15/07/2007

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 

نخب بيرو

هيفاء القحطاني

qahtanihan@gmail.com

http://Hayfa.wordpress.com

 
 
 

" هذه القصة مبنية على أحداث واقعية جداً ، شخوصها و أماكنها ...هذه القصة لأشخاص قد يكونون أحياء أو أموات في هذه اللحظة ...! والمؤكد أنني الجزء الخيالي الوحيد فيها ...."

 

 

سان بابلو – بيرو 1952

 

كان الجو حاراً  جدا والبعوض مصاب بالجنون ...كأنهم في مسابقة من يقرص أكثر يكسب أكثر ...

وصل الدكتور برسياني للبحث عن ابن عمّي سوزا ، وكان بصحبته شابين تظهر عليهما آثار التعب ... ربما من مرضاه أو مسافرين يبحثون عن المأوى !

احدهما يدعى ألبرتو وكان كثير الحركة والكلام ... حاولت تتبعه للحظات وكدت أصاب بالدوار ...ورفيقه يدعوه تارة بفوسير وأخرى بــ ارنستو ..! لم استطع تحديد أيهما أكثر صحّة ...

لكنني اعرفه جيداً في هذه اللحظة قد أكون الوحيدة التي تعرفه جيداً ... انه الثائر الأرجنتيني الكوبي لاحقاً تشي جيفارا ...!

لكن لا هو ولا البرتو ولا أي من هؤلاء الأطباء يعرفونه كما عرفته ...

بعد برهة يقترب سوزا ليعرفني برفقته ... هذا الدكتور البرتو غرانادو و رفيقه الطبيب ارنستو غيفارا دي لا سيرنا وهما خبيران في الجذام مسافران عبر أمريكا الجنوبية على دراجة ...!

اتظاهر انني معجبة جداً ومبهورة وأنا في الحقيقة حفظتها عن ظهر قلب تلك التفاصيل الصغيرة ... منذ انطلقا عبر الارجنتين ، الحوادث العصيبة وتعطل الجبارة ... نوبات الربو المرعبة و التي كان آخرها قبل ليلتين على القارب الذي حملهما إلى سان بابلو ..

في ذلك اليوم عرضت خدماتي على الدكتور برسياني لكي يتسنى لي مرافقتهم إلى مستعمرة مرضى الجذام ...

لأحظى برفقة تشي ولو لساعات ..!

في تلك المستعمرة 600 مريض يعيشون في اكواخ تشبه الأدغال ، ينظم هذه المنطقة شرطي و قاضٍ محلي ...

كان علينا ركوب النهر للوصول إليها و أصبت بشئ من دوار البحر فأنا أكرهـ المياه وأخشى الغرق و لم أتعلم السباحة ...

التفت سوزا نحوي ضاحكاً ... انظر يا ارنستو أنها قريبتي الثائرة ...!

اسمها وسكت لثوانٍ ... [ انه خيالي يعبث الآن في الحقيقة لم اختر لي إسما بعد ويتوجب علي اختيار الاسم فورا كي لا يتغير مسار الحكاية وأعود لوقتي الحاضر ...]

إنها قريبتي .. كاتالينا*

 

تقول أنها قوية جداً وترغب بالسفر حول العالم و تحرير المظلومين ...

 أطلق ألبرتو كعادته ضحكة مدوية ، لم يعلق تشي وأنا كذلك ... التفتُّ صوب المستعمرة و لاحظت أن المياه أصبحت ضحلة ...

فكرت في الانطلاق ركضا باتجاه الشاطئ ، نوع من الجنون ربما ...أو لأثبت عكس ما اشعر به من فوبيا المياه ...!

ولكن كان وصول القارب أسرع ...

كان الدكتور برسياني قد اوصانا بعدم خلع القفازات و مصافحة المرضى والالتزام بقدر مناسب من عدم – الاحتكاك- بهم ...

ما إن اقتربنا من الثلاثي المرح للمستعمرة [ وقد اعلم مسبقاً بما سيحصل ] خلع تشي قفازه ومدّ يده لمصافحة المرضى ...

وكنوع من إثارة إعجابه فعلت الشئ ذاته ... لكنه كان مأخوذاً بالمكان وانطلق مسرعا مع ألبرتو لإكمال الجولة هناك ...

كنت خلال ذلك اتنقل بصحبة الراهبة مارجريتا و أراقبه عن بعد كيف تتبدل ملامحه الهادئة إلى شعور بالالم.... كنت ارقب حينها صوراً خاطفة لما سوف يعيد تشكيل شخصية الطبيب الهادئ من روزاريو ...!

لاحقا تلك الليلة صحبنا الدكتور بريسياني إلى منزله لتناول العشاء و لعب الشطرنج الذي لا اجيده ....فكانت فرصة سانحة لتعلم القواعد ومشاركة ارنستو الرفقة ...

كعادتي الفضولية القاتلة تذكرت لعبة الرغبي التي حرم تشي الاحتراف فيها بسبب الربو ، وطرحت فكرة مباراة لكرة القدم في الغد ... أصيب البرتو بحالة من الضحك المتواصل لم اعلم حقاً هل كانت ناتجة عن سكره أم حرارة الجو أم انني نطقت بطلاسم لم يفهمها...!

قال تشي: لم اعلم انك تجيدين لعبة كرة القدم يا كاتالينا ،

فرددت بلا تردد : أجيد اشياء كثيرة ... :)

قال البرتو حسنا إذا للغد ... واحرصي على الاستعداد نفسيا لهزيمة من النوع الثقيل ...

تلك الليلة ذهبت للمنزل وتفقدت الحقيبة التي سأعطيها لتشي قبل اكمال رحلته ...

حملتها معي منذ أيام وخشيت كثيراً أن تضيع أو تفسد مع حرارة الجو التي لا تطاق ..!

 

لا أعلم كيف يمكنهم احتمال هذا الحرّ ، العطش وعالم بلا كاريير ...!

لا شئ هنا سوى أصوات تشبه أزيز الأبواب الصدئة ، هواء رطب يصيب بالجنون و لسعات من حين لآخر ...

ولكن لا أفكر جديا في العودة إلى واقعي ( المكيف جداً) و أفضل تحمل كل ذلك لحضور عيد ميلاد تشي الرابع والعشرين وإبهاره بقراءة كفّه ربما ..

استيقظت على عجل للحاق بالقارب المغادر نحو المستعمرة  ، كان تشي والبرتو قد بدءا جولاتهما اليومية في المستعمرة اليوم سيجري الطبيب بريسياني عملية لإحدى نزيلاتها المريضات وسيشاركه تشي والبرتو العمل أما أنا فاكتفيت بالنظر من الخارج ...

بعد الظهر حان موعد مباراة كرة القدم التي وعدني بها تشي ... و حضرها الطبيب بريسياني وطبيب الأسنان الفارو و سوزا ابن عمي ...

والبرتو ... أين البرتو ... ؟

لقد تنصل من حضور اللعب لكي يحظى بمزيد من الوقت في استعراض قدراته العملية ، لان بريسياني وعده بتوصية في مستشفى كاراكاس ...

كان تشي في موقع الحراسة و سوزا وأنا .. بذلنا جهداً كبيرا لاحراز ثلاثة اهداف وحيدة ...

خلال ذلك خشيت من نوبة ربو تصيبه ، وتدمر سعادتي بهذه المغامرة العجائبية ...!

 

 

السبت 14 يونيو 1952م  - يوم القديس جيفارا ..

 

رتبنا في الليلة السابقة حفلة لميلاد تشي بمساعدة البرتو ...يقترب هذا البطل العظيم من يويبيله الفضي ... عانى كثيرا خلال هذه الرحلة ، ويستحق منّا احتفالا يليق به [ أو بما سيكونه مستقبلاً في الحقيقة لا أحد يعلم ولا اجد تفسيرا مقنعا لشعوري الغبي بإثارة زوبعة هذه الليلة و تدمير رحلتي مع الزمن ] ...

بدأنا بعشاء انيق في منزل الطبيب بريسياني و تبع ذلك حفلة صاخبة في حجرة الطعام الرئيسية بعيادة المستعمرة ...

كثير من الموسيقى ( المامبو ) وكثير من البسكو مشروب بيرو الوطني ... حضر الجميع ، الممرضات والاطباء والراهبات بزيهم الأبيض ... ولكنني اخترت زيا ثورياً ... علمت أنها ليلة لن تتكرر ربما [ إذا شئت تكرارها مجددا في خيالي فلا مانع من أن اكررها بزي ازرق ، اخضر ...] كان الأحمر ثوريا جدا ...

بضعة أساور و شعر مشدود جدا إلى الخلف كي لا أصاب بموجة حر تعيسة تدمر ليلتي ...

رحّب بي البرتو منتشياً  برقصة لا أصفها بأكثر من ( صاعقة كهربائية) ... لا أحد يمكنه مجاراة البرتو في الرقص ... خشيت كثيرا من أن يدوس قدمي و يدمر أناقتي والكعب العالي ....!

تشي هو المحتفى به الليلة لكنه هادئ كعادته يجلس بجانب الطاولة يحتسي المتة تارة و تارة أخرى البسكو ... اقترب منه البرتو و طلب منه أن يشاركنا الرقص ...

هيّا يا تشي أنها اغنية التانغو التي رقصنا عليها في منزل تشيتشينا [ يذكره البرتو بتلك الرقصة ] و ينهض متثاقلاً ...

استقبلته في مساحة الرقص المزدحمة ....

واقترب لنرقص التانغو ... [ في حياة أخرى في الزمن الحالي والمكان الحالي لا اجيد هذه الرقصة ولكن هناك محاولات يتيمة لاتقانها ... انه تشي ..! يجب أن اجيدها الآن ...]

كانت الأغنية مامبو .. !

وغرقنا جميعا في الضحك وامتقع وجهه قليلاً ... لا عليك الحقيقة أنه ذات اللحن الأرجنتيني ولكننا هنا نرقص المامبو عليها ويجب أن تبتعد قليلاً لكي لا نطأ أقدامنا في غمرة الحماس ...

مضت ساعتان دون أن نشعر ... و دعا الطبيب بريسياني تشي والبرتو وجميع الحضور للتجمع وإطفاء الشموع ...

في هذه اللحظات ارقبه و اعلم تماما مالذي يدور في ذهنه ... مالكلمات التي ستتبع هذه الوقفة المطولة و الأمنيات التي أطفأ بها شمعه ...

الايام التي ستجعل منه أنسانا مختلفاً ... وابتسم ...

ليرفع كأسه ويقول ...

 

 

[ حسنا ، من واجبي أن اجيب على نخب الدكتور بريسياني بشئ أكثر من مجرد ايماءة تقليدية ، في حالتنا الراهنة المحفوفة بمخاطر كرحالين نلتمس العون من الكلمات فقط وأود الآن بأن استخدمها للتعبير عن امتناني وشكر رفيقي في الرحلة و جميع العاملين في المستعمرة الذين دون معرفة سابقة بنا ، قدموا هذا القدر الجميل من عواطفهم للاحتفال بعيد ميلادي كما لو كان احتفاء حميما بعيد واحد منهم...

لكن هناك شئ أكثر من ذلك ، بعد أيام سنغادر أراضي بيرو، لذا فإن لهذه الكلمات غاية ثانوية  وهي وداعكم ، وأود أن اوكد على امتناني لكل شعب هذه البلاد الذين اظهروا لنا كل أريحية دافئة منذ أن وطأت إقدامنا ارض بيرد عبر تانكا ...

كما اود قول شئ اخر لا علاقة به بموضوع هذا النخب ، بالرغم من عدم اهميتنا لا يعنني اننا لا نقدر أن نكون متحدثين باسم هذه القضية النبيلة ، نعتقد وبعد هذه الرحلة أكثر من أي وقت مضى أن تقسيم امريكا اللاتينية إلى امم غير مستقرة ووهمية هو خيالي تماما ، نحن نشكل عرقا هجينا من المكسيك إلى رأس ماجلان خواص فذه متشابهة ، وعليه في محاولة لتخليص نفسي من ثقل الاقليمية ضيقة التفكير اقترح شرب نخب بيرو وفي سبيل أمريكا لاتينية متحدة ...]

 

ساد الصمت المكان ...

وقوبل النخب بتصفيق حاد ... توقف الجميع تماما و أحسست انني ما زلت اواصل التصفيق والصراخ بصورة تشتت الانتباه و تديره نحوي ..!

ضحك سوزا ... انظر إليها لقد اعجبت بك .. [ ومن لا يعجب به يا سوزا .. ؟ ]

كانت هدية عيد ميلاد تشي قاربا من صنع الاطباء و اسميناه بفكاهة تانغو- مامبو ، ليتذكر تشي الرقصة التي رقصناها ...

خرجنا إلى الشرفة أنا وتشي ... كان الجو صاخباً جدا ...

تحدثنا عن أمريكا الجنوبية وعن الصور التي أثرت مخيلته والغابات البكر التي قطعتها رحلته ...

كيف أن ارنستو لم يعد الإنسان الذي ترك الأرجنتين قبل عام ...

وان دراسته وعمله كطبيب أصبحت طريقا آخر يبتعد عنه كلما تعمق في فهم هذه القارة المضطهدة من الــ ( غرينغوز ) كما نسمي الأمريكيين والمستعمرين عامة ...!

قال : اشتاق اليهم بشدة ... سيليا و آنا ماريا و روبرتو و خوان مارتن ولكن اشتاق لوالدتي أكثر ...

ما هذا الكراس الذي تحمله معك .. ؟ [ كنت اعلم جيدا ما هذا الكراس انه مدونة مذكراته اليومية تلك التي أصبحت رواية عالمية ... تلك اليوميات مهمة جداً وددت لو تحسست الخط بيدي و كان باستطاعتي ذلك ...]

أجاب مبتسما ، أنها كراس مذكرات رحلتي ... أحب كتابة مذكراتي .. تجدينني في اقسي الظروف منطويا أسجل ملاحظاتي حول الجوّ ، والأشخاص ... وفستانك الأحمر ربما ..!

هيا أرني ما كتبته اليوم ...

قرأت في صفحة الرابع عشر من يونيو باكراً هذا اليوم خط تشي ...

 

[ علمت أنه حين تشق الروح الهادية العظيمة الإنسانية إلى شطرين متصارعين، سأكون إلى جانب الشعب ، اعلم هذا ، أراه مطبوعاً في سماء الليل ، أرى نفسي قرباناً في الثورة الحقيقية ، المعادل العظيم لإرادة الافراد ، أشعر أن انفي يتسع ليستنشق رائحة البارود اللاذعة والدوم وموت العدو .. افعم جسدي بعزم فولاذي وأعد نفسي للمعركة ...]

 

فاجأني هذا التعليق ... و لمعت برأسي فكرة قراءة كفه هذا المجنون الذي أصابني بالجنون ...

حسنا يا فوسير ... ارني كفك الأيمن أو الأيسر لا يهم حقيقة فأنا ماهرة بقراءة الكف ..!

حسناً أرى انك بعد هذه الرحلة لن تكمل دراستك ... ضحك وقال : كأنك تقرأين أفكاري وكفي كذلك ...

ستزور غواتيمالا ... وتتعرف إلى حب حياتك ...!

وتذكر جيدا ... سيكون لكوبا شأن عظيم ... و ستكون أكثر وسامة حقا لو نمت لك لحية كثيفة ...

كان البرتو مترنحاً في مكان ما و يستمع لنبوءاتي الغريبة ... ضحكنا جميعا حتى أصبت بالغثيان ... [ اعلم أنكما لا تصدقان ما تحكيه لكم كاتالينا ولكن عندما تغادران ارض البيرو سيصبح كل شئ مختلفا] ...

فيما كنّا نستمع لأغنية جميلة اقترب تشي من الشاطئ وصمت لوهلة ... اقترب منه ألبرتو واخبره بأن قبوله للعمل في فنزويلا وصله بالبريد و دعاه للذهاب معه ...

كان تشي في عالم آخر ... ينظر باتجاه المستعمرة حيث المرضى ...

وقفز للماء تبعناه ، وبدأ ألبرتو بالصراخ ... ستقتلني أمك يا ارنستو ...!

لقد طلبت مني حمايتك ...

ولا يستمع ...

تجمهر بقية الأطباء والممرضات للنظر صوب النهر وكنت هادئة جداً ... [ اعلم مسبقا انه سيسبح و يصل بأمان للشاطئ المقابل ] ...

 

عصر الجمعة كان موعد رحيل الأطباء ... اجتمعنا انا وسوزا و الطبيب بريسياني والفارو والطبيب تشافيز ...

لوداع تشي حملت الحقيبة التي جاءت من المستقبل لكن أحدا هنا لا يعلم ... وضعت فيها مجموعة جديدة من الورق لكتابة مذكراته و قلماً حصلت عليه كهدية من والدي في عيدي الثاني عشر ...

كتابان لـ لوركا و نيرودا ... فقد كان يقتبس لهما كثيرا ويخلط اشعارهما بخواطره حتى ظننا أنا وألبرتو أنها جميعا من كتابة شخص واحد ...!

وفي الحقيبة أيضا ( فنتولين ) لا اعلم لماذا شعرت انني احطم كل شئ وانا اخرج علبة الدواء ...ما إن اقتربت من تشي لشرح طريقة عمله ... فوجئت بعودتي إلى الزمن الحالي ...

لأنني  تجاهلت بذلك نصيحة العرابة أدالنيا من روزاريو ... [ لا تحملي معك أي قطعة حديثة أو أي جماد ينتمي لعصرك الحالي ، فأنت بذلك تحكمين على رحلة الزمن بالانتهاء ...]

وفعلاً ... عدت إلى حيث التكييف ... !

وكثير من ملل ... ورغبة عظيمة في أن أكمل حديثي مع تشي واخبره أن يلتزم الاختباء ما بين السابع والعاشر من أكتوبر 1967 م ...!

 
 
 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية