01/07/2007

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 

محاولة لقولِ شيء ...

أحمد سالمين _ شاعر وسينارست إماراتي

asalmeen@hotmail.com

 
 
 
 

أمَُ كلثوم تغني " يا طول عذابي " . خيوط من الدخان تمتد متهتكة ؛ من سيجارة في المطفأة ، حتى منطقة تتلاشى فيها عند حافة الطاولة . سئمت الكتابة عن التبغ ، عن المطفأة ، عن الطاولة ، عن أشيائي التي سئمت وجودها في عقر حواسي . أم كلثوم تغني و تغني . قطعت مسافة من مقدمة أغنيتها الحزينة . وصلت الآن عند " يا ما غالبت الشوق وداريت " . الشوق بحاجة إلى سيجارة جديدة . الشوق و السيجارة عجينة سريعة التحضير . الدخان طعمه مزيج من طعم أشياء كثيرة . أحيانا تغلبه المرارة مثل الشوق ، و أحيان يصير ماسخا كالسأم ، و مرات كثيرة يغدو الدخان بلا طعم . حالات متعددة في الحياة لا طعم لها و لا رائحة . بعض الأشياء منها تصير مثل أثر الحروق في الجلد ؛ لا تؤلم بذاتها ، و إنما بإمكانها توليد آلامٍ كالوخزات في الذاكرة . إنها لعبة آسرة ، يتقنها ، فقط ، من يمتلك خفةً في حواسه ، و يستطيع أن يدير " سيركاً " مهولاً بمفردة . أتذكر أول لفافة تبغ جربت دخانها . أتذكر أيضا أول أغنية سمعتها لأم كلثوم . أتذكر أشياءً و مناسبات كثيرة التقيتها و تواجدت فيها لأول مرّة ، و من المصادفة أن يكون أبقى هذه الأشياء و أبلغها حروقاً في جلدة الحواس ، قد حدث أغلبها في زمن واحد ، و في مناسبة واحدة . هل أستطيع أن أسمي اليأس مناسبة ؟! أجل . هو كذلك!! . لقد كان مناسبة عظيمة .

أوقفت الشريط بالمسجلة ، صمتت أم كلثوم تماما . لم يعد هناك عذاب يُغنى ، أو يطول ، و لا شوق يُدارى ، و لا حتى يُشاع . فقط هذه الصيغة الصوتية الرخوة ، و الممطوطة في فضاء غرفة المكتب ، تبقبق كعجينةٍ تختمر فيها خلفيات الأصوات بهدوء و رتابة ؛ صوت مروحة المدفئة الصغيرة ، أزيز مصباح الغاز ، و طقطقات قطع الأثاث السأمة في نومتها الأبدية على سطح أرضية السيراميك . و ماذا بعد ؟! أجل . يوجد هنا ثمة أنفاس . أنفاسي أنا . مع شيءٍ من فحيح يخالطه ضمورٌ غريب ، و كأن كمنجةً خربة و منسية ، سقطت في قاع حنجرتي من صرّة أغنية قديمة . هكذا تبدو الاستفاقات بعد اغماضاتٍ طويلةٍ في قبضة الخدر . سرعان ما يصيبها هي الأخرى خدرٌ مشابه . تنتج عنه هذه الخيالات الغامضة .
هل رحلت أم كلثوم من هنا ؟! أجل . رحلت ، ألم آذن لها بالرحيل . فعلت ذلك بإصبعٍ واحدة .
إذاً ، لِمَ هذه الكمنجة هنا ؟! منْ مِن الأشقياء نسيها في حنجرتي ؟!

تذكرت ..

كانت أم كلثوم تربي الآهات في الصدور . كان عبد الرحمن منيف يربي المنافي في الأذهان. كان أمين معلوف يصلب التاريخ على ( صخرة طانيوس ) على مرمى حجرٍ من العيون . و كان هيكل ، يخترع عرباً ( لا وجود لهم ) في العروق . و مؤخراً أقدم عراقيٌ على ابتداع مفهوم جديد للحسد ؛ الحسد على الموت بصورة بطل ، بهيئة جبل ، بصفحة بيضاء من الدنس ، من كل الدنس الذي قد يخلفه أي رئيس عربي في أذهان و قلوب الشعوب و جوارحهم المهشمة على يد البوليس السري و العلني .

كم من الكتب علي أن أقرأ لكي أعرف من أنا ؟!
كم من الأخبار علي أن أسمع و أرى لكي أحدد مكامن العطب في شخصيتي العربية الممحوقة ؟!
إلى أي ثقافة علي أن أشد رحل بغلتي العرجاء ؟
إلى وطن ؟!
و أي وطن ؟
إذا كانت أمي تردد عليّ صباح مساء أن الوطن الوحيد لابن آدم هو ضميره ، فهل تبقى لي من وطن إذا صار الضمير نفسه أشبه بملف رقمي صغير قدد تتسرب عبر تركيبته المخترقة كل فيروسات البلادة و التجمد !
يحدث هذا في كل وقت ؛ من انبلاج مقلتيّ الساهمتين من بين جفونهما الباردة صباحاً و حتى غورانهما في ترابية النوم عند منتصف الليل ، و أحيانا الفجر . يحدث هذا لأنني ابن هذا العصر ؛ ابنه المطيع جدا حد الاستلاب .

هل فعلاً لم يعد لنا وطن سوى هذه العوالم الافتراضية التي نخترعها و نلقي بأنفسنا لنضيع فيها و كأننا شخصيات عائمة في فيلم " ماتركس " مثلا ؟!

كم أتمنى أن لا يكون ( وطن دوت نت ) له علاقة بهذه الهواجس المزعجة ، كم أتمنى أن لا يفصلنا عن وطننا الحقيقي طرفة عين .
كم أتمنى أن يكون ( وطن ) أحد المعابر التي نتجمع عند نقطة الاختلاف في مضيقها لنعود في قوافل متحدة إلى الوطن من جديد ، بكل آراءنا المختلفة ، و بكل ما نستطيعه من حب بمقدوره أن يتجاوز بنا اختناقات الاختلاف التي دائما ما نلفظ آخر
أنفسانا عندها

 
 
 

منتديات وطن

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية