01/08/2007

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 

من دفاتر السيرة الذاتية

اجتثاث
السينارست والكاتب أحمد سالمين

asalmeen@hotmail.com

 
 
 

(( اجتثاث )) :

حين كان ( بلدوزر ) الأشغال يشرع في التهام بيتنا القديم قبل سنوات ، هاتفني صديق تواجد في المكان صدفةً ، ليخبرني بأن بيتنا ينهار . قال لي حرفيا : ( الحق .. بيتكم يحتضر ) . توقفت عن الحياة للحظات . ثم عاد قلبي بعدها ليتحول إلى مضخة خربة ، لا يدري إلى أي جهة يدفع بالدماء في شبكة عروق جسدي المسكين ، و عقلي كذلك ، صار أشبه بجرادة بترت ساقاها فتعطلت تماما عن الحركة ، ناسية أن لها جناحان ، و أنها في الأصل كائن يطير .   

التقطت أشلائي بسرعة ، و هرعت أتلمس الطريق إلى خارج البيت .. أمي و قبل أن أخرج ، صرخت في ظهري : ( إلى أين ؟! ) . أجبتها بهودء و بمرارة : ( طفوتي، تاريخي ، يجتثهما البلدوزر ) .. حين وصلت إلى (( هناك )) كان كل شي على وشك الانتهاء . تخيلت بأن الحديد يتجشأ من كثرة ما التهمه من طابوق و أسمنت ، و أن براميلا من ( الإينو) لا تكفي لتخليص معدة البلدوزر من عسر الهضم .

تذكرت فجأة كل التفاصيل الصغيرة التي حوتها حجرتي الصغيرة . تذكرت قنينة الخل التي حولتها إلى مزهرية فوق طاولة صغيرة بمحاذاة رأسي حين كنت أنام في ساعة متأخرة من كل ليل . تذكرت نبتة اللبلاب بداخلها و هي تتطلع بيأس إلى مسمار صدئ ينتهي إليه الخيط الذي بدا لها و كأنه الجسر الذي سيوصلها إلى القمة .. تذكرت تك القمة الخفيضة و أخشابها الخضراء التي تتدلى من إحداها مروحة بليدة لا تعطي سوى قليلا من الهواء مع دفقات مجنونة من الصرير الذي تحول بمرور الزمن إلى موسيقى للقراءة ، أو للسفر بالمخيلة إلى بيت الجيران . تذكرت بنت الجيران . التفت إلى بيتها . إلى حجرتها الملاصقة لحجرتي . أعدت بناء الجدار الساقط في غشائي جفني المطبقين على ظلمة باذخة . قلت لنفسي ، كم أسقطت هذا الجدار في أحلامي السالفة ، و ها أنا الآن استجدي إغماضه سحرية أعيد في عتمتها بناء ما هدمته ، أو ما هدمه البلدوز نيابة عني - متأخرا عقدين من الزمان .

 

(( الحبُ عذاب )) :

هاتان الكلمتان ، لا يمكن إعادة كتابتهما على جدار في المخلية ، سيفقدان الكثير مما كانتا يكنزانه على جداري الساقط على أوهامه . سيضيع منهما اللون ( الكركمي ) الشبيه بلون الصدأ المشع أسفل خزان المياه فوق الجزء المتبقي من سطح البيت . سيتطاير من حواف انحناءات الحروف فيهما الغبار الحميم ، الذي لم يؤذي عيني يوما و أنا ألصق أذني بالجدار لعل صدراً خلف سباته الأبدي البارد يسمعني زفراته ، لعلني أعرف أي صبحٍ تخبأه لي الشمس  في النصف الغائب من الكرة الأرضية .

 
 
 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى