|
حين كان ( بلدوزر ) الأشغال يشرع في التهام بيتنا
القديم قبل سنوات ، هاتفني صديق تواجد في المكان صدفةً
، ليخبرني بأن بيتنا ينهار . قال لي حرفيا : ( الحق ..
بيتكم يحتضر ) . توقفت عن الحياة للحظات . ثم عاد قلبي
بعدها ليتحول إلى مضخة خربة ، لا يدري إلى أي جهة يدفع
بالدماء في شبكة عروق
جسدي المسكين ، و عقلي كذلك ، صار أشبه بجرادة بترت
ساقاها فتعطلت تماما عن الحركة ، ناسية أن لها جناحان
، و أنها في الأصل كائن يطير .
التقطت أشلائي بسرعة ، و هرعت أتلمس الطريق إلى خارج
البيت .. أمي و قبل أن أخرج ، صرخت في ظهري : ( إلى
أين ؟! ) . أجبتها بهودء و بمرارة : ( طفوتي، تاريخي ،
يجتثهما البلدوزر ) .. حين وصلت إلى (( هناك )) كان كل
شي على وشك الانتهاء . تخيلت بأن الحديد يتجشأ من كثرة
ما التهمه من طابوق و أسمنت ، و أن براميلا من (
الإينو) لا تكفي لتخليص معدة البلدوزر من عسر الهضم .
تذكرت فجأة كل التفاصيل الصغيرة التي حوتها حجرتي
الصغيرة . تذكرت قنينة الخل التي حولتها إلى مزهرية
فوق طاولة صغيرة بمحاذاة رأسي حين كنت أنام في ساعة
متأخرة من كل ليل . تذكرت نبتة اللبلاب بداخلها و هي
تتطلع بيأس إلى مسمار صدئ ينتهي إليه الخيط الذي بدا
لها و كأنه الجسر الذي سيوصلها إلى القمة .. تذكرت تك
القمة الخفيضة و أخشابها الخضراء التي تتدلى من إحداها
مروحة بليدة لا تعطي سوى قليلا من الهواء مع دفقات
مجنونة من الصرير الذي تحول بمرور الزمن إلى موسيقى
للقراءة ، أو للسفر بالمخيلة إلى بيت الجيران . تذكرت
بنت الجيران . التفت إلى بيتها . إلى حجرتها الملاصقة
لحجرتي . أعدت بناء الجدار الساقط في غشائي جفني
المطبقين على ظلمة باذخة . قلت لنفسي ، كم أسقطت هذا
الجدار في أحلامي السالفة ، و ها أنا الآن استجدي
إغماضه سحرية أعيد في عتمتها بناء ما هدمته ، أو ما
هدمه البلدوز نيابة عني - متأخرا عقدين من الزمان .
(( الحبُ عذاب )) :
هاتان الكلمتان ، لا يمكن إعادة كتابتهما على جدار في
المخلية ، سيفقدان الكثير مما كانتا يكنزانه على جداري
الساقط على أوهامه . سيضيع منهما اللون ( الكركمي )
الشبيه بلون الصدأ المشع أسفل خزان المياه فوق الجزء
المتبقي من سطح البيت . سيتطاير من حواف انحناءات
الحروف فيهما الغبار الحميم ، الذي لم يؤذي عيني يوما
و أنا ألصق أذني بالجدار لعل صدراً خلف سباته الأبدي
البارد يسمعني زفراته ، لعلني أعرف أي صبحٍ تخبأه لي
الشمس في النصف الغائب من الكرة الأرضية . |