|
أمَُ كلثوم تغني " يا طول عذابي " .
خيوط من الدخان
تمتد متهتكة ؛ من سيجارة في المطفأة ، حتى منطقة
تتلاشى فيها عند حافة الطاولة
.
سئمت الكتابة عن التبغ ، عن المطفأة ، عن الطاولة ، عن
أشيائي التي سئمت وجودها في
عقر حواسي . أم كلثوم تغني و تغني . قطعت مسافة من
مقدمة أغنيتها الحزينة . وصلت
الآن عند " يا ما غالبت الشوق وداريت " . الشوق بحاجة
إلى سيجارة جديدة . الشوق و
السيجارة عجينة سريعة التحضير . الدخان طعمه مزيج من
طعم أشياء كثيرة . أحيانا
تغلبه المرارة مثل الشوق ، و أحيان يصير ماسخا كالسأم
، و مرات كثيرة يغدو الدخان
بلا طعم . حالات متعددة في الحياة لا طعم لها و لا
رائحة . بعض الأشياء منها تصير
مثل أثر الحروق في الجلد ؛ لا تؤلم بذاتها ، و إنما
بإمكانها توليد آلامٍ كالوخزات
في الذاكرة . إنها لعبة آسرة ، يتقنها ، فقط ، من
يمتلك خفةً في حواسه ، و يستطيع
أن يدير " سيركاً " مهولاً بمفردة . أتذكر أول لفافة
تبغ جربت دخانها . أتذكر أيضا
أول أغنية سمعتها لأم كلثوم . أتذكر أشياءً و مناسبات
كثيرة التقيتها و تواجدت فيها
لأول مرّة ، و من المصادفة أن يكون أبقى هذه الأشياء و
أبلغها حروقاً في جلدة
الحواس ، قد حدث أغلبها في زمن واحد ، و في مناسبة
واحدة . هل أستطيع أن أسمي اليأس
مناسبة ؟! أجل . هو كذلك!! . لقد كان مناسبة عظيمة
.
أوقفت الشريط بالمسجلة
، صمتت أم كلثوم تماما . لم يعد هناك عذاب يُغنى ، أو
يطول ، و لا شوق يُدارى ، و
لا حتى يُشاع . فقط هذه الصيغة الصوتية الرخوة ، و
الممطوطة في فضاء غرفة المكتب ،
تبقبق كعجينةٍ تختمر فيها خلفيات الأصوات بهدوء و
رتابة ؛ صوت مروحة المدفئة
الصغيرة ، أزيز مصباح الغاز ، و طقطقات قطع الأثاث
السأمة في نومتها الأبدية على
سطح أرضية السيراميك . و ماذا بعد ؟! أجل . يوجد هنا
ثمة أنفاس . أنفاسي أنا . مع
شيءٍ من فحيح يخالطه ضمورٌ غريب ، و كأن كمنجةً خربة و
منسية ، سقطت في قاع حنجرتي
من صرّة أغنية قديمة . هكذا تبدو الاستفاقات بعد
اغماضاتٍ طويلةٍ في قبضة الخدر
.
سرعان ما يصيبها هي الأخرى خدرٌ مشابه . تنتج عنه هذه
الخيالات الغامضة
.
هل
رحلت أم كلثوم من هنا ؟! أجل . رحلت ، ألم آذن لها
بالرحيل . فعلت ذلك بإصبعٍ واحدة
.
إذاً ، لِمَ هذه الكمنجة هنا ؟! منْ مِن الأشقياء
نسيها في حنجرتي ؟!
تذكرت
..
كانت أم كلثوم تربي الآهات في الصدور . كان عبد الرحمن
منيف يربي المنافي في الأذهان. كان أمين معلوف يصلب
التاريخ على ( صخرة طانيوس
)
على مرمى حجرٍ من العيون . و كان هيكل ، يخترع عرباً (
لا وجود لهم ) في العروق . و
مؤخراً أقدم عراقيٌ على ابتداع مفهوم جديد للحسد ؛
الحسد على الموت بصورة بطل ،
بهيئة جبل ، بصفحة بيضاء من الدنس ، من كل الدنس الذي
قد يخلفه أي رئيس عربي في
أذهان و قلوب الشعوب و جوارحهم المهشمة على يد البوليس
السري و العلني
.
كم
من الكتب علي أن أقرأ لكي أعرف من أنا ؟!
كم من الأخبار علي أن أسمع و أرى لكي
أحدد مكامن العطب في شخصيتي العربية الممحوقة ؟!
إلى أي ثقافة علي أن أشد رحل
بغلتي العرجاء ؟
إلى وطن ؟!
و أي وطن ؟
إذا كانت أمي تردد عليّ صباح مساء
أن الوطن الوحيد لابن آدم هو ضميره ، فهل تبقى لي من
وطن إذا صار الضمير نفسه أشبه
بملف رقمي صغير قدد تتسرب عبر تركيبته المخترقة كل
فيروسات البلادة و التجمد
!
يحدث هذا في كل وقت ؛ من انبلاج مقلتيّ الساهمتين من
بين جفونهما الباردة
صباحاً و حتى غورانهما في ترابية النوم عند منتصف
الليل ، و أحيانا الفجر . يحدث
هذا لأنني ابن هذا العصر ؛ ابنه المطيع جدا حد
الاستلاب
.
هل فعلاً لم يعد
لنا وطن سوى هذه العوالم الافتراضية التي نخترعها و
نلقي بأنفسنا لنضيع فيها و
كأننا شخصيات عائمة في فيلم " ماتركس " مثلا ؟!
كم أتمنى أن لا يكون (
وطن
دوت نت
) له علاقة بهذه الهواجس المزعجة ، كم أتمنى أن
لا يفصلنا عن وطننا الحقيقي
طرفة عين
.
كم أتمنى أن يكون ( وطن ) أحد المعابر التي نتجمع عند
نقطة الاختلاف
في مضيقها لنعود في قوافل متحدة إلى الوطن من جديد ،
بكل آراءنا المختلفة ، و بكل
ما نستطيعه من حب بمقدوره أن يتجاوز بنا اختناقات
الاختلاف التي دائما ما نلفظ آخر
أنفسانا عندها |