ديوانه الأول ( لالزوم لي) فهو الاختلاف والغوص العميق وآفاق الطيران الحرة بالفكر والوجدان والجسد بحثا عن الذات وداناته بأسلحة طاقاته ومواهبه الفطرية وأدوات النضج الثقافي المتنامي بشغف المعرفة وأسئلة الوجود المتلاحقة مع كل كتاب جديد من ثمرات الفكر العالمي ومع كل لقمة شهية تغمر خلايا وجدان الشاعر بعصارة إضافية من عبق الحضارة الإنسانية عبر التاريخ مواكبا للمتغيرات على كل المستويات بين الماضي والحاضر بحثا عن الحقيقة والقواسم المشتركة بين المتناقضات لتشكيل قناعة حاسمة لكل الأسئلة التي لم ولا تنتهي.

في هذا السياق بل في حالة الغرق كانت الغربة في الوطن والوحدة مشاعر ضاغطة تصنع الشاعر وتجدده وتقوي أسلحته التعبيرية الأدبية بعمق المضمون وجمال الشكل وخصويات الاستقلال النوعي والتميز.

إذن التميز.. بتواضع الغريب وتأدبه أو أدبه أو أخلاقه وبصيرته وصوفيته وتأملاته وأناقته المعبرة عن الذوق الرفيع والمجسدة لجمال الروح وصحة الذهن ونقاء السريرة و الوجدان والمشاعر وسعة مخزون الفكر وشمولية أبعاد الرؤية. بتواضع الشجرة الغنية الثمار المغذية للروح والجسد متدلية الأغصان لصالح الإنسان والحيوان والبيئة.

تميز العاشق المتيم بالحب لكل شيء أصيل وجميل وحقيقي - معنى ومعلومة وكائنا وقولا وعملا.

تميز .. الإبداع كما وكيفا ومفاجآت ومغامرات وجرأة في الاقتحام نحو تحقيق الأحلام التي لاحدود لها ولا إمكانيات ذاتية في زمن القوة المالية وصخب الفضائيات والتشويش وغزو الثقافة الاستهلاكية الماسخة لإنسانية الإنسان.

ليجد الحقيقي نفسه وحيدا وتالفا ولالزوم له.

السلبية هو عدوها .. وهو عدو السلبيين والمنافقين والمزيفين ومن تقرب ويتقرب منهم إلى مكانه البعيد الذي دائما ملؤه الحياة ويتمنى الكل الوصول إليه أو يرجو من وصله وجالسه مرة أن يجدد الوصول إليه والتواجد فيه على مدار الليل والنهار فإن تواضع الغريب وأخلاقه ودبلوماسيته وفيض المحبة المتدفقة من الأعماق المشحونة على الدوام وفي كل الظروف تغمره بعطر الياسمين وعشق الحوار واحترام الرأي وتدفق الأسئلة وتبادل الأفكار والأخبار والمعلومات وفق أرقى أشكال الحضارية التي تمتد جذورها بعيدا في تاريخ البشرية وتجسد النضج والحكمة.

إن مجالسة عبدالعزيز جاسم والتواصل معه مكسب ومطلب وضرورة .. هكذا يؤكده السلبي والإيجابي والمحايد والوزير والغفير وكل من اقترب من هذا الكائن اللطيف في داخل الدولة وخارجها وكل عام وخاص ولكنه اليوم أكثر أهمية وقوة من ذي قبل إذ اختار تحت قسوة الظروف أن يلتجئ بسفينة العمر إلى بحيرة الشارقة بعيدا عن صخب البحر وهيجانه راسيا على ميناء الأمل في أن تهدأ عاصفة الوهم والزيف لصالح استقرار الوعي والسلام والفهم.

 

ترويض الأحزان

الإعلامي والشاعر يوسف أبو اللوز كتب بلغة تشير إلى عمق هذه الصداقة وأهمية التجربة التي تحدث عنها، يقول:

عبد العزيز جاسم كم أحب هذا الاسم، وكم أحب إيقاعه الخفيف والنظيف أيضاً.. الخفيف لأنه صورة عن قوامه المشيد بالفلسفة، والنظيف لأنه يتطهر يومياً بجمرة الفكر.

فأين الشعر إذاً وما أجمل هذا السؤال، فالشعر هو الربان الطويل القامة الذي مسك صديقي عبد العزيز من يده اليسرى وأخذه إلى معارج النجم ودروب بنات سهيل الذي يبكي مرة واحدة في اليوم قبيل الفجر.

أتخيله ولد في الفجر ولذلك قلبه صاف وخاطف مثل لمعة البرق. التقيته قبل أكثر من عشرين عاماً في رأس الخيمة وكان يقيم في غرفة كلها كتب حتى تساءلت مرة بيني وبين نفسي: كيف لا يختنق هذا الكائن من كثرة الورق الماثل كالنبوات فوق رأسه.

بدأت صداقتنا بطيئة، ثم تجذرت في كينونة المكان الذي هو مكانه، وفيما بعد سوف يحمل هذه في الجغرافية الجلفارية إلى حدود الشمس.

أول انطباع لي عنه أنه يقرأ أكثر مما يأكل أو ينام أو يضحك. كأن أعضاءه كلها وحواسه لها وظيفة واحدة هي القراءة، ومن الطبيعي، أن يكتب عبد العزيز جاسم بهذه الطبيعة البشرية الخاصة جداً..

الطبيعة ذات الجاذبية الأخاذة، وهو في تلك الأناقة التي فيه وتحيرني حتى الآن بعد أكثر من عشرين عاماً على صلتي الدموية والروحية به، وبالفعل، يكتب عبد العزيز جاسم بأناقة، يقرأ بأناقة، يرتدي ثيابه بأناقة ويتحدث كذلك على هذا المنوال.

من الضروري أن أتحدث عن هذه التفاصيل لأن لها علاقة بالعوالم غير المرئية لأولئك الذين لا يعرفون طينة هذا الشاعر الذي يتثاءب في الضحى، فيكتب تلك القصيدة المبللة بالندى.

عرف كتابا كثيرين قبل أن أعرفهم، وأعطاني قليلا من العصي التي يحملها لكي أذهب إليهم وأتعلم منهم، كنت في رأس الخيمة وحيداً فملأ علي الإمارة بالشعر والأسئلة والاقتراحات والأشواق التي لا تنضب.

في البداية عرفته قاصاً ثم شاعراً، والآن ألاحق أشواقه النارية الموغلة في جحيم الفلسفة وجنتها، فبعد أن أمضى نحو أربع سنوات في طنجة عاد مثل قارورة النبيذ العتيقة يدوخ في أسئلته ويسترسل إلى ما لانهاية في مكابدات شعرية وروحية وعاطفية صقلته هذه المرة تماماً تماماً فأصبح ويا للمفارقة- كالمرآة صافياً ولكنه أيضاً أحد من شفرة الماس.

فيه شيء من طبائع الطير. النسر تحديداً ذلك الطائر الفذ يحبه كما أخبرني ذات يوم. صبور وشجاع، يروض مآسيه وأحزانه ويدورها إلى خبر ماض، ثم يغتسل في الصباح ويمضي إلى شأنه الشعري.

لا أخاف عليه ولا أخاف منه، فالشعر والفلسفة يعلمان القوة، وهو سيد ذاته، ونادراً ما يرفع قبعته لأحد، وإذا رفعها فلأن الرأس الذي ترتفع له هذه القبعة هي مرادفة لرأسه الفائرة بشهوات كتابة ملحمية يهجس بها ويداورها ويمارسها ببطء فاتن.

عبد العزيز جاسم أنقذني كثيراً من مخاوف نفسي، وياللغرابة، إنه لا يطلب إنقاذا من أحد.. هذا الرجل كله شعر من رأسه حتى عشرة أصابع قدميه.

 
 

في ذهنه تنام الكتب والحياة وبين يديه نهر من الكلام

الشاعر هاشم المعلم تحدث بشفافية وعمق قائلا:

الكلمة الرصاصة عبد العزيز جاسم.. صديق عزيز علي.. عموماً نتكلم في النهاية، أنظر له باعتباره المعلم والمحرض، وهو بالتأكيد يستحق هذا اللقب بامتياز وأنا أقول حين نطلع على نصه فإن هناك إشارات تدل على أن هناك نصا آخر خلف السطور والعمق أهم بكثير من السطح، في السطح تكمن القشور، وفي العمق تنام فيه الكنوز والأسرار لأن أرواحنا تتوق إلى عمق الأشياء الجميلة وعبد العزيز جاسم هو بالتأكيد هكذا في ذهنه تنام الكتب والحياة وبين يديه نهر من الكلام.

صيغته الفاتنة في الإبحار مناكفته للخلجان القابعة في الروح والقبض على العالم متلبسا في وجوده الهش، وإن لم أبالغ فأنا محظوظ لأني عشت في زمن فيه عبد العزيز جاسم. عبد العزيز الشاعر والمعلم الذي يسوغ المنطق الشعري للحياة، وهو في قمة القسوة لقلق القصيدة، ومسألة الشعر لديه هي مسألة حياة أو موت باعتبار الكلمة أشد من الرصاصة.

 
 
 

المصدر : صحيفة البيان _ ملحق مرايا

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى