01/07/2007

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 

إلى رافع ـ نص الذاكرة

رندا المغربي _ فرنسا

r_parisetmoi@hotmail.com

 
 
 
 

و من يذكُرُكَ الآن يا رافع ؟
الكل مشغول ببندقية و شظية والكثير من لحم أخيه المنهوش على المنابر ..
أين أخوتك الخمسة ؟
أين أمك بثوبها الأسود المطرز و يديها المتشققتين من صابون الغسيل الرخيص ؟
كبرتُ كثيراً يا رافع و كبر سؤال الفقد في قلبي و الذاكرة تعرق وتعرق بحثاً عنك ..

 سألتُ عنك أبي ..
حانوتنا الصغير على رأس الشارع ،
عينيّ أمك الذابلتين ..
و سألتُ عنك دم المغدور ..
و أذكر بأني كبرتُ و بكيت ..

 يدي الصغيرة طالت أظافرها و صادفتها أشياء كثيرة
لكن يظل ملمس بطن كفك أشد ألتصاقاً بنسيج القلب وأنت تشد على راحتي قاطعاً بي الطريق من المدرسة إلى دارنا ..

 رافع ..
باع أبي الحانوت ..!
باعه بمقعدك الخشبي خلف الطاولة العرجاء حيث كنت تسند كوعك و تغمس رأسك في كتاب ..
أظنك قلت لي يوماً بأنه كتاب شعر ..
و رحت أفكر كثيراً كيف هو الشعر ؟
فضضت الأفق الممتد على قامتك الرمح بحثت في قميصك الأبيض و بنطالك الأزرق لتستقرا عيناي على سلسلة فضية في صدرك يتدلى منها شيء يشبه الخنجر ..
قلت لي بأنه وطنك و اسمه فلسطين ..
لم يكن ليملأ رأسي الصغير سوى "عرائس الزعتر" التي كنت تتفنن بصنعها مع كوب الشاي وأنت تتغنى بأشياء حزينة لا أفهمها ولكني أحسها و نسيت أن اسألك عن وطنك فصمتَ و رحتَ تغني خلف الصباح..

 أتشبع بالمطر ..
والذاكرة تشق قلبي مضياً بي لعتبة داركم الصغير ..
حجرتان و مطبخ معتم و كنيف يقطع سكونه قطرات الماء الساقطة من الصنبور لترتطم بالأرض ..
أمك التي تحتضنني بذراعيها و تفسح لي مكاناً حول السُفرة المتحلق حولها أخوتك الصغار، اتكيء على فخذها المثني وأفتح فمي للقمات من الأرز المطيب على الطريقة الفلسطينية بالباذنجان و شرائح البطاطس
تدسها بفمي فلا أجد متسعا من الوقت لأمطرك باسئلتي المتطفلة ..
 تظل وحيدا متمدداً على "طراحة الأسفنج" تقرأ ، فأراك تبتعد عني لتطفو على سقف الحجرة ..
أمد يدي لأمسك بكم قميصك فتمسح على شعري لأطمئن ..
كم من مرة عدت بي لدارنا محمولة على كتفك؟ ورأسي يطوح به النوم ، وتغضب منك أمي لأنها لم ترني نهاراً بأكمله ..

 متى ذابت آخر نجمة في المساء ؟
حين سألت عنك أبي فلم يجبني إلا عكر الدمع في عينيه ..
حين تهتُ وحدي وأنا أبحث بين الطرقات عن عتبة داركم فلم أجدها ولم تعد أنت يا رافع لتقطع بي الشارع من المدرسة إلى البيت .

 كان صيفاً تلاه خريف فشتاء و فمي يلوك السؤال كل صباح . أين رافع ؟
قالوا بأنك عُدت للوطن ..
وتركت أمك وأخوتك الخمسة و تركت كتاب الشعر في حانوت أبي و كوفيتك المبقعة بعرق الكد لتطعم اخوتك .

 قالت أمي : رافع عاد لوطنه ولن يعود
قال أبي : الشهداء يعيشون في السماء ..
حملتُ سلماً و صعدت لسطح دارنا لأراك في السماء
لكن السماء ظلت بعيدة و أنت القريب البعيد يا رافع .

 ظللت أبحث حتى وجدت عتبة داركم ، طرقت الباب كثيراً لكن أمك لم تكن هناك ولا أخوتك ، لم يكن إلا أنين حمامة بيضاء على جدار بيتك والقليل من ظلي المتعب أسحبه عائدة بخيباتي ..

في المدرسة ..
في حصة الجغرافيا تعرفت لوحدي على وطنك من خارطة تشبه الخنجر قلت للمعلمة هنا يعيش رافع صديقي .
صفعتني المعلمة وسامحتها حينها لأنها لم تعرفك مثلي يا رافع .
سألت المراقبة وهي تجمع تبرعاتنا الصغيرة لفلسطين
ـ هل سيعود رافع لو أعطيتكِ ريالي ؟
لم تفهم شيئاً لكني وضعت ريالي في الصندوق الخشبي
ولم ابتع يومها الحلوى التي أحب لأني أحبك أكثر وأريدك أن تعود يا رافع .

 الغد لا يلد الأمس ..
الأمس يعيش فينا وتلده الذاكرة بكثير من العذاب ، الأمس وجهك المنهك و عينيك السوداوتين و لهجتك المحببة و أنت تناديني لأحتسي معك منقوع المريمية في حانوت والدي ، ترتب البضائع على الأرفف و أعود لأعبث بها وبصبر يمل منه الصبر تضحك وتعيد ترتيبها و أنت تُغني ..

 مدينتنا الصغيرة على كتف الصحراء ، تبدلت يا رافع وتبدلت معها ملامحنا و أزمنتنا و ظللت أنتَ أنتَ بكتاب الشعر و كوعك المستند على طيات قلبي ..

 طويت الطرقات و المنازل الصغيرة و حانوت أبي وكتاب الشعر و قامتك الفارعة وكأس الشاي على الطاولة وخبئتكم كلكم بين ضلعي و ضلعي .
و رحلت بعيدا يا رافع لسماء أخرى عساي أراك بها أو تهبط لي من نجمة ..
فتشت عنك وبحثت عنك في شعر درويش و رسومات ناجي العلي و عود مارسيل خليفة و سألتُ عنك المهجّرين و المنسيين فقالوا : اسألي الشهداء .

ظللت أرقب أخبار وطنك في الجرائد و أمام الشاشة
لعلّي أتعرف على عينيك بين الآف الوجوه المصبوغة بلون الفواجع و الدمار ، وكل مرة أعود وحيدة وباردة
طفلة تخاف أن تقطع الطريق فتشطرها قذيفة ، وأبكي لأن غصن المريمية يخمش قلبي و يدك ليست هنا لتمسح على الجبين ..

 بتُ أخاف عرائس الزعتر وأكواب الشاي و أغصان الزيتون و كُتب الشعر المصفوفة على الأرفف ..
بتُ أخاف من شبابي يغتال كل يوم ورد الطفولة الطالع من بين يديك ..
و لم أعد أصدق شعاراتهم و مصطلحاتهم المسمومة تلوث دمنا .

 بين العالم وأنا ..
تتسع المسافات في كل دقيقة لتضيق بينك وبيني ..
بينك وبيني ..
شجر الروح قصيدة لم تقرأها بعد وأخاف أن أكتبها فلا تعجبك ..
 بينك وبيني ..
وردة الأصابع ، بحرٌ لا ينام ، أرضٌ أعرفها ولم أرها ، وطنٌ مغموس في الضلع كخنجر ، رؤوس الشهداء المرفوعة مع كل آذان ..
شبع أطفال وطنك من الموت و جوعهم للسماء ..
عروبة مذبوحة ببلاهات الضاد العمياء ..
حروبٌ كسرتنا و أنت تقرأ الشعر لملائكة الله ..
يدي التي تصادف اشياءا كثيرة فلا تألفها كما ألفتك..
أمُكَ التي لا تملك إلا أن تغفر لك رحيلك في ركب الشهداء ..
أخوتك الذين كبروا فتقاتلوا أمام قبرك على وطن لم يولد بعد..

 بينك وبيني ..
وعدٌ يثقل كاهلي بأن أحمل ياسمين الفجر كله لأزين به شاهد قبرك و أقرأ لك قصيدة وطن محكوما بأن يظل في السماء عالقاً تماماً كحرقة الزعتر و حزن المريمية في قلبي ..


 بينك وبيني ..
كل شيء ينهار و يندحر، ليظل شاهد قبرك في ركب الشهداء واقفاً كأم الشهيد تشيعه للسماء ...
كــ قامتك الرمح في الذاكرة لا تنحني !
 

 
 
 
 
 
 
 

قريبا .. جميع مواد الكاتبة في صفحة خاصة

 
 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية