15/07/2007

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 

أمسية الشاعرة السعودية منال العويبيل

 الوردي .. سيرة الإبداع والرهافة

عن رحلة الدمام باعتبارها تجربة من الرقة و الحب

 

ضياء يوسف _ شاعر وكاتبة سعودية

deyaa_y@hotmail.com

 
 
 
 
 

مدخل :

 السرد من الذاكرة هو تثبيت لها بشكل ما.

 
 

يحدث أن تكون لتراكمات تجاربنا السلبية مع جمهور المثقفين أو المستثقفين ردة فعل اعتزالية بشكل ما وهذا تماما ما حدث معي سابقا ..لماذا اسرد ميلي للعزلة عن مجتمعنا الثقافي الآن  ؟ لأنني سريا كنت أقول إن نجحت منال في تقاطعها مع جمهور الشرقية سأفكر جديا بقبول الدعوات المتكررة من هناك ونجاح منال من عدمه سيكون لصق معرفتي لأنني سأحضر معها هناك بكل القلب وهذا ليس اختيارا مطلقا فالأمر معها تماما يخرج عن منطقيته ويدخل في كنف العاطفة . بالطبع عند إدراك القارئ لجدية هذه النقطة سيكون مستعدا بشكل ما لأخذ كلماتي القادمة مأخذ الإفراط لكوننا كلنا و بشكل نمطي نعتقد أن لا شيء ينطلق من هكذا مستوى من التطرف الشعوري للأصدقاء إلا ويكون غير منصف أو يجانبه الحياد أقول عزيزي القارئ لا تستعجل في حكمك فأجمل ماحدث في هذه التجربة هو أن حقيقته كانت في مبالغته في الإيمان فلا رأي تكون إلا واتكأ على فكرة أساسية موجودة قبل الحدث بمسافة اقتناع تكفي ليسقط الحدث فيها .. وتحضر!    . هذا ما يجعل التحقق فكرة جميلة خصوصا  حين يحضر متأخرا وتسبقه تجارب الإيمان فيه .

 

بدأت منال التنسيق مع المنتدى الأدبي في الشرقية منذ ما يتجاوز الشهر هذا لم يكن كافيا لنا صديقاتها أو حتى لوالديها وإخوتها لاستيعاب أن الأمر سيحدث فعلا وسنضطر جميعا للحاق بقلوبنا إلى هناك لذلك كان تدبير الحجوزات أمر أشبه بخوض معركة بين الأمل والإحباط بشكل متكرر زاده إدهاشا أننا في كل مطب كنا نتشبث أكثر بينما الأكثر منطقية هو أن الأيام قادمة والحب لا يقف عند تجربة وحيدة  ! .  التقينا يوم الأحد منال في مقهى نناقش النصوص التي ستقرئها وننصت لصوتها الذي ما خشينا على سحرية إلقائه بقدر ما خشينا على الخجل أن يطفوا فيهزهزه . منال قرأت علينا القصائد وأقول جادة أن لكل قصيدة اختارتها منال ذلك البعد والزخم الاجتماعي الذي يقول عن شعر ينطلق من العيش يصل الى القارئ وتعيش في داخله تفصيلاته المستمرة في زخم شعوري واحد ودهشات متكررة . قرأت علينا منال إحدى القصائد وهي التي اختارتها لتكون الأولى وللحقيقة لم تأخذ نصيبها من الاحتفاء الذي تستحق , سيكون لي يوما وقفة مع هذه القصيدة وستعرفون ما اقصده المهم في ذكرها هنا هو أن هدوء المكان ساعد في أن تصل إلينا القصيدة بالإضافة إلى أنها قصيدة من النوع الذي يُسمع ولا يُقرأ بذات الزخم . هذه بوابة ننفذ منها لعالم الشعر الصوتي الذي ليس من بد من مواجهة حقيقته.  قد يفترض هذا النوع من الشعر وسيطا تقنيا مختلفا عن الورق لكنه شعر يقول عن عصره حتى في تقنية إيصاله . وتبعا لهذا أقول إن كان ثمة قصيدة ثمينة ويريد شاعرها أن تصل في أمسية عليه أن لا يضعها أول الركب فأول الركب يضيع عن الانتباه مع أن المتخيل يفترض غير ذلك  . قرأت منال علينا  أيضا قصيدة عن وفاة جدتها . في تلك القراءة أشعرتنا أنها ماتت للتو للمرة الثانية ..هذا ليس لأنها قالت ما تريد قوله فهذا مستحيل بل لأنها قطفت من الحقيقة شيئا أبكاها مرتين مرة حين قرأتها علينا ومرة في الأمسية وأنا على يقين أنها المرتين الوحيدتين التي تجرأت منال وقرأتها على أحد . يحدث أن من يقترب  من منال ككائن إنساني أن يدرك أنها تراوغ مشاعرها ليس قوة ولا ضعفا بل هو الحضور الحقيقي للشعور.  بمراوغتها ترتكب رقي الهدف والدلالة فعلى سبيل المثال حين أحلام مستغانمي تكتب أحبابها في روايات لتنتهي منهم منال تخشى من قصيدة القلب ان تكون " أداء الواجب ! " الذي لن يُؤدّى فعلا وتتحسر على ابتعاد هاجسه عنها ولو مجازا من خلال منجز قول ! . منال لا تريد أن تنتهي من قلق الإدراك ولا من قلق رد الدين .  هذا ليس غريبا بالطبع فسهل على التخيل أن تسكن الروح الشاعرية كلمة شاعرية والعكس  . وإن كان البعض يعطيها قوالب فينجح في تصنيفها في سلم للروعة فإن من بين الكل ليس ثمة شخص واحد يستطيع أن يمنع المتلقي من إحضار روحه ومشاعره لكلمة تقال فهذا انسجام خارج منطقة ذلك التصنيف . هذا ليس تقليلا من قيمة النقد بل على العكس هو استجلاب لهيبة حضور الكائن الشعري في المتلقي إذ الأخير هو مانفتقد الآن جدا وهو ما نحلم بإيصاله إلى شرفة الشعر والأدب والتذوق الفريد .

 في ذلك الاجتماع قررت منال قصائدها وفي ذلك الاجتماع أقنعنا سناء بالقدوم معنا وكان فعلا ما تمنيناه .

 

بدأنا اجتماعنا في المطار بكوكتيل "وردي " آتي على ذكره لأن هذا اللون ستعرفون دلالته بعد حين فليس اعتباطيا أبدا أن نجتمع أول ما نجتمع على سكره ..لقد كان عصيرا لترتيب ذاكرة الرحلة . لنتذكر أننا بدأنا به فلا نغامر بارتكاب مفاجأة حضوره لاحقا ! . المضحك هو أننا جميعنا لم نكن قد لامسنا فطورا ولا غداءا فوصلنا إلى وردي العصير يحفنا ضحك الجوع ووهنه الذي أخذ في التلاشي مع كل رشفة ..ولأكون أكثر قربا من حدث هذا الورد أقول أن من السطحي أن نأخذ حدث العصير بسطحيته فالأمر أشبه بذاكرة طويلة تتركز الآن في كوب بلاستيكي شفاف يرشح من أنوثته مايدرك بتخيل سكره أولا .. انه كائن الشعر الذي تقطر في دواخلنا منذ حين وكان نفسه بين أيدينا المتشابهة في حاجتها المختلفة في تعاطيها  . ليس أوضح دلالة على ذلك مثل قصة تفاعلنا معه .. منال الوحيدة التي انتهت من عصيرها تماما كما فعلت في كل القصة ارتشفت الحب كاملا ولم تنطلق عنه وفيه بقية تنتظر , سناء لم تخبر أبدا كم تبقى من عصيرها حين تخلت عنه واكتفت كانت قد فعلت هذا لوحدها وبمعزل عنا  . بالنسبة لي كنت الوحيدة التي تجرأت وأدخلت العصير معها في الطائرة إذ كنت مشغولة بتتبع حضور الجميع بما فيهم ابن أخ سناء الصغير الذي كونت معه صداقة حميمة ..لأول وهلة ظننت أمر إدخال عصير إلى الطائرة من الجرأة فكلهن أوهمنني بأن الأمر ممنوع لكن الحقيقة لم تكن كذلك ..تشبثت به اشربه على مهل المهل حتى صرت آخر من استيقظ من خلاله .. وصدقا مازلت أظنني اقبض عليه حتى اللحظة تماما كما تتسلل إلي كل المشاعر تلك في هذه اللحظة . حكايتي مع العصير هي تماما حكايتي مع الإبداع أعيشه بارتشافه على مهل واقبض عليه لأبعد لحظة وأنشغل عنه إذا انشغلت عنه .. بالأحبة ! . فوق ذلك أخشى منه وهو من حقي .. بل و أتعاطاه كفعل ارتكاب جريء بينما فكرة الجرأة مضخمة وهي ليست ذاتها أبدا إلا من وجهة نظر لم تتملى جيدا في الواقع أو تأخذه ببساطته أو تخشى من الإبداع نمطيا على طريقة الحس السائد .

 

قطعنا الطريق في نشوة محاولة تخيل أننا نطفوا على الجو "معا" .. ووصلنا دون أن ننجح في إدراك هذا ! . كل ما علق في أذهاننا من ذلك الوصول ضحكة أن ندرك أننا جلبنا معنا شيء من غبار الرياض بحيث ودعتنا الصفرة واستقبلتنا الصفرة . بالطبع تلك الصفرة الفادحة لم تنبئنا أبدا بأن اللون الوردي سيكون في استقبالنا هناك في الأمسية . كأنه كان المحاولة الحثيثة لمسح الوردي الأول من ذاكرتنا لنستقبل صفرة الرمل الجافة ! . للحقيقة كان أول هذا الاستقبال مزعج وأكاد اقسم أن الجميع قطف هذا الانزعاج بشكل أو بآخر إذ كان على شيء يشبه البحر أن يستقبلنا على الأقل إن لم يكن بحرا ليكن رملا أبيض ينبئ عن البحر ..يحمل بشارته وشيء من تخيله ! . لكنها كانت رسالة مختلفة كانت رسالة قلب إذ يمكن لمكان إن يتحول من الحب لحضن يتسع لمدينة أخرى بتفصيلاتها فلا يشعر القادم إليها بغربه.  كانت الدمام من فرط الحميمية تقول : " لا ترتبكوا .. انتم في الرياض ! " .

 

كان في استقبالنا فاضل عمران قاص من المنطقة الشرقية وعند وقوفه أمامنا تفرقنا ومن ثم اجتمعنا مجددا في الفندق الذي ولغرابة التنظيم كان في الخبر أي أننا قطعنا الطريق من المطار في مدينة الدمام إلى مدينة الخبر لنعود بعد ذلك لحضور الأمسية في الدمام !! . هناك في الخبر تغدينا في مطعم الفندق وبقينا ما يقارب الأربعة ساعات نلين الأجواء التي يبدوا أنها في طريقها لارتعاش . ذلك الارتعاش تبخر عن آخره مذ بدأنا نتجهز للخروج إلى النادي فقد حل محله ضحك لا يُدرك منبعه وفيه من التحليق الغني . كلنا نبتت فينا محبة .. كلنا لم نكن إلا في قدرة الاحتضان القصوى . كلنا كنا ندرك أن ثمة ليلة سعيدة جدا تنتظر منال . 

 

هذه المرة وفي طريقنا إلى النادي ذهبنا في سيارة واحدة , وشكرا بحجم السماء لمن رتب لهذا لأننا هناك في السيارة مررنا بلحظات نادرة كانت سلالم في سلم واحد .. سماوات في سماء واحدة أخذت صداقتنا لمنطقة أوسع أجمل أعمق .. و على المستوى الإنساني كانت لحظات لا تتكرر لكثيرات وكثيرين مالم تجمعهم أخوة الدم .

وصلنا مبكرا عن الجميع .. المكان لأول وهلة بدا متواضعا ذو سقف منخفض وسجاد رمادي قديم ولم يكن في القاعة أحد.  كل شيء هادئ إلا فداحة اللون المعلق على المسرح .. كان مدهشا مثل شهقة, ورديا آسرا يقول عن عصير إبداع هنا قد يأخذ الروح لأبعد من الحاجة إليه ..لأبعد من ارتشاف المعنى وكتابته .. لأبعد من التحلي به . إنه قدر أن يكون الوردي وسيطا ينقلك إلى الناس بحلة احتفال ! .

 

وجوه الحاضرات , حفاوة المنسقات .. كل شيء هناك يستدعي حضور الذات فقد لا تنتظر شاعرة مطلقا حاضنا لصوتها يشبه ما انتظر منال هناك.  أقصد غابة التوت التي تآمر عليها النور الخافت ففاض على حرير يتخلل المكان  .. ويكون التوت والنور والحرير للصدفة الجميلة من صميمها ورقتها فيدفعها حثيثا باتجاه  الألفة و الطفو والحميمية ..لا أتخيل أن ثمة طريقة لمساعدتها في أن تكون نفسها بتلقائية شديدة وفي لقاء أول , كتلك الرقة في استقبالها .  ربما ليس  مدهشا بما يكفي للمتلقي أن يحف بالمكان ذلك  اللون المائع الحاد في ورديته إن لم يتخيله يفيض من صميم شباب  الشاعرة وهي خطوة فريدة ومتجاوزة في تقريب الروح الشابة لرخام النخبوية لذلك اعتقد أن تزيين الصالة كان لائقا جدا بكون منال شاعرة قريبة من نبض المجتمع وروحه وحياته الواقعية كفتاة تعيش هذا بتفصيلاته الحية . .

 أقول أيضا إن كان ثمة ما استفز الشعر تلك الليلة أكثر من النور ..وأكثر من التوت المائع المتلألئ ..فسيكون ارتباك الخطوات الأولى المحبب ..تلك الروح التي جعلت مابين الكلمة والكلمة تنبت ابتسامة ..ومابين التصفيق والتصفيق ترتعش دهشة جديدة . منال كانت حاضرة بقوة رهافتها وحضور الصوت كان لها معه حكاية أخرى..  هي التي تؤمن أن في الصوت كائن حي ! . الصوت ككائن والشعر ككائن والتفاعل بينهما بحث سأكتب مطولا عنه في موضوع قادم بإذن الله .  المهم هنا أن في الأمسية لمح الحضور الذكوري  لـ "مسرحة" صوتها الذي يضع نفسه كاملا لصور القصيدة وتبع هذا ما كتبته الصحافة من تغطيات وهو وصف أظنه مبالغ جدا جدا جدا , إذ في صوتها ذاك الذي لبس القصيدة فأتت بحجمه كان ثمة حقيقة شعور كَتب ..قد لا يعرف كثيرون هذا وقد لا يعني شيئا أن يعرف أحد لكن لأنني لم آخذ يوما الثقافة بمعزل عن الإنسان ولا أؤمن بثقافة يُعزل إنسانها عنها أقول أن صوت منال كان في أمسيتها واضحا حد التحول بمجرد نفسه لنموذج حضور كلي لنفسها بارتباكه الملهم برهافته الآسرة و بعزمه وببساطة روح ابتساماته المتكررة ..لقد كانت هي منال فقط في صوتها ولا شيء آخر . أبكتنا وأضحكتنا ودفعتنا لـنميل برؤوسنا بـ " الله !" تقطف مع الدهشة شعور لذة ولم تهدأ لحظة لنعود إلى أنفسنا عنها . هذه منال وأدنى محاولة لإلغاء شاعر أمام قصائده بحجة أن عليه ان يرتدي ذات أخرى ليرضى الجمهور محض عبث .

البارحة أتت جريدة الحياة بتغطية لأمسية ثامر ومنال ذكرت فيها كاتبة المادة " شمس علي"  أن صوت اللاقط قطع في أثناء إلقاء الشاعرة لقصيدة " ابتسم أنت في الرياض " وأن الشاعرة قالت أنها " مؤامرة " . اللاقط بالفعل قطع وكان هذا مثار ضحك وتعليقات قالت أثناءها منال أن الغبار في الأجواء ينم عن أن ثمة مؤامرة حب من الشرقية لنصرة الرياض فليس مستغربا الآن أن تفعلها معها الشرقية عن طريق اللاقط   . كان هذا في جو يعبق بالضحك واستمر حتى عادت لقراءة القصيدة .

عموما التركيز في التغطيات على  نقل المداخلات التي أتت في آخر الأمسية وبشكل خاطف بل والتركيز فيها على حساب الشاعرين والأمسية لم يكن مطلقا ما توقعته من الصحافة فالأمسية كانت جميلة وحتى في قسم الرجال الذي لم أشاهد تفاعله بوضوح سوى ما نقلته الكاميرا كان ثمة من أخبرني أن  كثيرون تفاعلوا بل اظهروا إعجابهم بوضوح وهذا كان الحري فعلا باكتشاف أسماء جديدة توقع حضورها بهذا الزخم من أول مرة ! .

 زهراء المتروك وفاطمة النمر وصباح عيسوي أسماء اقتربت منا بألفة غامرة, من كلهم كانت ثمة طاقة مودة حقيقية تفيض حد أن نراها تتشكل في عيونهم وأحيانا في مصافحاتهم و أحضانهم في النهاية . أيضا فوزية العيوني منسقة الأمسية كانت حفاوتها كبيرة خصوصا وقد أبدت دهشتها من كوننا تكبدنا عناء الطريق من الرياض للحضور فقط ورغم كونها لم تجلس أبدا في مقعدها على المسرح ولم تقدم منال بصوتها لكنها كانت مثل فراشة تغمر المكان بروحها وحركتها . أقول فراشة تحديدا لأن كل شيء كان مجهزا ليأسرنا على هذا النحو من الرهافة . من جماعة الشعر وصلتنا باقات ورد جميلة وهذا ماكان مدهشا فانتباههم الذي أخذنا مأخذ الضيوف الأعزاء بهذه الطريقة اللطيفة لا ينسى بسهولة .. هذا ما اعتقد أن النادي نجح فيه جدا  / لقد  وشم أرواحنا بتجربة ختامها الورد ! ولا تنسى .

 

في طريق العودة لفرط السكينة والتعب نام الجميع في الطائرة .. وحدي كنت أهجس بالعصير الوردي ولفرط ما شعرت بالامتلاء رفضت عرض المضيفة بكوب عصير فالسكر الوردي الذي احتسيته طوال اليوم إلهاما ملء روحي ويكفيني لعمر طويل .

 

 
 
 
 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية